بعد 33 عاماً من توقيعها.. ماذا يعني إلغاء أوسلو بالنسبة لمستقبل الضفة الغربية؟

منذ توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993، لم تتوقف الدعوات داخل إسرائيل للمطالبة بإلغائها
بعدما مرر نواب اليمين المتطرف في الحكومة الإسرائيلية سلسلة قوانين تتعلق بإعدام أسرى فلسطينيين، ونهب أموال السلطة الفلسطينية، والاستيلاء على أراضي الضفة الغربية، والتي حظيت بالموافقة، اتجهوا نحو طرح قانون جديد يقضي بإلغاء اتفاقيات أوسلو، واتفاق الخليل، واتفاق واي ريفر.
القانون الذي طُرح للتصويت ثم أرجأه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مؤقتاً، جاء في ظل انشغال حكومته بتطورات الجنوب اللبناني والحرب مع إيران، ويُعد من أخطر التشريعات المطروحة؛ إذ إن تمريره يعني عملياً إنهاء وجود السلطة الفلسطينية، وإنهاء مسار التسوية، وفرض واقع احتلال شامل للضفة الغربية وقطاع غزة بشكل رسمي، بما قد يعيد الأوضاع إلى مرحلة ما قبل اتفاق أوسلو عام 1993، مع تصاعد احتمالات المواجهة والانتفاضة.
وأثار طرح القانون في هذا التوقيت تساؤلات حول دوافعه، وما إذا كان يندرج في إطار المزايدات الانتخابية لجذب أصوات اليمين المتطرف مع اقتراب انتخابات الكنيست المقررة في أكتوبر 2026، أم أنه يعكس توجهاً فعلياً لتصفية ما تبقى من اتفاقيات أوسلو، ودفنها سياسياً بعد 33 عاماً على توقيعها.
ويأتي ذلك في وقت تشير فيه معطيات ميدانية وسياسية إلى أن إسرائيل فرضت بالفعل، خلال سنوات ما بعد أوسلو، سيطرة واسعة على معظم الأراضي الفلسطينية، مع توسع استيطاني كبير في الضفة الغربية.

قصة الإلغاء
منذ توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993، لم تتوقف الدعوات داخل إسرائيل للمطالبة بإلغائها، خصوصاً من أحزاب اليمين والقوميين الدينيين، غير أن هذه الدعوات تصاعدت بصورة غير مسبوقة عقب عملية "طوفان الأقصى" والحرب على غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وانتقلت من مستوى التصريحات السياسية إلى مشاريع قوانين رسمية داخل الكنيست.
ومع صعود اليمين الديني المتطرف إلى الحكم، أصبحت المطالبة بإلغاء اتفاقيات أوسلو جزءاً ثابتاً من خطاب أحزاب "الليكود" بزعامة بنيامين نتنياهو، و"القوة اليهودية" بقيادة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، و"الصهيونية الدينية" بقيادة وزير المالية بتسلئيل سموتريتش.
وخلال عامي 2025 و2026، قُدمت عدة مشاريع قوانين لإلغاء الاتفاقيات الموقعة مع الفلسطينيين، من بينها مشروع قدمه بن غفير في 9 مارس/ آذار 2025 لإلغاء اتفاقيات أوسلو والخليل وواي ريفر، إضافة إلى مشروع آخر ناقشته اللجنة الوزارية الإسرائيلية لشؤون التشريع في مايو/ أيار 2026، يقضي بإلغاء جميع الالتزامات المترتبة على أوسلو.
وكان أحدث هذه المحاولات مشروع القانون الذي قدّمته عضوة الكنيست ليمور سون هار ميليخ، من حزب "القوة اليهودية"، في 10 مايو/ أيار 2026، وكان مقرراً عرضه على اللجنة الوزارية لشؤون التشريع، قبل أن يطلب نتنياهو تأجيله مؤقتاً لإجراء دراسة إضافية.
ورغم أن وزير العدل ياريف ليفين قال: إن "الجميع يؤيد الفكرة"، فإن وسائل إعلام إسرائيلية رأت أن قرار التأجيل جاء نتيجة تقديرات أمنية ودبلوماسية، وتجنباً لفتح جبهة سياسية جديدة في ظل انشغال إسرائيل بحروب غزة ولبنان والتوتر مع إيران.
