سكك حديد بين دول الخليج وتركيا.. هل يبني الشرق الأوسط محاور قوة جديدة؟

"طفرة السكك الحديدية في الشرق الأوسط أصبحت واقعا ملموسا"
من الحلم العثماني إلى الإستراتيجية الحديثة، تعود مشاريع السكك الحديدية العابرة للخليج وبلاد الشام وأوروبا إلى الواجهة، في ظل الحروب والتحولات الكبرى التي تعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة.
بهذه المقدمة افتتح موقع "تيليبوليس" الألماني تقريره تحت عنوان "مشروع جيوسياسي ضخم: الشرق الأوسط يبني محاور قوة جديدة".
منطق الممرات
ولا تعود فكرة سكك الحديد التي تربط تركيا بالسعودية إلى العصر الحديث، ففي مارس/ آذار 1900، أصدر السلطان العثماني عبد الحميد الثاني أمرا بمد خطوط سكك حديدية عبر الصحراء، تمتد من إسطنبول إلى مكة، مرورا بقلب الإمبراطورية العثمانية.
وبحسب الموقع، "كان من المفترض أن تصبح (سكة حديد الحجاز) مشروعا تاريخيا يربط القسطنطينية بالمدن المقدسة في الإسلام، مكة المكرمة والمدنية المنورة".
واستدرك: "لكن الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية وضعا حدا مفاجئا للمشروع، إذ انتهت السكك في المدينة المنورة، على بعد نحو 400 كيلومتر من الهدف النهائي".
واستطرد: "وتوقفت القطارات في المستودعات، وصدئت القضبان الحديدية، بينما غطت رمال الصحراء المسار تدريجيا".
"وبعد أكثر من قرن، عاد المشروع بصيغة جديدة إلى الطاولة"، يقول التقرير.
وتابع: "فوزير النقل السعودي صالح الجاسر يضع حاليا اللمسات على دراسة جدوى يفترض الانتهاء منها بحلول نهاية عام 2026، لبحث مسار جديد يشبه إلى حد بعيد خط السلطان القديم: من جدة إلى مكة والمدينة، ثم شمالا عبر الأردن وسوريا وصولا إلى إسطنبول".
وعقّب الموقع الألماني: "ما كان في السابق حلما عثمانيا، عاد اليوم كمشروع بنية تحتية تابع للقرن الحادي والعشرين، لكن هذه المرة بأطراف مختلفة ومصالح جديدة".
علاوة على ذلك، لفت التقرير إلى أن المشروع "يأتي في سياق إقليمي يشهد إعادة تشكل واسعة بفعل الحروب والعقوبات والتحولات الجيوسياسية الكبرى".
وفي هذا الإطار، اتفقت السعودية والأردن على تشكيل لجنة مشتركة بمشاركة سوريا، لدراسة خيارات المسارات والتوجهات الفنية الخاصة بخط سكك حديدية عابر للحدود.
ويعد معبرا جابر الحدودي بين الأردن وسوريا، ومعبر العمري بين الأردن والسعودية، نقطتي الربط الأساسيتين في المشروع.
أما تركيا، فأشار التقرير إلى أنها "أدرجت المشروع ضمن رؤية إستراتيجية أوسع، إذ تصفه أنقرة بأنه محور تجاري متكامل يربط أوروبا بالخليج عبر مسار شمالي - جنوبي متواصل".
في هذا السياق، ذكر الموقع أنه في أبريل/ نيسان 2026، وقعت تركيا والأردن وسوريا مذكرة تعاون للنقل في العاصمة عمان، بهدف تعزيز شبكات الطرق والسكك الحديدية في المنطقة":
مع ذلك، أوضح أنه "حتى الآن، لم تعلن جداول زمنية واضحة للبناء أو التمويل في المقاطع المارة عبر الأردن وسوريا".
بالنسبة لدول الخليج، أشار التقرير إلى أن السعودية "تمتلك بالفعل شبكة سكك حديدية تمتد لنحو 5500 كيلومتر، من الخليج العربي حتى الحدود الأردنية، إذ يعد قطار الحرمين السريع أبرز مشاريعها وأكثرها رمزية".
"كما تشكل خطوط السكك بين الدمام والرياض مرورا بالأحساء أهمية اقتصادية كبيرة، سواء لنقل الركاب أو البضائع، إذ تربط المنطقة الصناعية على الساحل الشرقي بالعاصمة"، وفق الموقع.
وفي الإمارات، أوضح أن "قصة السكك الحديدية بدأت قبل أكثر من عقد بقليل، عبر خط مخصص لنقل الكبريت فقط، لكن شبكة (قطار الاتحاد) توسعت لاحقا لتصل إلى نحو 1200 كيلومتر، وتربط الحدود السعودية بكل من أبوظبي ودبي والشارقة والفجيرة".
وبحسب التقرير، "أسهم هذا الخط في تحويل الإمارات إلى أكبر مصدر عالمي للكبريت الحبيبي".

