مصفاة وميناء نفطيان وطريق تونس.. ماذا وراء اشتباكات "الزاوية" الليبية؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

أزمة مدينة الزاوية غربي ليبيا تمثل نموذجا واضحا لتداخل أمن الطاقة مع الاقتصاد غير المشروع والصراع على النفوذ داخل هذا البلد العربي الغني بالنفط. بحسب  معهد تحليل العلاقات الدولية الإيطالي.

وذكر المعهد، في تقرير نشره حديثا إلى أن الاشتباكات المسلحة التي شهدتها المدينة في 8 مايو/أيار 2026 لا يمكن اختزالها في كونها مواجهة بين جماعات مسلحة.

بل تعكس تصادما يرتبط بالبنية التحتية الحيوية للطاقة، وعائدات الوقود المدعوم، ومسارات التهريب نحو الحدود التونسية، إلى جانب هشاشة سلطة الدولة.

ليبيا مصغرة

و"الزاوية" هي مدينة تقع غرب طرابلس على شريط ساحلي تتداخل فيه مدينة كثيفة السكان مع مصفاة نفط كبرى وميناء نفطي والطريق المؤدي إلى الحدود التونسية.

هذا التشابك، في ظل مؤسسات منقسمة ومليشيات شبه مستقلة، يجعل من البنية التحتية للطاقة أداة ذات أبعاد سياسية وجنائية في آن واحد، بحسب المعهد.

ونقلت وكالة رويترز أن أكبر مصفاة نفط عاملة في ليبيا أُغلقت في 8 مايو/أيار 2026 عقب اشتباكات اندلعت قربها. ذلك أن شركة تكرير نفط الزاوية، المشغلة للمصفاة، أوقفت عملياتها بالكامل وأجلت السفن من الميناء بعد تعرض أجزاء من المجمع لقصف مدفعي.

بدورها، أفادت وكالة الأناضول بأن المؤسسة الوطنية للنفط تحدثت عن إغلاق احترازي وإجلاء للعاملين وسط قصف كثيف نال مناطق متفرقة من المنطقة النفطية.

ولفت المعهد إلى أن هذه التطورات تكشف، عند وضعها في سياقها الأوسع، حجم هشاشة البنية التحتية للطاقة في ظل تشتت سيطرة الدولة.

كما أشار التقرير إلى أن البعد التونسي في الأزمة ليس تفصيلا ثانويا؛ إذ تحولت الزاوية منذ سنوات إلى مركز رئيس لشبكات تهريب الوقود والبضائع نحو الحدود.

وأوضح أن الفارق الكبير بين أسعار الوقود المدعوم داخل ليبيا والأسعار في الخارج يخلق حافزا اقتصاديا ضخما للتهريب، في حين يوفر الساحل والحدود منافذ بديلة، ويُخفض ضعف مؤسسات الدولة من كلفة المخاطرة.

وأشار التقرير إلى أن الطاقة الإنتاجية لمصفاة الزاوية تبلغ نحو 120 ألف برميل يوميا، وهي مرتبطة بحقل الشرارة، أحد أبرز حقول النفط الليبية، الذي ينتج قرابة 300 ألف برميل يوميا.

وأوضح أن توقف منشأة بهذا الحجم لا يقتصر أثره على تعطيل الإنتاج التقني، بل يمتد إلى تهديد شبكة التوزيع المحلية، والميناء، والعمال، والشركات المرتبطة بالقطاع، فضلا عن المساس بمصداقية إدارة قطاع النفط في البلاد.

كذلك، رأى أن قرار إجلاء السفن والعاملين يعكس أن الخطر وصل إلى مستوى تهديد مباشر لسلامة المجمع النفطي نفسه.

واستنتج أن قطاع الطاقة الليبي لا يزال غير قادر على عزل منشآته الحيوية بصورة كاملة عن تداعيات النزاعات المسلحة داخل المدن.

خسائر التهريب

وقدّرت منظمة "ذا سنتري" أن توسع تهريب الوقود خلال الفترة بين 2022 و2024 تسبب في خسائر تُقدّر بنحو 20 مليار دولار للشعب الليبي.

وفي هذا السياق، أوضح المعهد الإيطالي أن هذا الرقم يوفّر خلفية مهمة لفهم طبيعة الاقتصاد المرتبط بالوقود في ليبيا؛ حيث يتحول الدعم الداخلي وغموض آليات التوزيع ووجود منافذ خارجية إلى مصادر ريع واسعة.

وأشار التقرير إلى أن أهمية الزاوية تكمن في كونها مساحة تتولد فيها القيمة أيضا من الفارق بين الأسعار المدعومة، وإمكانية الوصول إلى قنوات التوزيع، وقدرات التصدير غير الرسمية.

وأضاف أن قرب المدينة من الحدود التونسية يعزز هذه المعادلة؛ إذ تنتقل عوائد هذا النشاط عبر مسارات متعددة تشمل البر والبحر والتجارة وشبكات الوسطاء والحماية المسلحة.