وينص مشروع القانون على إلغاء جميع الاتفاقيات الموقعة بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية، بحيث لا تعود ملزمة للدولة أو لأي جهة رسمية إسرائيلية، إلى جانب إلغاء التشريعات التي أُقرت لتنفيذ تلك الاتفاقيات، وإعادة الوضع القانوني والأمني إلى ما كان عليه قبل توقيع اتفاق أوسلو عام 1993.
ويبرر مقدمو المشروع خطوتهم بالقول: إن اتفاقيات أوسلو "لم تحقق السلام"، بل أسهمت، وفق زعمهم، في "تدهور الوضع الأمني وتصاعد الهجمات ضد الإسرائيليين".
كما ذكرت صحيفة "معاريف" العبرية، في 11 مايو/ أيار 2026، أن مقدمي المشروع رأوا أن الاتفاقيات سمحت للفلسطينيين ببناء مؤسساتهم الأمنية والسياسية، بما في ذلك ما وصفوه بـ"البنية المسلحة"، وصولاً إلى أحداث 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
ويقول بن غفير: إن إلغاء الاتفاقيات بشكل كامل، واستعادة السيطرة على المناطق التي نقلت للفلسطينيين بموجبها، وإلغاء القوانين المرتبطة بتنفيذها، يمثل "تصحيحاً لخطأ تاريخي"، على حد وصفه.
كما يزعم أن إقامة دولة فلسطينية التي تعد الهدف النهائي لاتفاقيات أوسلو، تشكل "تهديداً وجودياً لإسرائيل"، وستؤدي إلى استمرار الصراع وتقويض الاستقرار وفتح المجال أمام سيطرة حركة حماس على السلطة الفلسطينية.
ويرى محللون أن التحول الأخطر لا يكمن فقط في الحديث عن إلغاء أوسلو، بل في انتقال الفكرة من خطاب أيديولوجي لدى اليمين الإسرائيلي إلى مسار تشريعي ورسمي داخل مؤسسات الدولة، خاصة مع تصاعد الخطاب الديني والقومي المتطرف داخل الحكومة والكنيست بعد حرب غزة.
ورغم تأجيل مناقشة مشروع القانون، فإن مجرد طرحه يعكس توجهاً سياسياً متنامياً داخل إسرائيل لإعادة النظر في كامل المسار السياسي الذي بدأ باتفاقيات أوسلو قبل أكثر من ثلاثة عقود الأمر الذي يثير تساؤلات واسعة بشأن مستقبل السلطة الفلسطينية، وإمكانية عودة المواجهات المفتوحة، وانهيار ما تبقى من مسار التسوية السياسية.
الهدف من طرح القانون إلغاء أوسلو
يرى خبراء ومحللون سياسيون فلسطينيون أن المحاولة الأخيرة لتمرير مشروع قانون إلغاء اتفاقيات أوسلو، رغم تكرار مثل هذه المحاولات سابقاً، تحمل هذه المرة أبعاداً انتخابية ودعائية مرتبطة بصراع الأحزاب اليمينية المتطرفة على أصوات الناخبين قبيل انتخابات الكنيست المقبلة.
كما يرون أن الخطوة تمثل محاولة من حزب إيتمار بن غفير للضغط على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وإظهار قوته داخل الائتلاف الحاكم، وهو ما يفسر طلب نتنياهو تأجيل التصويت على المشروع في الوقت الراهن.
وقال المحلل السياسي نهاد أبو غوش، في تصريحات لـ"وكالة شهاب للأنباء" بتاريخ 11 مايو/ أيار 2026: إن مشروع القانون يأتي في سياق "المزايدات بين أحزاب اليمين المتطرف قبيل الانتخابات، بهدف كسب الشعبية وتسجيل المواقف السياسية".
