صحوة غربية.. كيف خسرت إسرائيل تعاطف الشارع الإيطالي؟

"إسرائيل تحولت إلى قضية مملة يريد كثيرون في أوروبا الابتعاد عنها"
تشهد أوروبا مؤشرات متزايدة على التماسك الداخلي، خصوصا في ظل التوترات المتصاعدة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وفي هذا السياق، يتحرك الاتحاد الأوروبي بحذر، ولكن بثبات، نحو تقليص اعتماده التقليدي على التحالف مع الولايات المتحدة، مقابل توسيع اتفاقاته التجارية مع دول أميركا الجنوبية والصين.
وبحسب مقال عبري، فإن هذا التوجه بات واضحا، وإن كان يجرى بعيدا عن الضجيج السياسي.
إلا أن الخطير، بحسب الكاتب يوسي شاين، أن "الخلاف مع واشنطن بشأن إيران عمق أيضا الفجوة مع إسرائيل، خاصة مع ارتباط رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بشكل وثيق بسياسات ترامب، إلى درجة وصف العلاقة بينهما بأنها (شبه تكافلية)".
في هذا السياق، كتب عضو الكنيست السابق عن حزب "إسرائيل بيتنا"، مقالا بموقع "القناة 12" العبرية حذر فيه من “انتفاضة إيطالية ضد إسرائيل”. موضحا "كيف خسرت إسرائيل أحد آخر حلفائها في أوروبا".

قضية مملة
وفي تطور وصفه المقال بـ"المفاجئ"، برزت إيطاليا بوصفها "الدولة التي تقود هذا التحول داخل أوروبا".
وخلال زيارة الكاتب شاين إلى إيطاليا نهاية أبريل/نيسان 2026 لاحظ ما عده "انقلابا في المزاج العام" تجاه إسرائيل، التي باتت، بحسب تعبيره، "تشهد تراجعا حادا في مكانتها، ليس فقط داخل الدوائر السياسية العليا، بل أيضا على مستوى الرأي العام ومؤسسات المجتمع المدني".
وأوضح أن اسم نتنياهو تحول لدى كثيرين في إيطاليا إلى “رمز سلبي”. مضيفا أن أحد الأصدقاء القدامى لإسرائيل، وهو عضو في البرلمان الأوروبي، حذره قائلا: "كنتم جزءا منا، لكن ذلك تآكل وانتهى".
وتابع العضو في البرلمان الأوروبي: "إذا استمر نتنياهو على هذا النهج ولم يحدث تغيير لديكم، فإن إسرائيل ستصبح منبوذة في أوروبا".
وعندما سأله الكاتب عما وصفه بـ"تراجع الولاء" للأميركيين، أجاب السياسي الأوروبي، المنتمي إلى التيار المحافظ، بأنه كان من بين الداعمين لتصنيف الحرس الثوري الإيراني "منظمة إرهابية".
لكنه شدد في الوقت نفسه على أن "طريقة تعامل واشنطن مع أوروبا يجب أن تتغير"، قائلا: "لسنا مجرد تابعين. سواء في أوكرانيا أو إيران، يجب الإصغاء إلى موقفنا".
وفي إطار احتفال روما في 25 أبريل 2026 بالعيد الوطني لتحرير البلاد من الفاشية، قال المقال: "في الوقت الذي احتفل فيه الإيطاليون بعيد الحرية، كانت إسرائيل تحتفل بالذكرى الثامنة والسبعين لإعلان قيام الدولة (الاحتلال)".
غير أن الكاتب "لاحظ أن هذه المناسبة لم تلق هذا العام أي صدى يذكر في إيطاليا، رغم وجود تعاطف أساسي مع إسرائيل وغياب معاداة عميقة لليهود".
ونقل الكاتب عن إسرائيلي يعيش بين عاصمة الاحتلال وإقليم أومبريا الإيطالي قوله: إن إسرائيل "باتت تُنظر إليها بصفتها (خرجت عن المسار)"، مضيفا أنها "تحولت إلى (قضية مملة) يريد كثيرون في أوروبا الابتعاد عنها".
وعقّب المقال: "إسرائيل نجحت على مدى سنوات في بناء صورة مميزة داخل أوروبا بصفتهتا (دولة ناشئة مبتكرة)، إلا أنها باتت اليوم، تُصنف كدولة (تهدد النظام العالمي)".
مسافة واضحة
ووسط كل هذا التحول في المزاج الشعبي الإيطالي تجاه إٍسرائيل، برز اسم رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، التي تمثل اليمين المتشدد، والتي تُعد من أقرب القادة الأوروبيين إلى إسرائيل.
وبحسب السفير الإسرائيلي السابق، فقد جمعتها علاقة شخصية وثيقة بنتنياهو، كما حافظت في الوقت نفسه على "شهر عسل" مع ترامب.
كما كان نتنياهو قد حل ضيف شرف على ميلوني في إيطاليا، فيما استقبلها لاحقا في إسرائيل؛ حيث قال لها آنذاك: "العالم المتحضر يواجه اختبارا، وسننتصر"، وقد قابلت ميلوني ذلك، بحسب المقال، بـ"عناق حار".
واستدرك الكاتب: "لكن الأمور تغيرت لاحقا بصورة واضحة، فميلوني التي كانت توصف بأنها حليفة وثيقة، بدأت تبتعد تدريجيا عن إسرائيل".
ويرى أن "زعيمة اليمين الإيطالي باتت تحظى بشعبية متزايدة داخل أوساط الوسط الديمقراطي، بسبب مواقفها العلنية في مواجهة ترامب، إلى جانب تصاعد انتقاداتها لإسرائيل".
وأشار الكاتب إلى أن "إيطاليا، بوصفها دولة كاثوليكية، شهدت تراجعا في التأييد لترامب بعد تصريحاته التي عدت مسيئة للبابا ليو الرابع عشر".
علاوة على ذلك، "أسهم الخلاف بين واشنطن والأوروبيين حول الرسوم الجمركية في توتير العلاقات عبر الأطلسي، قبل أن تأتي الحرب مع إيران لتعمق الشرخ مع الولايات المتحدة ومع نتنياهو الذي يتهمه الأوروبيون بدفع أميركا نحو حافة الهاوية".
وفي هذا السياق، ذكر الكاتب أن ميلوني "بدأت تأخذ مسافة واضحة من إسرائيل، التي باتت توصف في الإعلام الإيطالي وبين المقربين من الحكومة بأنها (دولة تثير الحروب)".
من هنا، ينظر المقال إلى قرار إلغاء الاتفاقات الأمنية بين إيطاليا وإسرائيل، الذي اتخذ قبل أسابيع، بصفته "خطوة متطرفة"، لكن الأخطر أنها، وفق توصيف أحد الباحثين الإيطاليين، ليست "نزوة سياسية عابرة".
بل تعبير، وفق الكاتب، عن "صحوة إيطالية تجاه إسرائيل التي لم تعد شريكا مفيدا كما كان يُعتقد، بل باتت تُتهم بالإضرار بحقوق الإنسان وبصورة الديمقراطيات الأوروبية، بما فيها إيطاليا نفسها".
ويعتقد المقال أن "جزءا من هذا التحول يرتبط أيضا بحسابات السياسة الداخلية، كما هو الحال في إسبانيا".
"إلا أن اللافت أن ميلوني تحظى، في ذروة التوتر مع إسرائيل، بدعم واسع داخل المشهد السياسي الإيطالي بسبب مواقفها في مواجهة ترامب وتغيير نهجها تجاه حكومة نتنياهو"، بحسب الكاتب.
ووفقا لتقديره، فإن "ابتعادها عن إسرائيل جعلها تبدو أكثر عقلانية وأقرب إلى الوسط السياسي، فضلا عن تعزيز صورتها كزعيمة تدافع عن استقلالية أوروبا في مواجهة الولايات المتحدة".

