أنقرة ويريڤان نحو صفحة جديدة.. ما دوافع تركيا من دعم رئيس وزراء أرمينيا؟

“تركيا تسعى بالدرجة الأولى إلى ترسيخ بنية إقليمية جديدة في جنوب القوقاز”
بعد عقود من القطيعة التجارية غير المباشرة، أعلنت تركيا وأرمينيا استكمال الإجراءات اللازمة لإطلاق التجارة المباشرة بينهما، في خطوة تعكس تسارعا لافتا في مسار التطبيع الاقتصادي والسياسي بين أنقرة ويريفان.
وفي 11 مايو/ أيار 2026، أعلنت تركيا وأرمينيا استكمال الإجراءات البيروقراطية اللازمة لإطلاق التجارة المباشرة بين البلدين، بحسب ما أكده المتحدث باسم وزارة الخارجية التركية أونجو كيتشيلي في منشور عبر منصة "إكس" في 13 مايو.
ومنذ أوائل تسعينيات القرن العشرين، كانت الحكومة التركية تمنع الشركات المحلية من تصدير منتجاتها مباشرة إلى أرمينيا، ما جعل التبادل التجاري بين الجانبين يتم عبر إعادة التصدير من خلال دول ثالثة.
كما أشار كيتشيلي إلى أن الطرفين يواصلان أيضا الأعمال الفنية والتقنية المرتبطة بإعادة فتح الحدود المشتركة المغلقة منذ عام 1993.
وأكد المتحدث التركي أن أنقرة ستواصل دعم تطوير العلاقات الاقتصادية في جنوب القوقاز وتعزيز التعاون الإقليمي، "في ظل الفرصة التاريخية المتاحة لترسيخ السلام والاستقرار والازدهار في المنطقة".
من جانبها، رحَّبت وزارة الخارجية الأرمينية بقرار الحكومة التركية رفع القيود المفروضة على التجارة الثنائية.
ورأت أن هذه الخطوة تمهد الطريق نحو إقامة علاقات طبيعية وكاملة بين البلدين، والتي “منطقي أن تتطور لاحقا مع فتح الحدود التركية الأرمينية وإقامة علاقات دبلوماسية رسمية”. بحسب بيان الوزارة.
وأشارت صحيفة "فيدوموستي" إلى أنه "في اليوم نفسه، أعلن نائب رئيس برلمان الأرميني والممثل الخاص لأرمينيا في ملف تطبيع العلاقات مع تركيا روبين روبينيان أن الجانبين سيواصلان أيضا العمل على إعادة تشغيل خط السكك الحديدية بين مدينة غيومري الأرمينية الحدودية ومدينة قارص التركية، وهو الخط المتوقف منذ عام 1993".

مسار التطبيع
ولا تربط تركيا وأرمينيا علاقات دبلوماسية منذ عام 1991، كما أغلقت أنقرة حدودها البرية مع أرمينيا بعد سيطرة القوات الأرمينية على منطقة كلبجار الأذربيجانية خلال حرب قره باغ الأولى (1988–1994).
وبدأت عملية تطبيع العلاقات بين البلدين تدريجيا منذ نهاية عام 2020، عقب انتهاء حرب قره باغ الثانية (2020)، التي تمكنت خلالها أذربيجان من استعادة السيطرة على معظم أراضي إقليم ناغورنو قره باغ المتنازع عليه آنذاك.
وفي عام 2022، عقد الممثلون الخاصون للبلدين سلسلة اجتماعات في موسكو وفيينا لبحث مسار التطبيع، كما رفعت يريفان في العام نفسه الحظر المفروض على استيراد السلع التركية.
وفي العام 2023 فتحت السلطات الأرمينية لأول مرة أحد المعابر الحدودية لإيصال مساعدات إنسانية إلى المناطق التركية المتضررة من الزلزال.
وتابعت الصحيفة الروسية: "كذلك، قام رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان في يونيو/ حزيران 2023 بأول زيارة رسمية له إلى العاصمة أنقرة لحضور مراسم تنصيب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان".
ثم في عام 2025، التقى باشينيان مجددا بأردوغان في إسطنبول خلال محادثات ثنائية، فيما توصلت أنقرة ويريفان مطلع مايو/ أيار 2026 إلى اتفاق يقضي بترميم جسر "آني" الحدودي المشترك بين البلدين.
مسافة سياسية
ويرى رئيس مركز دراسات الشرق الأوسط، مراد صادق زاده، أن بيان وزارة الخارجية التركية "لا يعني بالضرورة فتح الحدود الأرمينية التركية بشكل فوري".
وأوضح أن "استكمال الإجراءات الإدارية يمثل خطوة عملية مهمة نحو رفع القيود عن التجارة الثنائية".
واستدرك: "هناك ما وصفه بـ(المسافة السياسية) التي لا تزال تفصل بين البلدين فيما يتعلق بإعادة فتح الحدود البرية بشكل كامل".
وأضاف: "العلاقات التركية الأرمينية لا تزال متأثرة بالصدمة التاريخية المرتبطة بأحداث عام 1915، فضلا عن استمرار الخلافات المتعلقة بملفات التواصل الإقليمي".
وعليه يعتقد أن "إعلان الخارجية التركية يمثل (إشارة سياسية جدية)، لكنه لا يشكل ضمانة نهائية لفتح الحدود قريبا".
من جانبه، رأى الباحث في معهد القوقاز غرانت ميكائيليان أن "هذا الإعلان يهدف، في جانب منه، إلى دعم رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان قبل الانتخابات البرلمانية المقررة في 7 يونيو 2026".
وأشار إلى أن "وزير الخارجية التركي هاكان فيدان وصف باشينيان علنا، خلال الحملة الانتخابية، بأنه الشريك الأكثر ملاءمة للحوار، في حين لوحت السلطات الأذربيجانية باستخدام القوة ضد أرمينيا في حال وصول المعارضة إلى الحكم".
في هذا الإطار، ذكرت الصحيفة أن حزب "العقد المدني" الحاكم بقيادة باشينيان يواجه قوى معارضة رئيسة، أبرزها تحالف "أرمينيا" الذي يقوده الرئيس السابق روبرت كوتشاريان.
إضافة إلى تكتل "أرمينيا القوية"، الذي أسسه رجل الأعمال الروسي الأرميني سامفيل كارابيتيان في ديسمبر/ كانون الأول 2025.
وفيما يتعلق بالعلاقات مع أنقرة، قالت الصحيفة: "في الوقت الذي يركز فيه باشينيان خلال حملته الانتخابية على ضرورة الإسراع في تطبيع العلاقات مع دول الجوار، تتهمه المعارضة بتقديم تنازلات مفرطة لكل من باكو وأنقرة".