وأضاف أن إسرائيل ما تزال تستفيد من اتفاق أوسلو، خصوصاً عبر الدور الأمني الذي تؤديه السلطة الفلسطينية، إضافة إلى تخفيف الأعباء الإدارية والخدمية عن الاحتلال، فضلاً عن استخدام الاتفاق كغطاء سياسي لإظهار وجود عملية سياسية أمام المجتمع الدولي، رغم أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لم تلتزم عملياً ببنود الاتفاق، واختزلته في الجانب الأمني فقط.
لكن الواقع على الأرض يشير، بحسب مراقبين، إلى أن السياسات التي تنفذها حكومة الاحتلال تجاوزت فعلياً الاتفاقيات الموقعة مع الفلسطينيين منذ سنوات، وأن مشاريع إلغاء أوسلو ليست سوى محاولة لإضفاء غطاء قانوني وسياسي على أمر واقع تفرضه إسرائيل بالفعل.
ويتمثل الهدف الرئيس لتيارات اليمين الديني والقومي المتطرف، وفق محللين، في إزالة أي قيد قانوني أو سياسي يمنع فرض السيطرة الإسرائيلية الكاملة على الضفة الغربية، خاصة أن اتفاقيات أوسلو تضمنت التزامات تتعلق بالتفاوض والحكم الذاتي الفلسطيني والاعتراف المتبادل.
كما يرى هؤلاء أن الهدف الأعمق يتمثل في القضاء نهائياً على فكرة الدولة الفلسطينية؛ إذ قامت اتفاقيات أوسلو على مبدأ "الحل المرحلي" وصولاً إلى تسوية نهائية تنتهي بقيام دولة فلسطينية مستقلة، وهو ما يرفضه اليمين الصهيوني المتطرف الذي يتبنى مشروع "إسرائيل الكبرى".
ولهذا تدفع الأحزاب اليمينية المتشددة، وفي مقدمتها أحزاب إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، باتجاه إلغاء أوسلو بحجة أنها "قيدت التوسع الإسرائيلي"، تمهيداً لفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على الضفة الغربية، وتسريع عمليات الضم والتوسع الاستيطاني.
كما تطالب هذه التيارات بإسقاط السلطة الفلسطينية للتنصل من الالتزامات السياسية والقانونية التي ترتبت على الاتفاقيات، خصوصاً بعد تصاعد الخطاب المتشدد عقب عملية "طوفان الأقصى".
وقال الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية مصطفى البرغوثي، في تصريحات لوسائل إعلام فلسطينية: إن سعي إسرائيل لإلغاء أوسلو "يكشف بوضوح أن الاحتلال هو من يرفض السلام، وليس الفلسطينيين".
وأضاف أن ما يجري يفضح، بحسب تعبيره، حقيقة الموقف الإسرائيلي الرافض لقيام دولة فلسطينية، مقدرا أنه "لم يعد مقبولاً الاستمرار في الحديث عن السلام والمفاوضات وحل الدولتين، في وقت تواصل فيه إسرائيل سياساتها التوسعية وجرائمها بحق الفلسطينيين".
الآثار المترتبة على إلغاء أوسلو
يرى مراقبون أن أخطر ما قد يترتب على إلغاء اتفاقيات أوسلو يتمثل في انهيار السلطة الفلسطينية، بتقدير أن الأساس القانوني والسياسي الذي قامت عليه سيتلاشى، ما يعني عملياً انتهاء تقسيم الضفة الغربية إلى مناطق (أ) و(ب) و(ج)، وفتح الباب أمام توسيع الاستيطان وفرض السيطرة الإسرائيلية الكاملة على الأراضي الفلسطينية.
وتعتمد السلطة الفلسطينية، قانونياً ومالياً وأمنياً، على الإطار الذي نشأ عقب توقيع أوسلو، لذلك فإن إلغاء الاتفاقيات قد يؤدي إلى فقدان شرعيتها القانونية تدريجياً، وتراجع دور مؤسساتها، ووقف التنسيق مع إسرائيل، وصولاً إلى عودة الاحتلال المباشر للضفة الغربية بصورة كاملة.