صورة قاتمة
"لكن الأزمة الأكبر تكمن في أن إسرائيل لم تعد تحظى بشعبية في روما والسياسة الإيطالية فحسب، بل إن هذا النفور منها يتسرب إلى الجماهير المتعاطفة معها"، يقول الكاتب.
وأضاف: "فخلال لقاء مع رجل أعمال إيطالي معروف بدعمه القوي لإسرائيل قرب مدينة فلورنسا، تتضح صورة أكثر قتامة".
وأوضح مقصده: "لطالما كان اليسار مؤيدا للفلسطينيين ومعاديا للسامية، ولكن كإسرائيلي، يصعب ألا أشعر بوخزة في قلبي وقلق عندما يبتعد عني أصدقائي الحقيقيون تدريجيا وهم يتساءلون: (ما الذي حدث لكم؟)"
وأردف: "فهذا الرجل الذي تربطه علاقات تجارية بإسرائيليين منذ أربعين عاما ويعد نفسه (سفيرا للنوايا الحسنة) تجاه إسرائيل، تحدث إلى بألم المحبين خلال جلسة في مطعم صغير يطل على تلال توسكانا الخضراء".
وقال رجل الأعمال: "إسرائيل بالنسبة لي ولعائلتي كانت دائما بيتا ثانيا، كنتم بالنسبة إلينا النموذج الأخلاقي الأكثر تقدما وإلهاما، ومنحتمونا شعورا بالفخر، كانت لديكم مكانة محترمة في عالم الأعمال والثقافة، مثل أي دولة أوروبية حديثة".
لكنه أضاف بنبرة حزينة: "الآن تبدون بصورة سيئة جدا، كل ما نراه هو حرب لا تنتهي وصراعات مستمرة، والأسوأ من ذلك مشاهد انهيار الديمقراطية لديكم، من هو هذا إيتمار بن غفير؟ هل هذا ما يمثله اليهود؟ أخشى أن تُشوه الانتخابات عندكم، تبدون عنيفين وبلا اتجاه واضح، ولم نعد نفهمكم".
وتابع قائلا إن "بناته نشأن على حب إسرائيل، لكن العائلة باتت تشاهد يوميا على شاشات التلفزيون صورا لمستوطنين يعتدون على فلسطينيين".
واستطرد: "لم يكن الأمر هكذا أبدا، ماذا حدث للروح التي كانت تميزكم؟ هل لم يبق سوى القوة والعنف والموت؟"
وأضاف أنه "يشعر بحزن عميق لأنه قضى حياته مدافعا عن صورة إسرائيل، بينما أصبح يسمع من حوله عبارات مثل: (اتركهم، إنهم لا يجلبون سوى المشاكل)".
كما رأى رجل الأعمال أن "نتنياهو الذي كان يراه سياسيا ذكيا، تحول إلى (سم عالمي) وبات (خطرا على تاريخ إسرائيل)".
وختم الكاتب المشهد بالقول: إنه "وقف قرب السيارة مودعا، بينما كان يشعر بانقباض داخلي شديد أمام هذا التحول المؤلم في نظرة الأصدقاء التقليديين إلى إسرائيل".
















