بين الحسابات الداخلية والضغوط الخارجية.. لماذا لم يُغلق الحوثيون مضيق باب المندب؟

يُعد مضيق باب المندب شرياناً اقتصادياً عالمياً لا غنى عنه
وسط تصاعد التوترات الإقليمية وفرض الولايات المتحدة حصاراً بحرياً على مضيق هرمز بتوجيه من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تتجه الأنظار العالمية نحو مضيق باب المندب كممر مائي حيوي بديل؛ حيث تحذر التقارير من احتمال استهدافه من قبل جماعة أنصار الله (الحوثيين) رداً على الضغوط المتزايدة على إيران وحلفائها.
ورغم دخول الحوثيين الحرب إلى جانب طهران بشكل حذر منذ أواخر مارس/آذار 2026 عبر استهداف مواقع عسكرية إسرائيلية، إلا أنهم التزموا ضبط النفس الكامل تجاه الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر.
وتثير هذه المواقف تساؤلات إستراتيجية حول أسباب عدم إغلاق المضيق، في وقت تصفه القيادة الإيرانية بأنه ورقة ضغط موازية لهرمز، مع تحذيرات متكررة من أن "تدفق الطاقة والتجارة العالميين يمكن تعطيله بخطوة واحدة"، وفقاً لتصريحات مستشار المرشد الإيراني علي أكبر ولايتي.

أهمية المضيق
يُعد مضيق باب المندب شرياناً اقتصادياً عالمياً لا غنى عنه، حيث تشير تقديرات وكالة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن نحو 4.1 ملايين برميل من المنتجات البترولية عبرت المضيق يومياً في عام 2024.
وبالإضافة إلى الطاقة، يمثل الممر ما بين 9 و12% من التجارة العالمية، وما بين 25 و30% من تجارة الحاويات العالمية، والتي تشمل إمدادات الطاقة والحبوب والإلكترونيات وغيرها.
كما يشكل الممر البديل الاستراتيجي للنفط السعودي الذي يتم ضخه عبر خط أنبوب شرق-غرب إلى ميناء ينبع، حيث تمر الصادرات جنوباً عبر البحر الأحمر وباب المندب إلى الأسواق الآسيوية.
وأي تعطيل للمضيق يعني بالضرورة زيادة بشكل كبير من تكاليف الشحن ومدة التوصيل عبر إجبار السفن على الدوران حول رأس الرجاء الصالح.

قدرات الحوثيين
بحسب تقرير صادر عن مركز صنعاء للدراسات، يعتمد النهج العملياتي الحوثي على "تكتيكات غير متكافئة، تشمل الطائرات المسيّرة والصواريخ المضادة للسفن، واحتمال استخدام الألغام البحرية"، ما يمنحهم "قدرة حقيقية على تهديد الملاحة في المضيق، وربما إيقافها تماماً".
ويُعزز ذلك ما كشفه تقرير دولي ترجمه "يمن مونيتور" عن منظمة بحوث تسلح الصراعات (CAR)، الذي وثق أكثر من 800 مكون صاروخي ومسيّر حديث، يؤكد أن الجماعة باتت تمتلك "أنظمة صاروخية متقدمة مضادة للسفن وأخرى بالستية ومنظومات دفاع جوي وطائرات مسيرة هجومية"، بعضها إيراني الصنع (كصواريخ الغدير/المندب 2 وغدر-380) وبعضها مجمع محلياً من مكونات أجنبية.
وعلى الرغم من السمعة التي اكتسبها الحوثيون كفاعل بحري غير تقليدي، تكشف المعطيات الأمنية عن تراجع ملموس في قدراتهم الهجومية.
فبعد الحملة الجوية الأمريكية المكثفة عام 2025 (عملية الفارس الضارب) والغارات الإسرائيلية المتتالية، تم استهداف الرادارات ومواقع الإطلاق وخطوط الإمداد بين صنعاء والحديدة، فضلاً عن تصفية كوادر رئيسية وخبراء في وحدات الصواريخ والطائرات المسيرة.
كما أن مخزون الصواريخ لدى الجماعة بدأ ينفد بعد سنوات من العمليات منذ أكتوبر 2023، على الرغم من ادعاء المسؤولين بأن الجماعة لا تزال تمتلك مخزونات كبيرة من الطائرات المسيّرة.
أما بخصوص ما يتردد حول إمكانية "فرض رسوم عبور"، فإن التقارير التحليلية توضح أن الحوثيين لا يملكون القدرة التقليدية على السيطرة البحرية أو فرض رسوم رسمية.
فالإغلاق الكامل للممر يتطلب سيطرة بحرية وجوية مستدامة وقدرات تقليدية متقدمة، وهي شروط لا تتوفر لدى الفاعلين ما دون الدول، في حين يبرز التعطيل كخيار أكثر واقعية يقوم على رفع مستوى المخاطر التشغيلية دون الحاجة إلى السيطرة الفعلية على الممر.

