كيف تحوّل إسرائيل تعطيل التعليم إلى أداة لتهجير الفلسطينيين بالضفة؟

نحو 140 ألف طفل في الضفة يواجهون عوائق في الوصول إلى التعليم
اتخذت الاعتداءات الإسرائيلية ضد قطاع التعليم الفلسطيني بالضفة الغربية طابعًا إجراميًا متصاعدا في الأسابيع الأخيرة، فلم يعد الاستهداف يقتصر على تعطيل يوم دراسي، بل يشمل إطلاق نار في محيط المدارس، وإنشاء أسلاك شائكة تسد الطريق إليها، وأوامر هدم تهدد المؤسسات التعليمية.
ومع تصاعد هذه الانتهاكات والجرائم، تشير منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” إلى أن نحو 140 ألف طفل في الضفة، بما فيها مخيمات اللاجئين، يواجهون عوائق في الوصول إلى التعليم.

كيف يُستهدف التعليم؟
ومنذ سنوات، تتعرض المنظومة التعليمية الفلسطينية لعملية تجريف إسرائيلية ممنهجة وغير مسبوقة تطورت أشكالها وأساليبها أخيرا.
في 21 أبريل/نيسان 2026 اقتحم مستوطنون مدججون بالسلاح مدرسة المغيّر الثانوية للبنين شرق رام الله، وأطلقوا النار على بوابتها فقتلوا الطالب أوس حمدي النعسان (14 عامًا) وشابا حاول الدفاع عن الطلاب يدعى مرزوق أبو نعيم (32 عاما) ما عطل الدراسة وأثار حالة هلع داخل الصفوف.
ولم تكن المغيّر حادثة منفردة، ففي 5 مايو/أيار 2026، اقتحم مستوطن ساحات مدرسة سيلة الظهر الأساسية للبنين جنوب جنين وهدد بإغلاقها ولاحق الطلاب.
وعدت وزارة التربية والتعليم الفلسطينية هذه الحادثة جزءًا من نمط أوسع لاستهداف هذا القطاع، بعد هجوم المغيّر واعتداءات متكررة على مدارس وطلاب.
ومنذ يناير/كانون الثاني 2023، وثقت مجموعة التعليم (آلية أممية-إنسانية لتنسيق الاستجابة)، نمطًا مستمرًا من اعتداءات المستوطنين، شمل اقتحامات مدارس وتخريب صفوف ومعدات وترهيب الطلاب والمعلمين، وعرقلة الوصول إلى المدارس، والإضرار ببنى مرتبطة بهذا القطاع.
ومن الأمثلة الأقدم على هذا النمط، اقتحام مستوطنين مدرسة رأس التين شرق رام الله في أغسطس/آب 2023 والمهددة أصلا بالهدم وتحطيم نوافذها وتخريب محتوياتها.
وفي قرية اللبن الشرقية جنوب نابلس (شمال الضفة)، عطل جنود ومستوطنون عام 2022 الدراسة بعدما منعوا الطلاب من الوصول إلى مدرستهم الواقعة قرب طريق رام الله–نابلس.
لكن في 2026 أخذ هذا النمط شكلًا أكثر حدة؛ ففي 20 يناير/كانون الثاني 2026، برزت صورة أخرى أحدث لمنع التعليم عبر الإغلاق العسكري في الخليل، لتعلق مديرية التربية في المدينة الدوام في 26 مدرسة و3 رياض أطفال.
وجاء ذلك بعد اقتحام قوات الاحتلال المنطقة الجنوبية من المدينة وفرض إغلاق كامل شل حركة السكان وصعّب وصول الطلاب والمعلمين إلى مدارسهم.
وقالت وزارة التعليم إن نسبة الغياب بلغت 22.7 بالمئة بين طلاب المناطق المغلقة، فيما لم يتمكن نحو 8 بالمئة من المعلمين من الوصول إلى مدارسهم.
ولا يقتصر تعطيل التعليم على القرى والتجمعات الرعوية، ففي شمال الضفة، يقول مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الانسانية “أوتشا” إن قيود الوصول والعمليات العسكرية أثرت في منشآت تعليمية تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”.
وكان من بينها مبانٍ مدرسية في مخيم جنين (شمال) بقيت غير قابلة للوصول، ما دفع إلى نقل نحو 1600 طالب إلى مساحات تعليمية بديلة خارج المخيم، وهو ما يعني أن الاستهداف يتجاوز المدرسة نفسها ويضع البيئة المحيطة بها تحت الخطر ويجعلها غير قابلة للتعليم.
وتأتي هذه الحوادث داخل بيئة أوسع من تصاعد جرائم المستوطنين، فبحسب أوتشا، وثقت الأمم المتحدة أكثر من 580 هجومًا لتلك العصابات في أكثر من 190 تجمعًا فلسطينيًا منذ بداية 2026 حتى أوائل أبريل/نيسان، وهي بيئة تجعل المدارس والطرق إليها جزءًا من دائرة الخطر اليومي.
