عبر النفط والمال.. هل تسعى أميركا إلى توحيد شرق ليبيا مع غربها؟

"هذه ليست حكومة تتفق على ميزانية، بل عائلتان سياسيتان مختلفتان تتفقان على تقليص إنفاقهما"
في 11 أبريل/نيسان 2026، أعلن مصرف ليبيا المركزي التوصل إلى اتفاق بشأن ميزانية موحدة للبلاد، في خطوة تُعد الأولى من نوعها منذ أكثر من 13 عاماً، بعد فترة طويلة من الانقسام أسهمت في تعميق الأزمة الاقتصادية والمالية في ليبيا.
ويهدف الاتفاق، الذي تم بوساطة مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترامب للشؤون العربية والإفريقية، إلى مكافحة الفساد وتوفير تمويل كافٍ للمؤسسة الوطنية الليبية للنفط بما يدعم زيادة الإنتاج.
ووصف بولس الاتفاق، عبر منصة "إكس"، بأنه "جزء من خارطة طريق أوسع لتحقيق السلام والوحدة الوطنية".

إنجاز تاريخي
ورحبت دول الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا ومصر وتركيا والسعودية والإمارات وقطر بتوقيع الميزانية الموحدة.
وذكرت هذه، في بيان مشترك أن "التنفيذ الكامل للميزانية الموحدة سيسهم في تعزيز الاستقرار المالي في ليبيا، والدفاع عن قيمة الدينار والقوة الشرائية للشعب الليبي، وتمكين تنفيذ مشاريع التنمية والاستثمارات الدولية في مختلف أنحاء البلاد، إضافة إلى تعزيز المؤسسات التكنوقراطية الحيوية في ليبيا، بما في ذلك مصرف ليبيا المركزي، والمؤسسة الوطنية للنفط، وديوان المحاسبة الليبي".
وقال محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي عيسى، إن هذا الاتفاق "يؤسِّس لمرحلة من الوضوح والانضباط المالي، عبر إنجاز هذا المسار التاريخي الذي يُوحِّد الإنفاق العام في بلادنا".
كذلك، عبّر "المركزي" عن تأكيد "التزامه التام بمبادئ الإفصاح والشفافية المصاحبة لتنفيذ هذا الاتفاق في بنوده كافة، بما يضمن وضوح البيانات المالية، وتعزيز الثقة في إدارة الموارد العامة".
ومع ذلك، ورغم أن الاتفاق يمثل خطوة إيجابية، فإن محللين قالوا لمجلة "فورين بوليسي" الأميركية إنه أقرب إلى اتفاق لضبط الإنفاق، ومن غير المرجح أن يقود إلى توحيد أوسع في المدى القريب.
وقال عماد الدين بادي، الباحث البارز في المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، للمجلة، إن الميزانية لا تستند إلى إصلاحات هيكلية أو آليات إنفاذ. وأضاف أن "الاتفاق في هذه المرحلة أقرب إلى وعد شفهي".
وتواجه ليبيا أزمة اقتصادية منذ اندلاع الحرب عام 2011، مع ارتفاع تكاليف المعيشة، وعدم استقرار عائدات النفط، وتزايد الدين العام.
واليوم، في أعقاب وقف إطلاق النار عام 2020، تسهم كلتا الإدارتين -الحكومة المعترف بها دوليا في طرابلس بقيادة رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة، والفصيل المنافس في الشرق بقيادة المشير خليفة حفتر- في استمرار الإنفاق المفرط.
وقالت ريانون سميث، المديرة التنفيذية لشركة "ليبيا أناليسيس" الاستشارية: إن "أبرز مظاهر هذا الإنفاق هو تراجع قيمة الدينار الليبي".
وبدأ بولس مفاوضات مع الحكومتين المتنافستين في يوليو الماضي، بهدف تعزيز السلام وإبرام "صفقات تجارية" للشركات الأميركية في ليبيا، وهي دولة نفطية تصدر معظم نفطها إلى الأسواق الأوروبية.
وبعد أسابيع من الإعلان عن اتفاق الميزانية في أبريل/نيسان، وقعت شركة شيفرون الأميركية اتفاقا أوليا مع المؤسسة الوطنية للنفط لتقييم إمكانات النفط والغاز الصخري في البلاد.
ويتسق هذا النهج في ليبيا مع جزء كبير من السياسة الخارجية لإدارة ترامب، حيث تُفهم المصالح الأميركية في مختلف النزاعات في إطار اقتصادي بالأساس، كما كتب بلال عبد الله في منتدى كامبريدج للشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENAF).
ونتج عن المفاوضات ميزانية تنمية موحدة بقيمة 30 مليار دولار، تخصص نحو 1.9 مليار دولار للمؤسسة الوطنية للنفط، إلى جانب مخصصات أخرى تغطي الدعم ورواتب الموظفين وبدلات الأسر والنفقات التشغيلية، وفقا لوكالة رويترز.
ورغم أن تفاصيل كثيرة من الميزانية لم تُعلن، فإن الهدف العام يتمثل في مواءمة الإنفاق على البنية التحتية المتوازية والحد من الإفراط في الإنفاق الحكومي.