فرصة سانحة
وبحسب صادق زاده، فإن "الرسالة التركية خلال فترة الانتخابات تمنح باشينيان فرصة لإظهار نتائج ملموسة لسياساته الخارجية أمام الناخبين".
وهو أمر يؤكد أنه "بالغ الأهمية في ظل الانتقادات المستمرة التي يتعرض لها بسبب خسارة أرمينيا في حرب قره باغ".
واستطرد: "إذ تساعد أي مكاسب اقتصادية باشينيان على تقديم خسارة القره باغ كخطوة مبررة إستراتيجيا".
وتابع الخبير أن تركيا "تسعى بالدرجة الأولى إلى ترسيخ بنية إقليمية جديدة في جنوب القوقاز، يتم فيها دمج أرمينيا تدريجيا ضمن شبكات النقل والتجارة والسياسة بعد عقود من العزلة".
ومن خلال هذه الخطوات، تحاول أنقرة، بحسب تقديره، "إظهار فرصة سانحة أمام يريفان إذا واصلت القيادة الأرمينية نهجها الحالي".
وفي المقابل، لا يستبعد ميكائيليان "إمكانية فتح جزئي للحدود الأرمينية التركية خلال الفترة المقبلة".
وأشار إلى أن "الطرفين أنجزا قدرا كبيرا من الأعمال التحضيرية، وأن باشينيان أبدى استعدادا متكررا لتقديم تنازلات في ملفات إستراتيجية من أجل دفع عملية التطبيع مع تركيا".
لكنه “حذر في الوقت نفسه من أن خسارة الحزب الحاكم في الانتخابات قد تؤدي إلى تجميد هذا المسار”. موضحا أن “استمرار عملية التطبيع لا يمكن أن يقوم إلى ما لا نهاية على تنازلات أحادية الجانب”. وفق الصحيفة.
أما صادق زاده، فيعتقد أن "تطبيع العلاقات بين أرمينيا وتركيا سيستمر حتى في حال خسارة باشينيان، لكن بوتيرة أبطأ".
وأردف زاده: "بغض النظر عن نتائج الانتخابات، فإن يريفان معنية بتنويع علاقاتها الاقتصادية الخارجية وفتح مسارات تجارية جديدة".
"إلا أنه رجح في الوقت نفسه أن يؤدي فوز المعارضة إلى تشدد الخطاب التفاوضي الأرميني، وهو ما قد يجعل منطقة جنوب القوقاز أكثر عرضة للتوترات".
وعليه، توقع زاده أن "تتبنى باكو وأنقرة موقفا أكثر حذرا إذا رأتا أن القيادة الأرمينية الجديدة أقل قابلية للتوقع، مؤكدا أن طبيعة وشكل المفاوضات بين أرمينيا وتركيا وأذربيجان ستعتمد بشكل مباشر على ميزان القوى السياسي داخل يريفان".
















