انخفاض غير مسبوق.. لماذا تتراجع الاستثمارات الصينية في إسرائيل؟

"الاستثمارات الصينية تشكل نسبة ضئيلة من إجمالي الاستثمار الأجنبي في إسرائيل"
تشهد الاستثمارات الصينية في إسرائيل تحولا ملحوظا نحو نمط أكثر حذرا وانتقائية، مع تراجع نسبي في حجمها دون أن يصل ذلك إلى قطيعة اقتصادية كاملة.
ورصد باحثان من معهد "دراسات الأمن القومي" الإسرائيلي تحولا جذريا في طبيعة الاستثمارات الصينية في إسرائيل، مشيرَين إلى أن هذا التحول لا يعني "انفصالا" اقتصاديا كاملا، بل انتقالا إلى نمط من المشاركة الأكثر محدودية وانتقائية.
جاء ذلك في دراسة أعدها كل من الدكتور تومر فادلون والنقيب احتياط روي بن تسور، أوضحا فيها أن حجم الاستثمار الصيني في إسرائيل سجل أدنى مستوياته عام 2023، إذ لم يتجاوز 39 مليون شيكل، بما يعادل 0.12 بالمئة فقط من إجمالي الاستثمارات الأجنبية في إسرائيل خلال ذلك العام.
وأرجع الباحثان هذا التراجع الحاد إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها تصاعد التنافس بين القوى الكبرى، والضغوط الأميركية الرامية إلى الحد من المشاركة الصينية في القطاعات الحساسة، إلى جانب إنشاء آلية إسرائيلية لفحص الاستثمارات الأجنبية.
وأشارا كذلك إلى أن بكين تبنت سياسة استثمارية أكثر حذرا وانتقائية على المستوى العالمي، فضلا عن تداعيات جائحة كورونا وحرب غزة، وما نتج عنهما من تأجيل للصفقات، وتراجع في السفر التجاري، وتصاعد التوترات السياسية.
تراجع متسارع
كما استعرض الباحثان المسار التاريخي للاستثمارات الصينية الخارجية، موضحَين أن بكين لم تكن تنفق سوى نحو مليار دولار سنويا على الاستثمار الخارجي عند إطلاق الرئيس آنذاك جيانغ زيمين سياسة "الانطلاق عالميا" مطلع الألفية، قبل أن يرتفع هذا الرقم إلى نحو 50 مليار دولار بحلول عام 2008.
ثم قفز الاستثمار الصيني الخارجي إلى ذروته عام 2016 عند 196 مليار دولار، في أعقاب إطلاق مبادرة الحزام والطريق عام 2013، ليحتل المرتبة الثانية عالميا بعد الولايات المتحدة.
وأشارا إلى أن الصين فرضت أواخر 2016 وطوال 2017، قيودا على الاستثمارات الخارجية "غير الرشيدة" في قطاعات العقارات والفنادق والترفيه والأندية الرياضية، بهدف تنظيم تدفقات رأس المال.
ومنذ أزمة كورونا، برز تحول نحو إستراتيجية استثمارية أكثر حذرا وتركيزا، إذ تراجع التوسع المكثف للشركات التكنولوجية الصينية في الخارج لصالح الاستثمار في البنية التحتية للتصنيع وتعزيز مرونة سلاسل التوريد.
ويرى الباحثان أن هذا التحول يعكس تركيز الصين المتزايد على تحقيق الاكتفاء الذاتي وتقليص الاعتماد على التكنولوجيا الخارجية.
وأوضح الباحثان أن التراجع العالمي في الاستثمارات الصينية انعكس بوضوح على إسرائيل، إلا أن الحالة الإسرائيلية تأثرت أيضا بعوامل إضافية، أبرزها تصاعد الضغوط الأميركية وتدهور العلاقات الثنائية بين إسرائيل والصين منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وأشارا إلى أن الضغوط الأميركية بدأت تتصاعد خلال الولاية الأولى لدونالد ترامب، خاصة بعد نشر إستراتيجية الأمن القومي لعام 2017، التي وضعت التنافس مع الصين في صدارة أولويات واشنطن.
وفي هذا الإطار، قررت الحكومة الإسرائيلية أواخر عام 2019 إنشاء آلية استشارية لفحص الجوانب الأمنية للاستثمارات الأجنبية، في خطوة وسّعت مفهوم الأمن القومي ليشمل المجالين الاقتصادي والمدني.
وأضاف الباحثان أن إدارة جو بايدن واصلت هذا النهج، إذ أصدرت عام 2022 بيانا مشتركا مع رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، يائير لابيد، بشأن إطلاق حوار إستراتيجي حول التقنيات المتقدمة، تضمن إنشاء فريق عمل معني بأنظمة التكنولوجيا الموثوقة.
ورغم عدم الإشارة المباشرة إلى الصين، فإن السياق الأوسع للتنافس بين القوى الكبرى يعكس بوضوح المخاوف الأميركية من تنامي النفوذ الصيني، وهو النهج الذي استمر أيضا في ظل إدارة ترامب الحالية.

