عكس المتوقع.. كيف أجهضت الحرب على إيران فرص تغيير النظام عبر ثورة شعبية؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

خلال الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على طهران، حاول الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حث الشعب الإيراني على الخروج والتظاهر ضد النظام، عبر رسائل سياسية وإعلامية ركزت على الفصل بين الدولة والشعب، وتقديم الصراع على أنه موجه ضد الحكومة لا ضد الإيرانيين أنفسهم.

إلا أن موقع "جوان أون لاين" يرى أن هذه الإستراتيجية التي كانت ترمي إلى إسقاط النظام عبر التظاهر أظهرت خلال الحرب فشلها؛ إذ "كشفت حرب الأربعين يوما أن ازدواجية الدولة والحكومة كانت مجرد خدعة".

بل على العكس، يعتقد الموقع الفارسي أن "هذه التطورات أسهمت في تعزيز تماسك المجتمع الإيراني، حيث حفزت الهجمات غريزة البقاء، ودفعت المواطنين إلى إظهار أشكال من التضامن مع الدولة، إيمانا منهم بأن انقسامات الأعداء لم تكن سوى خدعة”، الأمر الذي أدى إلى تشكل ما سماها "مقاومة وطنية".

طابع وطني

وفي مقابلة مع وكالة أنباء الإيرانية الرسمية (إرنا)، قال الحقوقي والمحلل السياسي، عماد الدين باقي، إن "أحد أهم أسباب الخطأ في حسابات أميركا وإسرائيل، وكذلك تحول مقاومة الإيرانيين إلى طابع وطني، هو سلوك العدو نفسه".

وأوضح أن "هذه الأطراف روجت لأشهر طويلة لفكرة أن الجمهورية الإسلامية منفصلة عن إيران، وأنهم يحاربون الجمهورية لا إيران، وأنهم لا علاقة لهم بالشعب، وأنهم يقتلون العسكريين فقط".

واستدرك: "غير أن الحرب أطاحت بهذه الدعاية، رغم أنهم حاولوا لاحقا إعادة بناء هذا الادعاء الزائف بقوة أكبر".

وتابع: "زعزعت القوى المستقلة والوطنية، من خلال إصدار بيانات جماعية، هذه الدعاية وأظهرت أنها لا تقبل بأي اعتداء على إيران تحت أي ذريعة، كما شددت على أن (القدرة الدفاعية) جزء من (الثروات الوطنية)، استنادا إلى تجربة سوريا".

وسلط باقي الضوء على قصف مدرسة ميناب في الساعة الأولى من الهجوم المباغت للمعتدين، وما أسفر عنه من مقتل 170 طالبة، مقدرا أن هذا الحدث "نسف دعاية العدو".

وقال: "ميناب كانت الحلقة الأولى من الجريمة الأميركية ضد الشعب"، مؤكدا أن فاجعة ميناب "تحولت إلى مأساة عالمية أثارت الرأي العام الدولي".

وشدد باقي على أن "كارثة ميناب تحولت إلى مأساة عالمية أثارت الرأي العام الدولي"، مشيرا إلى أن هذه الواقعة قد تفتح الباب أمام ملاحقة قادة أميركا وإسرائيل بوصفهم "مجرمي حرب"، وأن المطلوب ليس التمادي بل المحاسبة.

وأعرب عن “أسفه لاقتصار التحركات على خطوات رمزية، رغم أهميتها”، داعيا إلى "جهود أكثر تأثيرا، خاصة على الصعيد القانوني ومن خلال حملات تقودها حكومات ومنظمات ذات مصداقية".

كما أكد باقي على "ضرورة إدراج كارثة مدرسة ميناب كبند مستقل في أي مفاوضات محتملة، والعمل إعلاميا على المطالبة بمعاقبة المسؤولين عنها".

وخلص إلى أنه "رغم محاولات أميركا وإسرائيل التقليل من الجريمة عبر الصمت أو وصفها بالخطأ، فإن استهداف المدارس والمستشفيات ومصانع الأدوية ومنازل المدنيين أثبت أن الأمر لم يكن عرضيا".

تأثير كبير

في سياق أوسع، أشار باقي إلى أن "تدمير بعض البنى التحتية خلال الحرب الأخيرة كان له تأثير كبير على الرأي العام".

وأوضح أنه "عندما أعلن ترامب علنا، أمام العالم، استهداف الجسور ومحطات الطاقة والمنشآت البتروكيميائية، وأضيف إليها لاحقا استهداف خطوط السكك الحديدية من قبل إسرائيل، لم يعد هناك مجال للشك في أن ما جرى في ميناب لم يكن سوى البداية".

