انشقاقات الدعم السريع.. كيف تحولت إلى تهديد لبنية حميدتي العسكرية والقبلية؟

السافنا، لم يكن قائدا ميدانيا عاديا، في منظومة حميدتي القتالية، إذ ارتبط اسمه بملفات حساسة
لم يكن إعلان القائد الميداني البارز في قوات الدعم السريع علي رزق الله، المعروف بـ"السافنا"، انشقاقه في 11 مايو/ أيار 2026، مجرد بيان عابر في حرب دخلت عامها الرابع، بل بدا أقرب إلى مؤشر جديد على تصدع متزايد داخل البنية العسكرية والقبلية التي اعتمدت عليها قوات محمد حمدان دقلو "حميدتي" منذ اندلاع الحرب.
ولم يكن "السافنا" قائدا ميدانيا عاديا داخل منظومة الدعم السريع، إذ ارتبط اسمه بملفات حساسة، من بينها تجنيد مقاتلين أجانب من تشاد والنيجر وجنوب السودان، إلى إدارة مسارات الإمداد والحشد في غرب وشمال كردفان.
كما يمتلك ثقلا قبليا داخل فرع المحاميد من قبيلة الرزيقات، إحدى أبرز الحواضن الاجتماعية التي استندت إليها قوات الدعم السريع في دارفور.
وزاد من وقع هذه التطورات على المليشيا المدعومة إماراتيا أن انشقاق "السافنا" جاء بعد أسابيع فقط من انشقاق اللواء النور أحمد آدم "القبة"، أحد أبرز قادة الدعم السريع في دارفور، وفي وقت تتحدث فيه تقارير ميدانية عن استسلام مجموعات كاملة من المقاتلين في كردفان ودارفور، وسط تراجع ميداني مستمر وخلافات داخلية تتعلق بالقيادة والنفوذ وتقاسم الموارد.
وبينما تحاول قيادات الدعم السريع التقليل من أهمية هذه التطورات، يرى مراقبون أن ما يجري يتجاوز مجرد خلافات تنظيمية، ليعكس أزمة أعمق تهدد تماسك القوات من الداخل، خاصة مع تصاعد التنافس القبلي وتراجع صورة الدعم السريع كقوة قادرة على الحسم العسكري.

موجة انشقاقات
رغم اندلاع الحرب في أبريل/ نيسان 2023، فإن الانشقاقات المؤثرة داخل قوات الدعم السريع لم تظهر بصورة علنية وواسعة إلا خلال النصف الثاني من عام 2024، تزامنا مع تغير موازين المعركة وبدء الجيش السوداني استعادة زمام المبادرة في عدة جبهات.
وجاء التحول الأبرز في 20 أكتوبر/ تشرين الأول 2024، عندما أعلنت القوات المسلحة السودانية انشقاق القائد أبو عاقلة كيكل، قائد الدعم السريع في ولاية الجزيرة، وانضمامه إلى الجيش مع عدد من قواته.
ووصفت وكالة "رويترز" هذه الخطوة حينها بأنها "أول انشقاق لقائد كبير" داخل الدعم السريع منذ اندلاع الحرب.
وكان كيكل، وهو ضابط سابق في الجيش السوداني، يقود قوات "درع السودان" المتحالفة مع الدعم السريع في وسط السودان، قبل أن يغيّر ولاءه مع تقدم الجيش في ولايتي سنار والجزيرة.
ووفقا لتحليل نشره مشروع بيانات النزاعات المسلحة "ACLED"، ومقره ولاية ويسكونسن الأميركية، فإن انشقاق كيكل شكّل نقطة تحول مهمة أسهمت في تسريع انهيار مواقع الدعم السريع في ولاية الجزيرة، وفتحت الطريق أمام تقدم الجيش لاحقا نحو الخرطوم.
ولم يكن رد فعل الدعم السريع على انشقاق كيكل عاديا، إذ تحدثت "رويترز" ومنظمة العفو الدولية عن هجمات انتقامية نفذتها القوات ضد قرى ومناطق في شرق الجزيرة عقب انشقاقه، في مؤشر على حجم الارتباك الذي أحدثه داخل المنظومة العسكرية للقوات.

