الصين تعفي الدول الإفريقية من الرسوم الجمركية.. الأسباب والنتائج

"التجارة الصينية الإفريقية تتسم باختلال متزايد لصالح بكين"
ألغت الصين الرسوم الجمركية على سلع 53 دولة إفريقية بدءا من 1 مايو/أيار 2026، في خطوة أثارت تباينا في تقييم أهدافها وتأثيرها وسياقها.
وذكرت وكالة أنباء شينخوا الصينية أن هذه السياسة تفتح فرصا جديدة أمام إفريقيا لتعزيز الصادرات والتصنيع، في ظل تصاعد النزعات الحمائية عالميا.
وكانت الصين قد ألغت منذ 1 ديسمبر/كانون الأول 2024 الرسوم الجمركية على جميع السلع القادمة من 33 دولة إفريقية مصنفة ضمن أقل البلدان نموا. وتشمل السياسة الجديدة دولا أكثر ثراء نسبيا مثل كينيا ومصر ونيجيريا.
وبموجب القرار، ستطبق رسوم جمركية صفرية على واردات 20 دولة إفريقية غير مدرجة ضمن قائمة أقل البلدان نموا.
وقالت وزارة التجارة الصينية: إن الإعفاءات الجديدة ستعزز القدرة التنافسية لمنتجات إفريقية، منها الكاكاو من ساحل العاج وغانا، والقهوة والأفوكادو من كينيا، والحمضيات والنبيذ من جنوب إفريقيا، بعد أن كانت تخضع لرسوم تراوحت بين 8 و30 بالمئة.
وأضافت الوزارة أن القرار سيشجع الصين وشركاءها التجاريين على زيادة الاستثمارات في إفريقيا، بما يوفر رؤوس الأموال والتكنولوجيا والخبرات اللازمة لتصنيع المنتجات الإفريقية محليا، ويسهم في تحقيق توازن أكبر واستدامة في التجارة بين الجانبين.
من جهته، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان: إن السياسة الجمركية الجديدة تعكس التزام الصين وإفريقيا المشترك بدعم السلام والتنمية العالميين عبر الاستقرار.
ونقلت وكالة أنباء الصين الجديدة عن جيان قوله إن بكين ستواصل تعزيز تسهيل التجارة مع إفريقيا، في وقت يشهد العالم تصاعدا في الحمائية والأحادية، إلى جانب تداعيات غير مباشرة للتطورات في الشرق الأوسط على مناطق مجاورة.
وأضاف أن تطبيق سياسة الإعفاء الجمركي يعكس حرص الصين وإفريقيا على تقاسم فرص التنمية وتعزيز الاستقرار العالمي.
وأكد أن الصين ستواصل التفاوض على اتفاقيات شراكة اقتصادية مع الدول الإفريقية، إلى جانب تحديث "القناة الخضراء" لصادرات المنتجات الزراعية الإفريقية إلى السوق الصينية وتعزيز تسهيل التجارة بين الجانبين.

لا شروط مسبقة
على المستوى الإفريقي، قال رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي محمود علي يوسف، إن المعاملة بدون تعريفة جمركية هي خطوة "في غاية الأهمية" بالنسبة لإفريقيا التي تتحمل وطأة العديد من الأزمات العالمية وتواجه الانعزالية والحمائية في العالم.
جاء ذلك في تصرح أدلى به علي يوسف لوسائل الإعلام بعد الاجتماع الافتتاحي لقمة رواد الأعمال الصينيين الأفارقة في أديس أبابا بإثيوبيا، في 21 أبريل/نيسان 2026.
وأضاف يوسف: "أود أن أعرب، نيابة عن مفوضية الاتحاد الإفريقي، عن امتناننا الصادق لهذه اللفتة الأخوية التي يقدرها جميع الأفارقة".
أما رئيس أما الخبير في الشأن الصيني/الإفريقي، محمد خليل، فقال: إن المبادرة الصينية جاءت بعد سلسلة قرارات من بكين، والتي تدخل في إطار مبادرة الحزام والطريق (BRI).
وأوضح خليل لـ "الاستقلال" أن جميع مؤتمرات التعاون الصيني الإفريقي كانت هذه الفكرة حاضرة فيها، حيث تلح الدول الإفريقية على تقليص العجز التجاري بين الجانبين، وهو ما سيتحقق بهذه المبادرة.
