من التصعيد إلى المناورة.. واشنطن توقف "مشروع الحرية" وطهران تعزز سيطرتها البحرية

كشفت طهران عن آلية جديدة لتنظيم حركة السفن في مضيق هرمز
في تطور ثلاثي يعيد رسم قواعد الاشتباك البحري والدبلوماسي في واحد من أهم الممرات النفطية في العالم، أعلن دونالد ترامب تعليق "مشروع الحرية" مؤقتًا، بالتزامن مع إعلان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو انتهاء العمليات العسكرية ضد إيران، في حين كشفت طهران عن آلية جديدة لتنظيم حركة السفن في مضيق هرمز.
وأعلن ترامب، عشية 5 أبريل/نيسان 2026، قراره تعليق "مشروع الحرية" مؤقتًا، وهو المشروع الذي يهدف إلى إخراج السفن العالقة في مضيق هرمز، مع تأكيده في الوقت ذاته استمرار الحصار البحري الأميركي، لإتاحة المجال أمام استكمال مفاوضات قد تفضي إلى اتفاق نهائي مع إيران.
وأوضح ترامب، في تدوينة نشرها عبر منصته "تروث سوشيال"، أن هذا القرار جاء استجابة لطلب باكستان ودول أخرى، مشيرًا إلى ما وصفه بـ"النجاحات العسكرية الكبيرة" التي تحققت خلال العمليات ضد إيران، إضافة إلى إحراز تقدم ملموس نحو التوصل إلى اتفاق شامل مع ممثلي طهران.
وقال ترامب: "قررنا بشكل متبادل تعليق مشروع الحرية لفترة وجيزة، مع بقاء الحصار قائمًا بالكامل، وذلك لمعرفة ما إذا كان بالإمكان التوصل إلى اتفاق نهائي مع إيران".
وجاء هذا القرار عقب إعلان روبيو أن الولايات المتحدة أنهت عملياتها الهجومية ضد إيران، مكررًا تصريحات سابقة أدلى بها أمام الكونغرس، بعد نحو شهر من سريان وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران.
وصرح روبيو للصحفيين في البيت الأبيض بأن "عملية الغضب الملحمي انتهت، كما أبلغ الرئيس الكونغرس. لقد أنهينا هذه المرحلة منها"، في إشارة إلى انتهاء الشق العسكري المباشر من المواجهة.
من جهته، رحّب رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف بقرار تعليق "مشروع الحرية"، مؤكدًا التزام بلاده بدعم الجهود الرامية إلى حل النزاع عبر الحوار، ومعربًا عن أمله في أن يفضي الوضع الحالي إلى اتفاق دائم يضمن الاستقرار في المنطقة.
في المقابل، تعامل الإعلام الإيراني مع القرار بصفته تراجعًا أميركيًا؛ إذ وصفت وكالة تسنيم شبه الرسمية تعليق المشروع بأنه "فشل"، مقدرة أن الخطوة تعكس إخفاق واشنطن في إدارة ملف مضيق هرمز، وأن ترامب يحاول التغطية على ذلك عبر تكرار ما وصفته بـ"الادعاءات المعتادة".
كما تناولت وكالة فارس القرار بالقول إن تعليق المشروع جاء نتيجة "تحذيرات واضحة من إيران"، في إشارة إلى سياسة الردع التي تنتهجها طهران في المنطقة.
وفي تطور موازٍ، أفادت قناة برس تي في، نقلًا عن مصادر، بأن إيران أطلقت رسميًا آلية جديدة لتنظيم حركة الملاحة في مضيق هرمز، مؤكدة أن النظام الجديد دخل حيّز التنفيذ بالفعل.
وبموجب هذه الآلية، ستتلقى جميع السفن الراغبة في عبور المضيق إشعارات تتضمن القواعد المنظمة لحركتها، مع إلزامها بالحصول على تصاريح مسبقة قبل العبور، وهو ما يعكس محاولة إيرانية لإحكام السيطرة الإدارية والأمنية على هذا الممر الحيوي.