ويعني ذلك، وفق محللين، عودة إسرائيل إلى إدارة المدن الفلسطينية بشكل مباشر بدلاً من الإدارة غير المباشرة عبر السلطة، بما يحمله ذلك من أعباء أمنية واقتصادية كبيرة، إلى جانب احتمال تصاعد المواجهات اليومية بين الفلسطينيين والجيش الإسرائيلي، وارتفاع وتيرة المقاومة المسلحة.
كما يرى محللون إسرائيليون أن إلغاء الاتفاق رسمياً قد يزيد من الضغوط الأوروبية والدولية على إسرائيل، ويعزز الاتهامات الموجهة إليها بالسعي إلى تكريس نظام فصل عنصري دائم، فضلاً عن احتمال تأثيره على اتفاقيات التطبيع العربية المعروفة بـ"اتفاقيات أبراهام".
وتستند بعض الدول العربية التي طبعت علاقاتها مع إسرائيل إلى فكرة استمرار "حل الدولتين" وعدم ضم الضفة الغربية، لذلك فإن الإلغاء الرسمي لاتفاقيات أوسلو قد يضع تلك الدول في موقف حرج، ويزيد من حدة التوتر الإقليمي.
من جانبه، يرى المستشار والباحث حسن حسين الوالي أن توجه اليمين الإسرائيلي نحو سن قانون لإلغاء اتفاقيات أوسلو يثير تساؤلات جوهرية حول مستقبل العلاقة القانونية والسياسية التي حكمت المشهد الفلسطيني منذ أكثر من ثلاثة عقود.
وأوضح، في مقال نشره بتاريخ 11 مايو/ أيار 2026، أن بعض القراءات تعد الخطوة تهديداً مباشراً للسلطة الفلسطينية، إلا أن مقاربة أخرى ترى أن إلغاء الاتفاق من جانب واحد قد يعني عملياً تفكيك الغطاء القانوني والسياسي الذي استُخدم لإدارة الصراع بدلاً من حله.
وأضاف أن ذلك قد يفتح الباب أمام الانتقال من "مرحلة الحكم الذاتي الانتقالي" إلى المطالبة بإطار "الدولة السيادية"، بصفته استحقاقاً تفرضه التحولات السياسية والمرجعيات الدولية.
وأشار الوالي إلى أن طلب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تأجيل التصويت على مشروع القانون يعكس إدراكاً داخل المؤسسة السياسية الإسرائيلية لمخاطر هذه الخطوة؛ لأن الإلغاء الرسمي لأوسلو قد يعيد تعريف إسرائيل قانونياً كقوة احتلال تتحمل كامل المسؤوليات القانونية والإنسانية وفق اتفاقيات جنيف.
كما قد يتيح للفلسطينيين التحلل من الالتزامات الأمنية والاقتصادية التي فرضتها الاتفاقيات، بما في ذلك بروتوكول باريس الاقتصادي، دون أن يتحملوا مسؤولية انهيار المسار السياسي أمام المجتمع الدولي.
ودعا الوالي إلى استثمار هذا التحول بصفته "فرصة إستراتيجية" لإعادة تثبيت الوضع القانوني لفلسطين كـ"دولة تحت الاحتلال" بدلاً من "سلطة حكم ذاتي"، والعودة إلى إعلان الاستقلال الفلسطيني لعام 1988 بصفته المرجعية السياسية الأساسية، إلى جانب تدويل القضية وتحميل المجتمع الدولي مسؤولياته تجاه إنهاء الاحتلال.
وعلى الرغم من أن اتفاقيات أوسلو منحت الفلسطينيين اعترافاً إسرائيلياً بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً للشعب الفلسطيني، وأتاحت إنشاء سلطة حكم ذاتي ومجلس تشريعي منتخب خلال مرحلة انتقالية، فإن كثيراً من الفلسطينيين يرون أن الالتزامات السياسية المتعلقة بإقامة الدولة الفلسطينية لم تُنفذ، في ظل استمرار الاستيطان، وعودة الجيش الإسرائيلي إلى مناطق الحكم الذاتي، وتصاعد العمليات العسكرية في قطاع غزة والضفة الغربية خلال السنوات الماضية.