حل مؤقت
لكن بادي قال إن "كيانين سياسيين يوزعان أجزاء منفصلة من هذه الميزانية"، وإن هناك "محدودية في الاستعداد لممارسة الإكراه أو الضغط على الأطراف الليبية".
وأيدت سميث هذا التقييم قائلة: "هذه ليست حكومة تتفق على ميزانية، بل عائلتان سياسيتان مختلفتان تتفقان على تقليص إنفاقهما".
ورحبت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بالاتفاق، وعدته "تقدما مهما نحو تلبية الحاجة الملحة لتعزيز الانضباط في إدارة الإنفاق العام"، لكنها دعت إلى "رقابة صارمة على الإنفاق العام في جميع أنحاء ليبيا بما يتماشى مع المعايير الدولية".
ويرى محللون، من بينهم بادي وسميث، أن إطار الإنفاق المتعلق بالسنة المالية 2026 يمثل حلا مؤقتا لا يعالج المشكلات الهيكلية الأعمق، مثل الفساد وتحويل عائدات النفط إلى شبكات أجنبية تسهّلها روسيا وجهات دولية أخرى.
كما لا يزال تأثير الحرب في إيران على الإنفاق الحكومي غير واضح. ومع اضطراب أسواق النفط بفعل الصراع، رفعت ليبيا إنتاجها لتلبية الطلب العالمي.
وأعلنت المؤسسة الوطنية للنفط أخيرا أن عائدات النفط ارتفعت إلى 2.9 مليار دولار في أبريل/نيسان، بعد أن كانت 1 مليار دولار في فبراير/شباط.
ورغم المكاسب المالية الكبيرة التي حققتها الإدارتان منذ اندلاع الحرب مع إيران، فإن هذه الأموال من غير المرجح أن تُوجَّه إلى الخدمات العامة أو سداد ديون البلاد. وقالت سميث: "من شبه المؤكد أنها ستُنهب".
كذلك فإن طبيعة مفاوضات الميزانية ستترك انعكاسات على مستقبل السياسة الليبية. ففي المحادثات، تعامل بولس بشكل أساسي مع إبراهيم، نجل شقيق الدبيبة، وصدام حفتر، نجل خليفة حفتر وخليفته المحتمل، وهي خطوة يرى منتقدون أنها همشت المؤسسات والأحزاب السياسية الأوسع.
وكما أشارت سميث، فإن هذه المحادثات عززت شرعية عائلة حفتر، التي لا يحظى نظامها باعتراف دولي عام، قائلة: "أصبح لديهم الآن خط مباشر مع الإدارة الأميركية".
وقال بادي: "ليس من المنطقي أن نأمل أن يقود الأطراف الذين كانوا في صلب استنزاف احتياطيات الدولة واقتصادها حلا لمشكلاتها الاقتصادية".