السردية الحوثية
تسعى الجماعة بشكل منهجي إلى صياغة سردية تجمع بين التأكيد على استقلال القرار اليمني، والارتباط الأيديولوجي بـ "محور المقاومة"، مع مراعاة الحسابات الداخلية والإقليمية. ويمكن رصد ملامح هذه الرواية في ثلاثة محاور رئيسية:
-السيادة الوطنية وعدم التبعية: ترفض القيادة الحوثية وصفها بوكلاء إيران، وتؤكد أن قرار الانخراط أو التصعيد هو "قرار يمني سيادي ومستقل".
ويصرح القيادي محمد البخيتي بأن "ما قام به اليمن هو واجب عليه، وهو واجب على كل الدول الإسلامية"، في محاولة لتأطير التدخل كواجب أخلاقي وديني وليس كأمر خارجي. كما أن اختيار استهداف إسرائيل حصرياً يعكس رغبة في تجنب الخرق المباشر للتفاهمات مع واشنطن، والحفاظ على الغطاء الشعبي العربي الذي يحظى به الدفاع عن فلسطين.
-تحديد الخطوط الحمراء والشروط المعلنة: تعلن الجماعة بوضوح أن إغلاق المضيق أو توسيع الحملة مرهون بشروط محددة.
ويقول نائب وزير الإعلام الحوثي محمد منصور: "إغلاق مضيق باب المندب خيار متاح لليمنيين، ويمكن تنفيذه إذا تصاعدت أعمال العدوان الوحشي ضد إيران ولبنان، أو إذا شاركت أي دولة خليجية بشكل مباشر في عمليات عسكرية دعماً لإسرائيل أو الولايات المتحدة".
هذا التصريح يخدم غرضين: إرسال رسالة ردع واضحة، وتبرير أي امتناع حالي بأنه "ضبط مسؤول" وليس ضعفاً أو تردداً.
-التوظيف المحلي والإقليمي للتهديد: تستخدم الجماعة التهديد البحري ليس فقط كأداة ضغط خارجية، بل كوسيلة لتعزيز الشرعية الداخلية وخلق رافعة تفاوضية مع السعودية.
فحشد "برامج طوفان الأقصى" وتعبئة القطاعات المدنية والعسكرية تعكس استعداداً لحرب برية أو دفاعية أكثر من تركيزها على البحر، ما يشير إلى أن الرواية الحوثية تهدف أيضاً إلى "إظهار قدرة الجماعة أمام مواطنيها على مواجهة القوى الخارجية"، وتعزيز قبضتها الداخلية في ظل تدهور الخدمات ورحيل المنظمات الدولية.
وفي الوقت نفسه، تحاول الجماعة استخدام الأزمة الاقتصادية الناجمة عن التهديد كذريعة للضغط على الرياض لتسريع دفع رواتب القطاع العام واستئناف محادثات السلام، محملةً التحالف السعودي-الأميركي مسؤولية التدهور المعيشي.