وذكر أن الدول الإفريقية ستحقق العديد من الفوائد بعد هذه المبادرة، ومنها زيادة صادراتها، وتحسين حصتها من العملة الصعبة، ودفع الدول الإفريقية إلى توسيع الصناعات الموجهة للتصدير، وهو ما سيسهم في خلق المزيد من مناصب الشغل.
واسترسل، كما ستجذب المبادرة العديد من المستثمرين الصينيين للاستثمار في هذه الصناعات الموجهة للتصدير بعدد من الدول الإفريقية؛ حيث سيقوم هؤلاء المستثمرون بإعادة تصدير منتجاتهم إلى بلدهم دون جمارك، وفي ذلك فائدة للجانبين.
وقال خليل: إن الصين ستحقق فائدة مهمة أيضا، وترتبط بكونها تعتمد على المواد الأولوية الإفريقية، ومنها المعادن والبترول وعدد من المنتجات الفلاحية والزراعية، والتي ستصلها بكلفة أقل داخل الصين، فضلا أن هذا سيسهم في تطوير الصناعة المعالجة بالدول الإفريقية المصدرة.
وبالإجمال، يقول خليل، ستمكن المبادرة الصينية الجمركية من توسيع العلاقات التجارية بشكل أكبر بين الجانبين، الصيني والإفريقي.
من جانبه، قال عميد قسم العلاقات الدولية في جامعة تسينغهوا، تانغ شياويانغ: إن مبادرة الصين لإلغاء الرسوم الجمركية، على عكس السياسات التفضيلية التي حددتها بعض الدول الغربية، لا تتطلب انفتاحا متبادلا كشرط مسبق ولا تفرض أي قيود على الشؤون الداخلية لإفريقيا.
وقال شياويانغ لموقع شينخوا الصيني مطلع مايو، "هذا يدل على احترام الصين للدول الإفريقية وشعورها بالمسؤولية في دفع عجلة التنمية المشتركة معها".
ويتوقع الأستاذ الجامعي أن تتجاوز فوائد هذا الحافز الجمركي مجرد تعزيز التجارة، مقدرا أن المزيد من الشركات متعددة الجنسيات ستُغرى بإنشاء قواعد تجميع أو معالجة في إفريقيا للاستفادة من انخفاض تكاليف التصدير إلى الصين، مما سيدعم قطاع التصنيع الإفريقي.
وشدد شياويانغ أن "سياسة الإعفاء من الرسوم الجمركية هذه تتماشى بشكل جيد مع نموذج التنمية المشتركة الذي تتبعه الصين وإفريقيا منذ سنوات من خلال التعاون في مجال البنية التحتية والصناعة".
بدورها، توقفت الباحثة الأولى في معهد أوست تشاينا، لورين جونستون، عند تنافس الصين مع الولايات المتحدة على بناء علاقات تجارية أقوى مع الدول الإفريقية.
وبخلاف الصين، فرضت منافسها الأقوى الولايات المتحدة تعريفات جمركية تصل إلى 30 بالمئة على بعض الدول الإفريقية في أغسطس/آب 2025، على الرغم من أن معظمها يخضع الآن لتعريفة جمركية بنسبة 10 بالمئة، بعد أن ألغت المحكمة العليا الأميركية العديد من هذه الرسوم.
وذكرت جونستون في تصريح نقله وكالة "بي بي سي" البريطانية بتاريخ 1 مايو 2026، أن "الصين تضع نفسها في موقع المحرر التجاري والشريك الاقتصادي الصديق لإفريقيا، على عكس دونالد ترامب والولايات المتحدة".
وأوضحت جونستون أن توسيع نظام التعريفة الجمركية الصفرية في الصين يمكن أن يزيد من الصادرات الزراعية الإفريقية، الأمر الذي "سيساعد على رفع دخل الريف، وتحسين الإنتاجية الريفية، وفي نهاية المطاف الحد من الجوع والفقر".
واستدركت، "لكن التجارة الصينية الإفريقية تتسم باختلال متزايد لصالح بكين، مما يعني أن الصادرات الصينية إلى إفريقيا تتجاوز بكثير الصادرات الإفريقية إلى الصين، وهذا الفارق يتسع".