تحالفات معقدة
لكن هذه الانشقاقات لم تكن مجرد رد فعل على الخسائر العسكرية أو تبدل موازين المعركة، بل كشفت أيضا عن أزمة أعمق ظلت تتشكل بصمت داخل البنية القبلية والتنظيمية لقوات الدعم السريع.
فمنذ نشأة هذه القوات، اعتمدت بنيتها على تحالفات قبلية معقدة داخل دارفور، لا سيما بين فروع قبيلة الرزيقات، غير أن الحرب الأخيرة أعادت إحياء تنافسات تاريخية ظلت كامنة لسنوات.
وتشير معطيات ميدانية إلى أن هجوم الدعم السريع على منطقة "مستريحة"، معقل الزعيم القبلي موسى هلال في شمال دارفور، شكّل إحدى أبرز المحطات التي عمّقت الانقسام داخل الحاضنة الاجتماعية للقوات.
فالهجوم الذي أسفر عن سقوط عشرات القتلى، أعاد إلى الواجهة الصراع القديم بين المحاميد، الذين ينتمي إليهم موسى هلال، والماهرية، التي ينتمي إليها محمد حمدان دقلو "حميدتي" وشقيقه عبد الرحيم.
وبحسب تقارير محلية ومصادر ميدانية، لعب موسى هلال خلال الأشهر الأخيرة دورا بارزا في تحييد عدد من أبناء المحاميد داخل قوات الدعم السريع، وإقناع بعض القيادات بمغادرة القوات أو التزام الحياد، وهو ما ظهر بوضوح في انشقاق "القبة" ثم "السافنا".
كما كشفت التسجيلات الصوتية والتصريحات الصادرة عن بعض القادة المنشقين عن تنامي حالة الغضب من هيمنة عبد الرحيم دقلو، شقيق حميدتي والرجل الثاني في الدعم السريع، على مفاصل القرار داخل القوات، خاصة في ما يتعلق بالتسليح والتمويل والعلاج والمرتبات.
وتشير تقارير نشرتها وسائل إعلام عربية وأجنبية إلى أن عددا من القيادات الميدانية بات ينظر إلى الدعم السريع بصفته تنظيما تهيمن عليه دائرة ضيقة، في ظل تراجع نفوذ القيادات المحلية والقبلية التي كانت تمثل ركيزة الانتشار الميداني للقوات في دارفور وكردفان.
ويرى مراقبون أن هذه الخلافات بدأت تنعكس بشكل مباشر على الأرض، إذ باتت بعض المجموعات القبلية تتعامل مع الحرب بصفتها معركة تخص قيادة محددة داخل الدعم السريع، لا معركة تمثل جميع مكونات دارفور.