وتأتي هذه الخطوة في وقت يناقش فيه البرلمان الإيراني مشروع قانون يقضي بفرض حظر شامل على السفن المرتبطة بإسرائيل، إلى جانب فرض قيود مشددة على السفن التابعة للولايات المتحدة ودول تصنفها طهران "معادية"، مع استحداث نظام رسوم عبور على السفن الأخرى، في مسعى لإعادة صياغة قواعد المرور في المضيق بما يخدم مصالحها الإستراتيجية.
انتصارات وهمية
وعد ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي قرار الرئيس الأميركي تعليق "مشروع الحرية" مؤقتا تراجعا واعترافا ضمنيا بالفشل وإقرارا بالهزيمة في الميدان وعجزا في كسر الإرادة الإيرانية في مضيق هرمز، ساخرين من مزاعمه الاستجابة لطلب باكستان.
واستنكروا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #هرمز، #مضيق_هرمز، #مشروع_الحرية، وغيرها إصرار ترامب على صياغة هذا التراجع في قالب من "البطولة الزائفة" والتغني بتحقيق انتصارات وهمية.
"الغضب الملحمي"
وسخر ناشطون من إعلان وزير الخارجية الأميركي أن عملية "الغضب الملحمي" قد حققت أهدافها، مقدرين أن وقف العمليات جاء نتيجة ضغوط من الكونغرس وتجنبًا لمواجهة شاملة لا تملك الإدارة تفويضاً لها.
اتفاق وشيك
انقسم المحللون والناشطون بشأن دلالات إعلان دونالد ترامب تعليق "مشروع الحرية"، وتأكيد ماركو روبيو انتهاء "عملية الغضب الملحمي" (المرحلة الهجومية ضد إيران).
وبينما رأى فريق أن هذه التطورات تعكس نهاية فعلية للحرب واقترابًا من التوصل إلى اتفاق بين الطرفين، عدها آخرون مجرد تمهيد لمرحلة تصعيد جديدة أو مناورة تكتيكية لإعادة ترتيب الأوراق.
وذهب الفريق الأول إلى تفسير هذه الإعلانات على أنها تراجع أميركي نسبي تحت وطأة الضغوط الإيرانية، مدعومًا بما وصفوه بـ"الصبر الإستراتيجي" الذي انتهجته طهران، إلى جانب دور الوساطات الإقليمية، لا سيما باكستان، في دفع مسار التهدئة.
ويرى هؤلاء أن المؤشرات الحالية توحي بإمكانية التقدم نحو اتفاق أو مذكرة تفاهم بين الجانبين، خاصة في ظل حسابات داخلية وخارجية تجعل من غير المرجح أن يميل ترامب إلى استئناف الحرب في هذه المرحلة.
في المقابل، رأى الفريق الآخر أن الإعلانات الأميركية لا تعكس نهاية حقيقية للتصعيد، بل تمثل اختبارًا محسوبًا لرد فعل إيران، ومحاولة لإعادة التموضع عسكريًا واستخباراتيًا تمهيدًا لمرحلة لاحقة.
ورأرى هؤلاء أن قرار دونالد ترامب تعليق "مشروع الحرية"، وتصريحات ماركو روبيو بشأن إنهاء المرحلة الهجومية، قد يكونان جزءًا من مناورة تكتيكية تهدف إلى كسب الوقت، وتفادي ضغوط الكونغرس الأميركي، لا سيما ما يتعلق بسقف الستين يومًا المرتبط بالعمليات العسكرية.
ويستند هذا التقدير إلى مؤشرات ميدانية مستمرة، أبرزها بقاء الحصار البحري الأميركي مفروضًا، واستمرار الحشد العسكري في المنطقة، وهو ما يعزز فرضية أن التهدئة المعلنة قد تكون مؤقتة، وقابلة للتحول إلى تصعيد أشد، تحت ذرائع جديدة أو في توقيت أكثر ملاءمة من الناحية الإستراتيجية.
تعزيز للسيادة
واحتفى ناشطون بإعلان إيران عن آلية جديدة لإدارة مرور السفن في مضيق هرمز، وما وصفوه بـ "القواعد الجديدة للعبة" عادين ذلك انتصارا وتعزيزا للسيادة الإيرانية. وأكدوا أن الملاحة لن تعود لما كانت عليه قبل الحرب إلا بشروط إيرانية تتضمن رفع الحصار بالكامل.

