وأشارت إلى أن العجز التجاري لإفريقيا مع الصين ارتفع خلال سنة 2025 بنسبة 65 بالمئة ليصل إلى حوالي 102 مليار دولار؛ حيث تهيمن المعادن والمواد الخام، مثل النفط الخام والخامات المعدنية، على صادرات إفريقيا إلى الصين.
وتشمل الشركاء التجاريين الرئيسين للصين في المنطقة حاليا أنغولا، مدفوعة بشكل أساسي بالنفط، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وجنوب إفريقيا.
ومع ذلك، تشير جونستون إلى أن نظام الإعفاء من الرسوم الجمركية المتسق عبر قارة غير متجانسة كهذه قد يؤدي إلى مكاسب غير متكافئة، وتقول: إن الاقتصادات الأكثر تطورا وصناعية مثل جنوب إفريقيا والمغرب ستكون في وضع أفضل لتوسيع صادراتها.

مكاسب ملموسة
بدوره، ذكر موقع " capmad" الإفريقي في تحليل بتاريخ 5 مايو، أن إلغاء الرسوم الجمركية يُعد جزءا من إستراتيجية أوسع نطاقا تتبناها الصين لتعزيز وجودها الاقتصادي في إفريقيا؛ حيث تسعى بكين إلى تقوية شراكاتها التجارية، مع تقديم صورة الشريك البديل للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
وذكر الموقع أن هذا الإجراء يأتي في ظلّ التوترات التجارية العالمية وتصاعد النزعة الحمائية، مشيرا إلى أنه، ومن خلال خفض الحواجز الجمركية، تبعث الصين برسالة سياسية قوية، فهي تريد أن تُنظر إليها كداعم للتعاون بين بلدان الجنوب والتجارة متعددة الأطراف.
وأشار المصدر ذاته إلى أن هذه السياسة تستهدف 53 دولة إفريقية تربطها علاقات دبلوماسية مع الصين، وتُستثنى من ذلك إسواتيني، نظرا لعلاقاتها مع تايوان.
وشدد على أن هذه التفاصيل تُعد مهمة لأنها تُظهر أن المبادرة ليست اقتصادية فحسب، بل دبلوماسية أيضا. ولذلك، تستخدم بكين التجارة كوسيلة ضغط لتعزيز تحالفاتها وعزل منافسيها في مناطق نفوذها.
واسترسل، وبالنسبة للشركات الإفريقية، يمكن أن يؤدي إلغاء الرسوم الجمركية إلى تحسين ربحية الصادرات إلى الصين. وتشمل القطاعات الأكثر استفادة على الأرجح: الصناعات الغذائية الزراعية، والمواد الخام، وبعض السلع المصنعة، والشركات الصغيرة الموجهة للتصدير.
وتابع، وعلى الرغم من جوانبه الإيجابية، لا يحل هذا الإعلان جميع المشاكل. يبقى التحدي الرئيس هو هيكل التجارة بين إفريقيا والصين، والذي ما يزال يتسم باعتماد إفريقي كبير على صادرات المواد الخام. فبدون تطوير الصناعة، قد يؤدي إلغاء الرسوم الجمركية إلى زيادة حجم التجارة على حساب التصنيع المحلي.
ونبه إلى أنه سيكون من الضروري أيضا التحقق مما إذا كانت الشركات الإفريقية تمتلك فعلا القدرات اللوجستية والمالية والتنظيمية اللازمة للسيطرة على هذه السوق، مقدرا أن الوصول إلى السوق عبر التعريفات الجمركية يُعد خطوة إيجابية، ولكنه غير كاف وحده لخلق قدرة تنافسية مستدامة.
وأشار الموقع إلى أن هذا القرار من بكين يأتي في وقت تتنافس فيه قوى عديدة على النفوذ في إفريقيا. وفي هذا السياق، أصبحت القارة ساحة للمنافسة التجارية، وميدانا للصراع على الصعيدين الاقتصادي والاستراتيجي.
وخلص إلى أن التحدي يتمثل الآن بالنسبة للدول الإفريقية في تحويل هذه الفرص إلى مكاسب ملموسة: زيادة الصادرات، وتوفير المزيد من فرص العمل، وتعزيز القيمة المضافة المحلية.