تحول جوهري
وأشار الباحثان إلى أن حجم الاستثمار الصيني في إسرائيل بلغ 1.63 مليار دولار عام 2020، بما يعادل 6.7 بالمئة من إجمالي الاستثمارات الأجنبية، قبل أن يتراجع تدريجيا إلى 470 مليون دولار عام 2021، ثم إلى 343 مليون دولار عام 2022.
وفي عام 2023، وصل الاستثمار الصيني إلى أدنى مستوياته عند 39 مليون دولار فقط، بالتزامن مع اندلاع الحرب وتصاعد الضبابية السياسية والأمنية، إلى جانب تدهور العلاقات الثنائية نتيجة امتناع بكين عن إدانة عملية 7 أكتوبر 2023 بشكل صريح، وتبنيها مواقف ناقدة لإسرائيل في المحافل الدولية.
وأضاف الباحثان أن عام 2024 شهد انتعاشا جزئيا بلغت قيمته نحو 800 مليون دولار، إلا أن الجزء الأكبر منه ارتبط بصفقة واحدة ضخمة في قطاع الألعاب.
وتمثلت هذه الصفقة في استحواذ شركة "بلايتيكا" الإسرائيلية المملوكة لصينيين على شركة "سوبر بلاي" مقابل نحو 700 مليون دولار، ما يعني أن ذلك لا يعكس عودة واسعة ومنهجية لرأس المال الصيني.
وأوضحا أن أنماط الاستثمار الصيني الراهنة في إسرائيل لا تتسم فقط بالتراجع الحاد، بل أيضا بتركيز قطاعي واضح، إذ تتركز غالبية الاستثمارات في مجالات علوم الحياة والتقنيات الطبية والتكنولوجيا المالية.
وتستحوذ علوم الحياة على نحو 40 بالمئة من إجمالي الصفقات، تليها تكنولوجيا المعلومات والبرمجيات بنسبة تقارب 31 بالمئة.
ويعكس هذا التركز توجها واضحا نحو القطاعات الأقل حساسية من الناحية الإستراتيجية، والأعلى من حيث الإمكانات التجارية، حيث يمكن تنفيذ استثمارات في حصص أقلية دون السيطرة على الأصول المادية أو البنية التحتية الحيوية.
وأشار الباحثان كذلك إلى تحول جوهري في هوية المستثمرين الصينيين، فبعدما كانت الشركات والمؤسسات المملوكة للدولة حاضرة بقوة خلال العقد الماضي، تراجع الاستثمار المباشر لهذه الجهات بشكل شبه كامل منذ عام 2023.
وبات معظم النشاط الاستثماري يجري عبر صناديق رأس المال الاستثماري والمستثمرين من القطاع الخاص، بما يوفر حضورا أقل وضوحا، ويمنح مسافة مؤسسية أكبر عن الدولة والحزب الشيوعي.
ويعكس هذا النمط تكيفا واضحا لرأس المال الصيني مع بيئة تنظيمية وجيوسياسية أكثر صرامة.

مخاطر التداعيات
وخلص الباحثان إلى أن البيانات تشير إلى حدوث تحول هيكلي في طبيعة الانخراط الاقتصادي الصيني مع إسرائيل.
وأوضحا أنه، خلافا لبعض الروايات المتداولة في الخطاب الأمني والإعلامي الإسرائيلي، والتي تُصوّر الاستثمارات الصينية بصفتها تهديدا نظاميا متصاعدا، فإن البيانات تقدم صورة مغايرة.
فبحسب الدراسة، تشكل الاستثمارات الصينية نسبة ضئيلة جدا من إجمالي الاستثمار الأجنبي في إسرائيل، كما أن حجمها خلال السنوات الثلاث الماضية كان مماثلا تقريبا لمستويات الاستثمار القادمة من دول مثل السويد وفرنسا والهند.
وفي المقابل، لا تزال الولايات المتحدة المستثمر الأبرز بفارق واسع، إذ جاء نحو ثلثي الاستثمار الأجنبي في إسرائيل عام 2024 من الولايات المتحدة، مقابل 3 بالمئة فقط من الصين.
وأكد الباحثان أن المخاطر الرئيسة اليوم لا ترتبط بالملكية المباشرة للأصول الإستراتيجية، بل تتمثل في أربعة أبعاد رئيسة: التبعية والنفوذ الأجنبي، والاضطرابات، ونقل التكنولوجيا، ومخاطر المعلومات.
وأشارا إلى أن انخفاض حجم الاستثمار يقلّص المخاطر المرتبطة بالملكية، لكنه لا يلغي احتمالات التعرض للاضطرابات التشغيلية عبر سلاسل التوريد أو مخاطر نقل المعرفة.
واختتم الباحثان بالتوصية بأن تواصل إسرائيل تعزيز آلية مراجعة الاستثمارات الأجنبية بالتنسيق الوثيق مع الولايات المتحدة، دون الذهاب إلى التخلي الكامل عن الاستثمار الصيني، بل عبر تحديد القطاعات المسموح بها بصورة واضحة.
وأوضحا أن القطاعات المدنية منخفضة المخاطر، مثل التكنولوجيا المالية وبعض مجالات علوم الحياة، لا تنطوي بطبيعتها على حساسية أمنية مرتفعة، ويمكن تشجيع الاستثمار الصيني فيها.
وأكد الباحثان أن معظم المخاطر الحالية باتت أكثر تركيزا وقابلية للإدارة عبر آليات الفحص والأدوات المساندة، لكنها لا تزال تتطلب رقابة مستمرة للحيلولة دون تفاقم مخاطر التداعيات، خصوصا في مجالات المعلومات والتكنولوجيا.