وتابع: "تصريحات ترامب تتعارض بوضوح مع القوانين الدولية التي تحظر استهداف المنشآت المدنية والخدمية، مثل الجسور ومرافق المياه والكهرباء والمستشفيات".

وأردف: "هذه القواعد ليست جديدة، بل راسخة أيضا في الفقه الإسلامي الذي يحظر الإضرار بالممتلكات العامة والخاصة وحتى الأشجار".

ومن هنا، أكد باقي أن “هذه الوقائع تثبت أن العداء الأميركي والإسرائيلي موجه ضد إيران وشعبها”، مشيرا إلى أن "ترامب استخدم صراحة تعبير (الشعب الإيراني) في خطاباته التهديدية، وليس (الحكومة)".

كما أن "إعلان إسرائيل وأميركا قصف الجسور وخطوط السكك الحديدية، والتفاخر بذلك، مع تجاهل اعتراضات المؤسسات الدولية التي عدت ذلك جريمة حرب، يعزز هذا الاستنتاج"، وفق قوله.

ولفت إلى أن "قصف جسر كرج أودى بحياة 13 مدنيا كانوا في نزهة مرتبطة بتقليد فارسي قديم"، وهو ما "عزز قناعة شريحة واسعة من المترددين بأن رواية الفصل بين الشعب والحكومة كانت زائفة، وأسهم في تشكل (مقاومة وطنية)".

بناء على تلك الوقائع، قدّر باقي أن “سلوك العدو أدى إلى تحفيز غريزة البقاء لدى المجتمع”، مشيرا إلى أنه "عندما تصاعدت التهديدات باستهداف البنية التحتية، بادر بعض المواطنين إلى تشكيل سلاسل بشرية حول محطات الطاقة".

وأضاف: "ترامب الذي تهرب من الخدمة في حرب فيتنام بادعاء المرض، لا يمكنه فهم تضحيات الشعوب من أجل أوطانها، ولذلك ادعى أن الحكومة تستخدم دروعا بشرية، في حين أن الدولة لا تستطيع إجبار المواطنين على تعريض حياتهم للخطر".

وعي وصمود

وعن دور الحكومة في تعزيز صمود المواطنين خلال الحرب، خاصة من حيث تأمين سبل العيش وضبط الوضع الاقتصادي، أوضح باقي أن "السلطات قد توقعت اندلاع الحرب، ولذلك رفعت مستوى المخزون الإستراتيجي من ثلاثة أشهر إلى ستة، وهو ما يعد إجراء مهما".

وأضاف أن "حضور المسؤولين في الميدان وتأمين الاحتياجات الأساسية أسهما في تعزيز صمود المواطنين، كما أن إنتاج أكثر من 80 بالمئة من المواد الغذائية محليا شكل عاملا إضافيا".

ومع ذلك، شدد باقي على أن "وعي المواطنين وسلوكهم كان العامل الأكثر أهمية، داعيا إلى دراسة هذا السلوك عن كثب لإدراك مدى تأثيره".

وفي ختام حديثه، أكد باقي أن “الجغرافيا الإيرانية تمثل أحد أبرز عناصر القوة الوطنية، ونعمة كبيرة يجب الحفاظ عليها”. 

وأوضح أن البلاد "تضم 31 محافظة يمكن تشبيه كل منها بدولة مستقلة، وأن حركة النزوح الداخلي تتم ضمن هذا الإطار الواسع".

وأشار إلى أنه "خلال الحرب، بادر سكان مناطق مختلفة إلى دعوة المتضررين من القصف لاستضافتهم".

ولفت باقي إلى أن "بعض المحافظات الإيرانية تفوق في مساحتها دولا أوروبية، وأن مساحة اليابان لا تتجاوز ربع مساحة إيران".

واستطرد: "إن أطماع القوى الكبرى في إيران ومحاولات تفكيكها ليست بلا سبب، ولذلك يجب على الحكومة صون هذه الثروة عبر الالتزام بالقانون وتعزيز مبدأ المواطنة والمساواة بين جميع الإيرانيين، بما يضمن وحدة البلاد".

وختم باقي بالتأكيد على "أهمية تقدير إدارة الدولة لجهودها في تأمين معيشة المواطنين، إلى جانب الامتنان لجغرافيا إيران، والأكثر أهمية من ذلك تقدير وعي الشعب وصموده".