ولفت المعهد إلى أن وصف المشهد في الزاوية بأنه صراع بين "عصابات متنافسة" يبقى تبسيطا غير كاف لفهم التعقيدات القائمة.

وبدلا من ذلك، طرح مفهوم “النظام البيئي الريعي”؛ حيث تتداخل أدوار الجماعات المسلحة والمسؤولين المحليين والوسطاء التجاريين وشبكات الحدود وبعض الجهات الرسمية، ضمن بيئة تصبح فيها السيطرة على مستودع أو طريق أو معبر حدودي أو حي سكني مصدرا للقيمة الاقتصادية والنفوذ السياسي.

وأوضح التقرير أن سلطات غرب ليبيا قدّمت العملية الأمنية في الزاوية بوصفها حملة تستهدف الملاذات الإجرامية والعناصر المطلوبة، وربطتها بجرائم القتل والخطف والابتزاز وتهريب المخدرات والأسلحة والاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية.

ورأى المعهد أن هذا الخطاب يندرج ضمن محاولة لتحويل الأزمة المسلحة المحلية إلى معركة لاستعادة الشرعية.

غير أن التقرير حذّر من أن الفاصل بين فرض النظام العام وإعادة ترتيب موازين القوة في ليبيا غالبا ما يكون ضبابيا؛ إذ قد تؤدي أي عملية أمنية إلى جانب احتواء تهديد مباشر، إلى إعادة توزيع النفوذ بين الشبكات المسلحة والبلديات والأجهزة الأمنية ومراكز القرار السياسي.

واستنتج المعهد أن الأزمة تمثل أيضا فرصة لإعادة تشكيل موازين السيطرة؛ حيث إن الدولة قد تسعى إلى إضعاف شبكات بعينها، لكنها في المقابل قد تواجه ردود فعل إذا جرى النظر إلى العملية بصفتها انتقائية أو محاولة لنقل الريع من طرف إلى آخر.

وأفادت وكالتا "رويترز" و"أسوشيتد برس" في ديسمبر/كانون الأول 2024 باندلاع اشتباكات مسلحة في الزاوية تسببت في حرائق وأضرار داخل المصفاة.

ولذلك، لفت المعهد إلى أن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطا متواصلا؛ حيث يتحول الصراع، بمجرد امتداده إلى المجال الحضري والصناعي، إلى تهديد ذي أبعاد تقنية وبيئية وتجارية.

وأوضح التقرير أن المشهد المؤسسي لحوكمة الطاقة في ليبيا يكشف عن قطاع يحاول الاستمرار في التشغيل والتخطيط واستقطاب الكفاءات رغم البيئة الأمنية الهشة.

وأشار إلى أن المواد الصادرة عن المؤسسة الوطنية للنفط بشأن الاجتماع الفني والمالي مع مصفاة الزاوية عام 2024 أظهرت الجوانب الإدارية والصناعية للمصفاة، من خطط الإنتاج والصيانة إلى الاستثمارات والتطوير.

اختبار لسلطة الدولة

لكن المعهد الإيطالي أوضح، في المقابل، أن المصفاة نفسها تبقى مكشوفة بشكل مباشر أمام تداعيات البيئة المسلحة المحيطة بها.

وأشار المعهد إلى أن التفسير الأكثر ترجيحا لأزمة الزاوية يتمثل في عدّها شكلا من أشكال التفاوض العنيف حول مصادر الريع المرتبطة بالوقود المدعوم، والسلع التجارية، والوصول إلى الميناء، والسيطرة على الأحياء، ومسارات العبور نحو تونس، والحماية غير الرسمية لسلاسل التوريد.

وأوضح أن تعطيل البنية التحتية النفطية ينعكس بصورة غير مباشرة على الوضع الحدودي مع تونس، كما يفرض على حكومة طرابلس إظهار قدرتها على فرض السيطرة، ويدفع المؤسسة الوطنية للنفط إلى طمأنة المشغلين والعاملين.

وختم المعهد بأن أزمة الزاوية تكشف بصورة مكثفة صعوبة الفصل في ليبيا بين الطاقة والأمن والريع.

وأكد أن الحقيقة الثابتة تتمثل في أن الاشتباكات بلغت مستوى كافيا لإجبار المصفاة على الإغلاق وإخلاء الميناء. مشيرا إلى أن المدينة تُعد مركزا وطنيا للطاقة والخدمات اللوجستية، يرتبط بحدود حساسة واقتصادات غير رسمية راسخة.

وأوضح أنه على المدى القريب، يبقى الأمن المادي للمجمع العامل الحاسم، من حيث منع الهجمات الجديدة، وعودة العاملين، واحتواء الحرائق، واستعادة عمل الميناء.

أما على المدى المتوسط، فتكتسب استجابة الشبكات المحلية أهمية مركزية؛ إذ إن نجاحها في التكيف دون تصعيد قد يفتح مسار احتواء الأزمة، بينما قد يؤدي اللجوء إلى أساليب بديلة إلى إعادة توزيع المخاطر واتساع نطاقها.