ما هي أوسلو والخليل وواي ريفر؟
في سبتمبر/ أيلول 1993، وقع رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إسحاق رابين، ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، اتفاق "أوسلو 1" في العاصمة الأميركية واشنطن، بعد مفاوضات سرية جرت في النرويج.
ونص الاتفاق على إنشاء حكم ذاتي فلسطيني انتقالي، وانسحاب تدريجي للجيش الإسرائيلي من أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة، وتأسيس سلطة فلسطينية منتخبة بصلاحيات محدودة، على أن تُحسم قضايا الوضع النهائي، مثل القدس واللاجئين والاستيطان والحدود، خلال فترة انتقالية مدتها خمس سنوات.
وفي يناير/ كانون الثاني 1997، وُقع "اتفاق الخليل" بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية، ونص على إعادة انتشار القوات الإسرائيلية في مدينة الخليل وتقسيمها إلى منطقتين؛ الأولى تخضع للسيطرة الفلسطينية الكاملة وتشكل نحو 80 بالمئة من المدينة، والثانية تخضع للسيطرة الأمنية الإسرائيلية وتشكل نحو 20 بالمئة، مع نقل بعض الصلاحيات المدنية للسلطة الفلسطينية.
لكن الفلسطينيين يقولون: إن إسرائيل واصلت التوسع داخل المدينة، واستولت تدريجياً على أجزاء من المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية، في إطار سياسة توسيع النفوذ الاستيطاني.
وفي 15 فبراير/ شباط 2026، أقر المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي تعديلات على آليات تقاسم الصلاحيات في الضفة الغربية، تضمنت توسيع نطاق السيطرة الإسرائيلية ليشمل تقديم خدمات بلدية في مناطق يديرها الفلسطينيون، إضافة إلى منح سلطات واسعة للاستيلاء على ما تصفه إسرائيل بـ"المواقع التراثية" في أنحاء الضفة الغربية، إلى جانب نقل الإشراف على الحرم الإبراهيمي إلى مجلس المستوطنات.
وبعد توقيع اتفاقيتي أوسلو عامي 1993 و1995، جرى تقسيم الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق:
- المنطقة "أ": تخضع للسيطرة الفلسطينية المدنية والأمنية.
- المنطقة "ب": تخضع لإدارة مدنية فلسطينية وسيطرة أمنية إسرائيلية.
- المنطقة "ج": تخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة.
لكن الفلسطينيين يرون أن هذه التقسيمات فقدت معناها تدريجياً مع استمرار التوسع الاستيطاني والعمليات العسكرية الإسرائيلية، خاصة في المنطقتين "ب" و"ج".
وقال المحلل الإسرائيلي يغيل ليفي، في صحيفة "هآرتس" بتاريخ 7 سبتمبر/ أيلول 2023: إن الجيش الإسرائيلي صاغ اتفاقيات أوسلو بطريقة تضمن استمرار السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية وقطاع غزة، ومنع تحول السلطة الفلسطينية إلى كيان ذي سيادة كاملة، بالتوازي مع استمرار التوسع الاستيطاني.
ويرى كثير من المراقبين أن اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين عام 1995 شكّل نقطة تحول أساسية في مسار الاتفاقيات، قبل أن تتعثر مفاوضات الحل النهائي، ويتصاعد بناء المستوطنات، وتتراجع فرص تطبيق بنود أوسلو.

وفي أكتوبر/ تشرين الأول 1998، وقع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو "مذكرة واي ريفر" في واشنطن، برعاية أميركية، ونصت على انسحاب إسرائيلي من أجزاء إضافية من الضفة الغربية، واتخاذ ترتيبات أمنية مشتركة، وتعزيز التعاون الاقتصادي، واستئناف مفاوضات الوضع النهائي.
وبموجب اتفاقيات أوسلو، اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل على نحو 78 بالمئة من مساحة فلسطين التاريخية، مقابل قيام دولة فلسطينية على ما تبقى من الأراضي المحتلة عام 1967، وهي الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية.