دوافع التريث
رغم الخطاب التصعيدي للحوثيين، فإن الجماعة لا تزال تتعامل بحذر مع الانخراط الكامل في المواجهة الإقليمية، بفعل تقديرات سياسية وعسكرية واقتصادية معقدة.
وفي مقدمة هذه التقديرات يبرز الدور السعودي، إذ تحافظ الرياض منذ عام 2022 على هدنة هشة مع الحوثيين، وتوفر في الوقت ذاته متنفساً اقتصادياً لمناطق سيطرتهم عبر ترتيبات صرف الرواتب، ما يجعل الجماعة تخشى أن يؤدي أي تصعيد واسع إلى خسارة هذا الدعم أو استهداف معاقلها في صعدة.
وعسكرياً، يشكل وجود قوات المقاومة الوطنية بقيادة اللواء طارق صالح على الساحل الغربي عائقاً مباشراً أمام أي محاولة حوثية لفرض سيطرة مستقرة على باب المندب، خصوصاً مع الدعم اللوجستي والاستخباراتي الذي تتلقاه تلك القوات من التحالف المناهض للحوثيين.
كما يخشى الحوثيون من رد أميركي واسع بعد الضربات التي تعرضوا لها عام 2025، إلى جانب التحذيرات التي نقلتها واشنطن عبر سلطنة عُمان، في وقت تعتقد فيه الجماعة أنها تخضع لمراقبة استخباراتية دقيقة تمهيداً لأي ضربات استباقية محتملة.
وفي الداخل، يدرك الحوثيون أن اقتصادهم الهش القائم على الجبايات والحرب الاقتصادية قد لا يتحمل مواجهة مفتوحة وطويلة، خاصة مع تدهور الأوضاع المعيشية وتراجع دور المنظمات الدولية، بما قد يهدد شبكات الولاء التي تستند إليها الجماعة في تثبيت نفوذها.

تداعيات الإغلاق
يمثل أي إغلاق محتمل لمضيق باب المندب تهديداً واسع النطاق يتجاوز حدود اليمن والمنطقة، نظراً للدور الحيوي الذي يلعبه المضيق في حركة التجارة والطاقة العالمية.
عالمياً، سيؤدي تعطيل الملاحة في باب المندب، بالتزامن مع أي اضطراب في مضيق هرمز، إلى صدمة حادة في سلاسل الإمداد وارتفاع كبير في أسعار النفط، وسط تحذيرات من وصول الأسعار إلى مستويات قياسية قد تتجاوز 150 دولاراً للبرميل، مع ما يرافق ذلك من موجات تضخم واضطراب اقتصادي عالمي.
إقليمياً، يُعد باب المندب شرياناً إستراتيجياً لصادرات النفط السعودي عبر ميناء ينبع على البحر الأحمر، ما يجعل أي إغلاق للمضيق تهديداً مباشراً لخطط الرياض الرامية إلى تأمين بدائل آمنة بعيداً عن الخليج العربي، فضلاً عن مضاعفة الضغوط الاقتصادية على حلفاء الغرب في المنطقة.
أما داخلياً، فإن الحوثيين يدركون أن توسيع عملياتهم العسكرية قد يرتد عليهم سياسياً واقتصادياً، في ظل اقتصاد هش أضعفته العقوبات والضربات العسكرية، واعتماد مناطق سيطرتهم بصورة كبيرة على التدفقات التجارية والتحويلات الخارجية.
كما أن الانخراط في مواجهة إقليمية أوسع دفاعاً عن إيران قد يكون أقل قبولاً شعبياً من خطاب "مساندة فلسطين"، بما يهدد جزءاً من شرعيتهم الداخلية وقواعدهم الاجتماعية.
ولا تتوقف حسابات الأزمة عند القوى الإقليمية، إذ تراقب كل من الصين وروسيا التطورات عن كثب. فبكين تنظر إلى أمن البحر الأحمر باعتباره جزءاً حيوياً من مشروع "الحزام والطريق" وخطوط إمداد الطاقة والتجارة العالمية، بينما ترى موسكو في استمرار التوتر البحري ورقة ضغط إضافية على الاقتصادات الغربية وأولويات الولايات المتحدة، ضمن صراع دولي أوسع على النفوذ البحري والطاقة والممرات التجارية الاستراتيجية.