"تأثير محدود"
وتظهر بيانات الجمارك الصينية أن إجمالي التجارة بين الصين وإفريقيا بلغ حوالي 320.2 مليار يورو في عام 2025، بزيادة قدرها 17.7 بالمئة على أساس سنوي، في حين اتسع العجز التجاري لإفريقيا مع الصين إلى حوالي 93.8 مليار يورو.
كما ارتفعت الصادرات الصينية إلى إفريقيا إلى حوالي 207.0 مليار يورو، بينما بلغت الواردات من إفريقيا حوالي 113.1 مليار يورو.
ومع ذلك، يقول الموقع الفرنسي " rfi" في تحليل مطلع مايو 2026، "من المرجح أن يظل التأثير الاقتصادي لتحرك بكين المتعلق بالتعريفات الجمركية محدودا".
جاء ذلك على لسان الخبير الاقتصادي والمتخصص في الشؤون الصينية في معهد العلوم الاجتماعية الفرنسي، تيري بيرو، والذي ذكر أن الصين طبقت بالفعل تعريفات جمركية صفرية على عدد من المنتجات التي استفادت منها إفريقيا على نفس الأساس الذي استفادت منه الدول الأخرى.
وأردف: "كانت هناك تعريفات تفضيلية بموجب منظمة التجارة العالمية ومعاملة تفضيلية لأقل البلدان نموا. وكان ما لا يقل عن 96 بالمئة من المنتجات تستفيد بالفعل من الإعفاء من الرسوم الجمركية."
ورأى بيرو أن "هذا يعني أن الإصلاح لا يؤثر إلا على نسبة ضئيلة من التجارة"، مشيرا إلى أن "أكبر الصادرات الإفريقية إلى الصين هي مواد خام كانت تخضع أصلا لضرائب منخفضة أو معفاة من الضرائب".
وقدّر المكاسب المحتملة بـ "ما بين 92 مليون يورو و276 مليون يورو على الأكثر"، وهو مبلغ لا يكفي لسد العجز التجاري لإفريقيا مع الصين.
أهداف إستراتيجية
تأتي سياسة المعاملة الصفرية الجمركية الصينية على الواردات من إفريقيا، في إطار إستراتيجية صينية واسعة، في مواجهة الولايات المتحدة، فضلا عن أنها لن تكلف الصين الشيء الكثير بحسب لغة الأرقام.
وذكر موقع "قرارات إفريقية" في تحليل بتاريخ 07 مايو 2026، أن الخطوة الصينية تروم تعميق العلاقات الاقتصادية والنفوذ الإستراتيجي، فمن خلال ترسيخ مكانتها كأكبر شريك تجاري لإفريقيا، تعزز الصين موقعها الجيوسياسي في الجنوب العالمي.
ورأى أن هذه السياسة تهدف إلى تجاوز مجرد استخراج المواد الخام، وتشجيع الشركات الصينية على الاستثمار في الصناعات التحويلية داخل إفريقيا، مما قد يُسهم في تعزيز التصنيع المحلي، وخلق فرص عمل، وتحسين الميزان التجاري.
وشدد أن هذه المبادرة تُعزز "التعاون الإفريقي المشترك"، مما يسمح للشركات ببناء سلاسل إمداد عابرة للحدود تستفيد من نقطة الدخول المعفاة من الرسوم الجمركية إلى الصين.
واستدرك، غير أن فعالية هذه السياسة في نهاية المطاف سوف تعتمد على قدرة الدول الإفريقية على زيادة إنتاجها وتلبية المعايير الصحية والنباتية الصارمة التي تفرضها السوق الصينية.
وخلص إلى أنه في حال نجاح هذه السياسة، يُمكنها أن تُحدث تغييرا جذريا في الميزان التجاري، محولة إياه من الاعتماد على تصدير المواد الخام إلى تبادل أكثر توازنا يقوم على تصدير المنتجات الزراعية المصنعة والسلع الصناعية.
المصادر
- China implements historic zero tariffs for all African nations with diplomatic ties
- China-Africa: Customs barriers to be removed for 53 countries starting May 2026
- China opens tariff-free trade to nearly all African countries
- الخارجية الصينية: الصين تعتزم مواصلة تيسير التجارة مع إفريقيا عقب تطبيق سياسة الإعفاء من الرسوم الجمركية
- تداعيات وآثار معاملة “صفر جمارك” الصينية على صادرات إفريقيا

