وتبلغ مساحة فلسطين التاريخية نحو 27 ألفاً و480 كيلومتراً مربعاً، تسيطر إسرائيل على معظمها، فيما تشكل الضفة الغربية نحو 5860 كيلومتراً مربعاً، وقطاع غزة نحو 365 كيلومتراً مربعاً، والقدس الشرقية نحو 125 كيلومتراً مربعاً.
ويرى مراقبون أن حكومات بنيامين نتنياهو المتعاقبة، خصوصاً الائتلافات اليمينية والدينية المتشددة، ساهمت بصورة مباشرة في تقويض اتفاقيات أوسلو؛ إذ وصف نتنياهو الاتفاقيات في أكثر من مناسبة بأنها "خطأ تاريخي"، فيما اتجهت حكوماته إلى توسيع الاستيطان ورفض أي مسار سياسي يؤدي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة.

الاستيطان تضاعف سبع مرات
رغم أن اتفاقيات أوسلو قُدمت بصفتها مدخلاً لإنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية، فإن وتيرة الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية ارتفعت بصورة غير مسبوقة منذ توقيعها؛ إذ تشير تقديرات مراكز أبحاث فلسطينية إلى أن الاستيطان تضاعف نحو سبع مرات مقارنة بما كان عليه قبل الاتفاق.
وبحسب تلك التقديرات، خصصت إسرائيل نحو 42 بالمئة من أراضي الضفة الغربية لصالح التوسع الاستيطاني، من بينها 62 بالمئة من أراضي المنطقة "ج"، فيما ارتفع عدد المستوطنين من نحو 111 ألفاً عند توقيع الاتفاق إلى قرابة 750 ألف مستوطن حالياً.
وكانت اتفاقيات أوسلو قد نصت على أن تبقى المنطقة "ج" تحت السيطرة الإسرائيلية مدة انتقالية لا تتجاوز خمس سنوات، لكن انهيار عملية السلام أدى إلى ترسيخ السيطرة الإسرائيلية عليها وتوسيعها.
وتشكل المنطقة "ج" نحو 60 بالمئة من مساحة الضفة الغربية، وتضم مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والرعوية التابعة لقرى فلسطينية تقع ضمن المنطقتين "أ" و"ب".
ورغم الانتقادات الفلسطينية الواسعة، لم تعلن السلطة الفلسطينية إلغاء اتفاقيات أوسلو الموقعة عامي 1993 و1995، وظلت ملتزمة خصوصاً بالشق الأمني منها، إلا أن التحولات الميدانية في الضفة الغربية وتصاعد المقاومة المسلحة دفعا كثيراً من التقديرات الفلسطينية إلى تقدير أن الاتفاق "استنفد فعلياً" وأن أسسه السياسية والقانونية تآكلت بصورة كبيرة.
وتلقت فكرة "حل الدولتين" ضربة جديدة بعد توقيع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في 11 سبتمبر/ أيلول 2025، على الخطة الاستيطانية المعروفة باسم "E1" في مستوطنة "معاليه أدوميم"، قبل أن يجري التصديق عليها رسمياً في ديسمبر/ كانون الأول من العام نفسه.
وتشمل الخطة بناء وشرعنة 19 مستوطنة وبؤرة استيطانية جديدة في المناطق الشرقية من القدس وبيت لحم ورام الله، وربطها بمستوطنة "معاليه أدوميم" الواقعة بين القدس وأريحا، إضافة إلى إنشاء أكثر من 3400 وحدة استيطانية جديدة.
ويقول الفلسطينيون: إن تنفيذ مشروع "E1" سيؤدي عملياً إلى فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، وتقويض إمكانية إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.
وخلال توقيعه على الخطة، قال نتنياهو: إن “هذا المكان لنا”. مضيفاً: "لن تكون هناك دولة فلسطينية أبداً"، وفق ما نقلته وكالة "رويترز".
وفي يوليو/ تموز 2025، رأت محكمة العدل الدولية، أعلى هيئة قضائية تابعة للأمم المتحدة، أن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير قانوني، ودعت إلى إزالة المستوطنات الإسرائيلية "في أسرع وقت ممكن".
