وتشير الأونروا إلى أن انتهاكات الاحتلال واعتداءات المستوطنين أدت إلى 2000 حادثة تعطل عن التعلم خلال عامي 2024/ 2025، ما ترك الطلاب في حالة خوف وصدمات نفسية.

المدرسة كشرط للبقاء
في التجمعات الرعوية والزراعية المهددة، لا تعمل المدرسة كمؤسسة تعليمية فقط، بل كأحد شروط البقاء. فوجود صف قريب يعني أن العائلة تستطيع البقاء في المكان، أما هدمه أو قطع الطريق إليه فيحوّل التعليم إلى عامل طرد يومي.
ويواجه الأطفال في القرى الرعوية ومناطق التماس رحلة مدرسية تتحول إلى اختبار يومي صعب، فالطريق الذي يربط البيت بالصف قد يكون ممرًا ترابيًا يقطع التلال، أو يتقاطع مع طرق التفافية يستخدمها المستوطنون، أو ينتهي عند حاجز عسكري حيث يتعرض الأطفال للتفتيش والتأخير.
وجود 925 حاجزًا وعائقًا للحركة في الضفة كما تشير أوتشا يعني أن الوصول إلى المدرسة ليس مضمونًا، خاصة في مسافر يطا والأغوار والمناطق الشمالية.
وعلى سبيل المثال، وضع المستوطنون أخيرا في قرية أم الخير جنوب الخليل، سياجًا شائكًا أخيرا أغلق الطريق إلى المدرسة، ما اضطر الأطفال للجلوس عند السياج.
ويقول محمد الهذالين من القرية المذكورة لـ"الاستقلال": “ذهبنا برفقة أطفالنا للاعتراض ومحاولة مساعدتهم على تجاوز السياج فتعرضنا للغاز المسيل للدموع من قوات الاحتلال التي كانت تحمي المستوطنين المسلحين”.
وأردف الهذالين وهو أب لطفلين في المرحلة الابتدائية: “الطريق البديل للوصول إلى المدارس يلتف قرب مستوطنة كرميئيل المجاورة ويُعد خطيرًا، ولذلك اضطررنا لإبقاء أطفالنا في المنازل حتى إعادة فتح الطريق”.
حالات مشابهة وثقتها تقارير حقوقية جرت في مسافر يطا جنوب الخليل — حيث يسير مئات الأطفال في طرق ترابية طويلة بلا حماية — مؤكدة أن نحو 557 طفلًا يواجهون هذه المعاناة يوميًا.
حتى في الأغوار الشمالية، تؤدي الحواجز إلى عزل قرى بكاملها، فمدارس مثل المالح والمونتر بعيدة عن منازل الطلاب الذين يضطرون لعبور بوابات عسكرية تُغلق دون سابق إنذار. ومع منع مرافقة البعثات الدولية، يتحول الطريق إلى مغامرة خطرة.
مدرسة حمّامات المالح في الأغوار الشمالية تكشف هذه المعادلة بوضوح، فالمدرسة، الممولة أوروبيًا، لم تكن مبنى معزولًا، بل خدمة أساسية لتجمعات رعوية تعيش أصلًا تحت ضغط الهدم وتقييد الحركة وشح الخدمات.
وحين هُدمت هذه المدرسة في أبريل 2026، سقط أحد الأسباب العملية التي تشجع العائلات على البقاء في المكان.
وقبل الهدم، تراوح عدد طلابها في التقديرات المنشورة بين 43 و70 طفلًا، لكنه تراجع بفعل الاعتداءات والنزوح. وطالبت دول أوروبية، بينها أيرلندا، بتعويض عن تدمير منشأة ممولة من أموالها.
وفي المغيّر، لم تمر جريمة قتل الطفل أوس النعسان قرب المدرسة كحادثة عابرة، بل كرسالة ترهيب تطال المدرسة والقرية معًا.
ويقول الهذالين: “عندما يشعر الأهالي أن الطريق إلى المدرسة قد يتحول إلى منطقة إطلاق نار، يصبح نقل الأطفال أو تقليل حضورهم أو التفكير في مغادرة المنطقة جزءًا من حسابات البقاء اليومية”.
وتشير أوتشا إلى أن 113 شخصًا، بينهم 57 طفلًا، نزحوا من المغيّر منذ 2023 بسبب انتهاكات المستوطنين وقيود الوصول.
وعلى مستوى أوسع، تشير مجموعة التعليم إلى أن عشرات المدارس الأخرى تواجه أوامر هدم، ما يهدد أكثر من 13 ألف طالب.
ويستغل الاحتلال هذا الأمر لدفع السكان نحو الهجرة، إذ إن هدم الصفوف أو إغلاقها يعطل ليس فقط عملية التعليم بل وجود المجتمع نفسه.