"الصبر الإستراتيجي"
استناداً إلى المعطيات الميدانية والسياسية الحالية، تبدو الأزمة مرشحة لثلاثة سيناريوهات رئيسة، يتصدرها سيناريو "التهديد دون الانفجار" بوصفه الأكثر ترجيحاً.
ويقوم هذا المسار على استمرار الحوثيين في إدارة التصعيد وفق سياسة "الصبر الاستراتيجي"، عبر تنفيذ هجمات محدودة ومدروسة ضد أهداف إسرائيلية أو مرتبطة بها، مع تجنب الوصول إلى مرحلة إغلاق باب المندب أو استهداف الملاحة الدولية بصورة شاملة.
ويمنح هذا الخيار الجماعة القدرة على الحفاظ على خطابها التعبوي وورقة الضغط الإقليمية، دون استنزاف قدراتها العسكرية أو استدراج مواجهة أمريكية مباشرة قد تكون كلفتها مرتفعة.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في تصعيد إقليمي محدود قد تلجأ إليه الجماعة إذا شعرت بأن خطوطاً حمراء قد تم تجاوزها، كدخول دول خليجية بشكل مباشر في الحرب، أو تنفيذ عمليات واسعة ضد إيران، أو تعرض قيادات الحوثيين وبنيتهم العسكرية لضربات مباشرة. وفي هذه الحالة قد تتجه الجماعة إلى توسيع نطاق هجماتها البحرية والصاروخية بصورة مؤقتة لرفع كلفة المواجهة على خصومها.
ويبقى سيناريو الانخراط الكامل في الحرب أقل ترجيحاً على المدى القريب، إذ يرتبط عملياً بحدوث تهديد وجودي مباشر لإيران أو قرار إيراني بتفعيل جميع الجبهات الإقليمية دفعة واحدة.
غير أن هذا الخيار يصطدم بعوامل ردع عديدة، أبرزها تراجع المخزون الصاروخي للحوثيين، والخشية من أن تؤدي أي حرب شاملة إلى إرباك بنية الجماعة داخلياً وفتح الباب أمام فوضى سياسية وعسكرية في مناطق سيطرتها.
وبالجملة، تكشف أزمة باب المندب أن الحوثيين لم يعودوا مجرد فاعل محلي داخل الحرب اليمنية، بل تحولوا إلى عنصر مؤثر في معادلات الردع الإقليمي وأمن التجارة العالمية.
كما تعكس الأزمة طبيعة التحول الذي تشهده المنطقة، حيث أصبحت الجماعات المسلحة غير التقليدية قادرة على التأثير في أسواق الطاقة وحركة الملاحة الدولية بوسائل منخفضة الكلفة وعالية التأثير.
كما تكشف الأزمة أن الصراع في البحر الأحمر لم يعد شأناً يمنياً صرفاً، بل تحول إلى جزء من إعادة تشكيل خرائط النفوذ والأمن البحري في الشرق الأوسط، حيث تتداخل مصالح القوى الإقليمية والدولية بصورة غير مسبوقة.
ويُظهر التحليل أن عدم إغلاق الحوثيين لمضيق باب المندب ليس مؤشراً على ضعف الإرادة، بل يعكس حسابات وجودية معقدة توازن بين الولاء الأيديولوجي لإيران ومصالح البقاء الداخلي.
فالحركة تدرك جيداً أن الإغلاق الكامل يتطلب تفوقاً بحرياً تقليدياً غير متاح لديها، بينما يمثل التعطيل المتدرج الأداة الأكثر فعالية اقتصادياً وسياسياً، والتي تحقق أهداف الردع دون استنزاف القدرات المتبقية أو خرق الهدنة الاقتصادية مع السعودية التي تُعد شريان حياتها المالي.
إن مستقبل باب المندب لن يُحسم بسلاح الحوثيين فقط، بل بمحصلة التفاوض الأمريكي-الإيراني، ومدى استعداد الرياض للحفاظ على قنوات التهدئة، وقدرة طهران على موازنة استثماراتها في حلفائها دون دفعهم نحو الهاوية.
وفي ظل هذا التوازن الهش، يبقى المضيق منطقة خطر محسوب، حيث تُدار التوترات بأدوات غير متكافئة، ويُستبدل مفهوم السيطرة العسكرية بمفهوم التأثير على سلوك السوق العالمي.
المصادر
- Could Bab Al-Mandeb Be Next Strait of Hormuz? Saudi Arabia Reportedly Concerned
- Houthi Escalation Calculus Following Cautious Entry into the Iran War
- ما الذي أخّر انضمام الحوثيين إلى إسناد إيران: اعتبارات داخلية أم حسابات استراتيجية؟
- Where are the Houthis?
- الحوثيون يوسعون مخزونهم من الأسلحة بمسيرات وصواريخ إيرانية
- الحوثيون يناقشون آلية فرض رسوم عبور في البحر الأحمر.. وفقاً لشركة أمنية بريطانية
- Amid focus on Strait of Hormuz, experts sound warning on Yemen’s Houthis and Red Sea
- لماذا لم يدعم الحوثيون إيران حتى الآن؟
- الحوثيون يدخلون حرب الشرق الأوسط: ماذا سيحدث بعد ذلك؟