لماذا الآن؟
ولا يمكن فصل موجة الانشقاقات الأخيرة عن التحولات العسكرية التي شهدتها الحرب خلال العامين الأخيرين، خصوصا بعد نجاح الجيش السوداني في استعادة مواقع إستراتيجية في وسط السودان والعاصمة الخرطوم.
فمنذ أواخر عام 2024، بدأ الجيش يحقق تقدما متدرجا في ولايتي الجزيرة وسنار، قبل أن يوسع عملياته داخل الخرطوم ويستعيد السيطرة عليها بالكامل، مستفيدا من استنزاف قوات الدعم السريع على عدة جبهات، ومن تراجع قدرتها على الحفاظ على خطوط الإمداد والسيطرة على المناطق الواسعة التي تمددت إليها.
ومع تراجع الزخم العسكري، بدأت أزمات أخرى تظهر داخل الدعم السريع، تتعلق بالتمويل والانضباط والسيطرة على المقاتلين، خاصة في الجزيرة ودارفور.
وفي 3 أبريل/ نيسان 2026، نشرت وكالة "أسوشيتد برس" تحقيقا موسعا تحدث عن حالة من الفوضى داخل مناطق سيطرة الدعم السريع في كردفان، حيث وصفت شهادات السكان عمليات نهب وخطف وقتل نفذها مقاتلون بصورة غير منضبطة، في وقت بدت فيه القيادة عاجزة عن فرض سيطرة مركزية على العناصر المنتشرة في القرى والمدن.
كما تصاعدت الضغوط على الدعم السريع مع اتساع الانتقادات الدولية والانتهاكات المنسوبة إلى القوات، خاصة في دارفور، حيث اتهمتها الولايات المتحدة ومنظمات حقوقية بارتكاب جرائم حرب وعمليات تطهير عرقي.
ومع استمرار الحرب دون أفق سياسي واضح، بدأت حالة الإحباط تتسع داخل صفوف المقاتلين، خصوصا مع تراجع المكاسب الميدانية وغموض مستقبل القيادات العسكرية والقبلية المرتبطة بالقوات.
وتشير تقديرات أمنية إلى أن كثيرا من القادة الميدانيين باتوا ينظرون إلى الانشقاق بصفته خيار نجاة، سواء للحصول على ضمانات من الجيش، أو لتجنب الانهيار الكامل في حال تدهور وضع الدعم السريع بصورة أكبر خلال المرحلة المقبلة.

مرحلة التفكك
ويرى الباحث السياسي السوداني محمد نصر، في حديثه لـ"الاستقلال"، أن قيادة الدعم السريع تحاول التقليل من تأثير الانشقاقات الأخيرة عبر تصويرها بصفتها حالات فردية معزولة، لكن الوقائع الميدانية تشير إلى أزمة أعمق تتعلق بتآكل البنية الداخلية للقوات وتصاعد الخلافات القبلية والتنظيمية داخلها.
ويقول نصر إن الانشقاقات لم تعد تقتصر على مقاتلين أو مجموعات محدودة، بل باتت تشمل قيادات تمتلك ثقلا قبليا وميدانيا مؤثرا، وهو ما يعكس تراجع قدرة القيادة المركزية على ضبط التوازنات داخل دارفور واحتواء الصراعات بين مراكز النفوذ المختلفة.
ويضيف أن الجيش السوداني يعمل، في المقابل، على استثمار هذه التحولات سياسيا وعسكريا، سواء عبر فتح باب العودة أو "التوبة" أمام المنشقين، أو من خلال الاستفادة من المعلومات والخبرات التي تمتلكها القيادات المغادرة، مشيرا إلى أن الاستخبارات العسكرية لعبت دورا مهما في توسيع حالة التفكك داخل الدعم السريع خلال الأشهر الأخيرة.
لكنه يحذر، في الوقت ذاته، من أن تفكك الدعم السريع لا يعني بالضرورة اقتراب نهاية الحرب، موضحا أن انهيار القيادة المركزية قد يقود إلى ظهور مجموعات مسلحة مستقلة تبحث عن النفوذ والحماية القبلية، بما قد يفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيدا وخطورة في المشهد السوداني.
ويختم نصر بالقول: إن قوات الدعم السريع تواجه اليوم اختبارا وجوديا حقيقيا، بين الحفاظ على تماسكها الداخلي رغم الخسائر والانقسامات، أو التحول تدريجيا إلى مجموعات متفرقة تفقد قدرتها على العمل كقوة موحدة في مواجهة الجيش السوداني.
المصادر
- انشقاق «السافنا» يضرب الدعم السريع.. قائد ميدانى بارز يعلن مغادرة الميليشيا
- علي السافنا ينشق.. تعرّف على القادة الميدانيين المغادرين للدعم السريع
- Sudan enters a fourth year of war as officials lament an ‘abandoned crisis’
- Two years of war in Sudan: How the SAF is gaining the upper hand
- Sudanese army reports first defection of senior RSF commander
- A top paramilitary commander defects to Sudan’s military as war enters 4th year
- Senior RSF commander defects from Sudanese paramilitary group
