تدهور متسارع
وخلال الأعوام الأخيرة، خضعت المنظومة التعليمية لاستنزاف متواصل، فقد ازداد تدهور قطاع التعليم في الضفة بفعل امتناع إسرائيل عن تحويل عائدات المقاصة (إيرادات الضرائب) التي تمثّل ثلثي إيرادات السلطة الفلسطينية.
فمنذ عام 2019، بدأت حكومة الاحتلال اقتطاعات شهرية من هذه الإيرادات بحجة دفع السلطة رواتب لأسر الأسرى والشهداء، وقد خُصم نحو مليار دولار بين فبراير/شباط 2019 ويوليو/تموز 2024.
بعد عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، استقطعت إسرائيل 75 مليون دولار شهريًا – قيمة حصة غزة – ثم أوقفت التحويلات كليًا منذ مايو/أيار 2025.
وبحسب معطيات رسمية، وصلت الأموال المحتجزة إلى 4.5 مليارات دولار بنهاية 2025 ما جعل السيولة المتاحة لدفع الرواتب والخدمات تصل إلى أدنى مستوى.
إضافة إلى ذلك، فقدت السلطة ربع ناتجها المحلي بعد إلغاء تصاريح العمل لما يزيد على 200 ألف عامل في إسرائيل وتشديد الحصار والحواجز، فتراجعت إيرادات الضرائب المحلية وأصبح تمويل الرواتب مستحيلاً بدون ديون جديدة.
تزامن حجب الأموال مع انخفاض حاد في المساعدات الخارجية، فقد بلغ الدعم الدولي للسلطة 358 مليون دولار عام 2025 مقارنة بنحو ملياري دولار عام 2008. أما التعهد العربي بتقديم 100 مليون دولار شهريًا الذي تبنته الجامعة العربية في 2012 فلم يتحقق إلا جزئيًا، بحسب المركز العربي للأبحاث.
ومع تراكم الديون والاقتراض من البنوك المحلية، وصلت ديون السلطة إلى ما يعادل 106 بالمئة من الناتج المحلي بحلول نوفمبر/تشرين الثاني 2025.
واضطرت الحكومة منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2021 إلى دفع نصف الرواتب أو أكثر أو أقل في بعض الأحيان وبشكل غير منتظم، وكان التعليم والصحة الأكثر تضررًا.
واليوم أصبحت المدارس الحكومية غير قادرة على دفع مستحقات المعلمين أو تشغيل المدارس طوال الأسبوع، وأصبح التعطيل لا مفر منه.
وتشير مصادر محلية إلى أن العاملين في التعليم يشكّلون أكثر من نصف موظفي القطاع العام، يحصلون على 60 بالمئة فقط من رواتبهم وعلى فترات متقطعة، ما دفعهم إلى إضرابات طويلة.
ويداوم المعلمون ثلاثة أيام حضوريا فقط في الأسبوع ويُقلَّص دوامهم إلى حصص مركّزة، ما يزيد الضغط عليهم ويحد من قدرتهم على تقديم دروس متكاملة.
إذ أجبرت الأزمة وزارة التربية والتعليم على تقليص الأسبوع الدراسي من خمسة إلى أربعة أيام خلال العام الدراسي 2024/2023 ثم إلى ثلاثة مع بداية عام 2025 /2026.
ويتطلب المنهاج الفلسطيني 182 يومًا دراسيًا لإكمال المحتوى، لكن الطلاب في المدارس الحكومية حضروا أقل من 50 يومًا في الفصل الأول، أي أنهم فقدوا نصف وقتهم الدراسي تقريبًا.
وتعرِّض هذه الفجوة الطلاب لخطر عدم اكتساب مهارات القراءة والحساب الأساسية، فقد حذرت وكالة "أونروا" من تحوّل الأزمة من فقر تعلم إلى حالة طوارئ منهجية كاملة.
على الجانب الآخر، يتزايد عدد الطلاب المنقطعين من بين 650 ألف طالب وطالبة موزعين على 1948 مدرسة حكومية بالضفة، إضافة إلى 500 شعبة لرياض الأطفال مع تزايد حالات التسرب المدرسي، ما ينذر بتداعيات طويلة الأمد على التحصيل العلمي والاستقرار الاجتماعي.
المصادر
- Palestinian Education Still Under Attack
- Fact Sheet: Movement and Access in the West Bank, April 2026
- ‘Go inside, he will kill you’: Israeli militants step up West Bank school attacks
- Several Palestinian students suffocate as Israeli forces storm Bethlehem-area-village
- OPT: West Bank children hold tenth day of peaceful protest after school blocked by Israeli settlers
- Settlers block Palestinian pupils' path to West Bank school with barbed wire
- OCHA: Humanitarian Situation Report – 1 May 2026
- Occupation, PA inaction and financial troubles drive education crisis in Palestine


