مشروع محوري
وفي أحدث مشاريع البنية التحتية بالمنطقة، أفاد الموقع بأنه “في نهاية أبريل 2026، أطلقت الخطوط الحديدية السعودية (سار) ممرا دوليا جديدا لنقل البضائع بطول 1700 كيلومتر”.
ويربط المسار موانئ الساحل الشرقي، ومنها ميناء الملك عبد العزيز وميناء الملك فهد الصناعي وميناء الجبيل التجاري، بمنفذ الحديثة الحدودي مع الأردن".
وأردف الموقع: "يستطيع كل قطار ضمن هذا الممر نقل أكثر من 400 حاوية شحن قياسية".
ووفق ما أورده، "يأتي هذا المشروع ضمن حزمة أوسع، إذ دشنت (سار) في الوقت نفسه خمسة ممرات لوجستية متعددة الوسائط تجمع بين النقل البري والسكك الحديدية، لتشكيل شبكة تربط الموانئ والموانئ الجافة ومراكز شحن البضائع بين الخليج العربي وداخل المملكة وموانئ البحر الأحمر".
وبحسب تصريح الرئيس التنفيذي لـ"سار"، بشار المالك، فإن هذه الممرات ستقلل آلاف رحلات الشاحنات على الطرق، كما ستسهم في تقليص أوقات النقل بصورة كبيرة.
وبالتوازي مع ذلك، تستثمر الإمارات والأردن بشكل مشترك نحو 2.3 مليار دولار في مشروع سكك حديدية يهدف إلى ربط مناجم الفوسفات والبوتاس الأردنية بميناء العقبة الصناعي.
ومن المتوقع، بحسب التقرير، أن "يسهم الربط المباشر بين المناجم والميناء في زيادة القدرة التصديرية وتحسين استقرار عمليات النقل والشحن".
ويبرز "الجسر البري السعودي" كأكبر مشروع محوري تقدر تكلفته بنحو سبعة مليارات دولار، ويشمل إنشاء خط سكك حديدية جديد بطول يقارب 900 كيلومتر يربط الرياض بجدة.
وأوضح التقرير أن المشروع سيتيح، للمرة الأولى، إنشاء رابط حديدي مباشر بين البحر الأحمر والخليج العربي، بما يشكل جسرا بريا بديلا للمسارات البحرية الطويلة التي تلتف حول شبه الجزيرة العربية".
واستدرك: "غير أن الجسر البري لا يعد مشروعا وطنيا منفصلا، بل يمثل جزءا من رؤية أوسع بكثير".
واستطرد: "فالفكرة المطروحة منذ سنوات تقوم على إنشاء شبكة سكك حديدية بطول 2117 كيلومترا تربط جميع دول مجلس التعاون الخليجي الست، على أن يكتمل المشروع بحلول ديسمبر/ كانون الأول 2030".

عقبة أساسية
مع ذلك، لفت الموقع إلى أن "الواقع على الأرض يبدو أقل طموحا؛ إذ لا تزال كل من قطر والكويت تفتقران حتى الآن إلى شبكة سكك حديدية تشغيلية".
وتابع: "وأخيرا فقط، وتحديدا في يناير/ كانون الثاني 2025، كلفت الكويت مكتبا هندسيا بإعداد مخطط لخط حدودي بطول 111 كيلومترا، قبل أن تسرع لاحقا وتيرة العمل في المشروع".
أما البحرين، فأشار التقرير إلى أنها "أرخبيل يقع في الخليج العربي ويرتبط بالسعودية منذ عام 1986 عبر جسر الملك فهد، وهو ممر يمتد لنحو 25 كيلومترا ويعد الرابط البري الوحيد مع الأراضي السعودية".
ووفقا له، "تخطط المملكة حاليا لإنشاء معبر ثان مواز يحمل اسم جسر الملك حمد، يضم إلى جانب أربعة مسارات للسيارات خطي سكك حديدية للمرة الأولى، بهدف ربط البحرين بشبكة السكك الحديدية الإقليمية".
ورغم كل تلك الخطط المتفائلة، شدد الموقع على أن "مشروع قطار مجلس التعاون الخليجي لا يزال يواجه عقبة أساسية تتمثل في غياب هيئة مركزية موحدة للتنسيق، ما يجعل التقدم يتحقق عبر تفاهمات ثنائية منفصلة بين الدول، وعلى أساس كل حدود على حدة".
وفي هذا السياق، ذكر التقرير أن مشروع “قطار حفيت” الذي يربط مدينة العين الإماراتية بميناء صحار العماني، "تجاوز نصف مراحل إنجازه بالفعل، ليصبح أول مشروع شحن عابر للحدود في المنطقة يحقق هذا التقدم".
ويمتد الخط لمسافة 785 كيلومترا، مع قطارات تصل سرعتها إلى أكثر من 300 كيلومتر في الساعة.
أما المشروع الذي وصفه الموقع بـ"الأكثر إثارة في طفرة السكك الحديدية الإقليمية"، فهو خط الربط السريع المخطط له بين الرياض والدوحة، إذ يمتد المسار لمسافة 785 كيلومترا، وبسرعة تتجاوز 300 كيلومتر في الساعة، مما يقلص زمن الرحلة إلى نحو ساعتين فقط.
ومن المقرر أن يمر الخط عبر الأحساء والدمام، مع ربط مباشر بمطاري العاصمتين، كما يتوقع أن يستخدمه أكثر من عشرة ملايين مسافر سنويا، في حين تقدر مساهمته الاقتصادية في الناتج المحلي الإجمالي المشترك للبلدين بنحو 30.7 مليار دولار.
مسار فعال
بناء على تلك الخطط الطموحة والوقائع على الأرض، يرى التقرير أن "الحرب مع إيران أعادت تسليط الضوء على حقيقة إستراتيجية أساسية، مفادها أن المرور عبر مضيق هرمز يظل نقطة ضعف حساسة، فإغلاق المضيق كشف عن هشاشة هيكلية كبيرة لدى دول الخليج".
وأضاف: "ورغم أن مشاريع الممرات الحديدية الضخمة التي تبنيها السعودية جرى التخطيط لها قبل الحرب، فإن الصراع منحها بعدا إستراتيجيا جديدا يتجاوز منطقها الاقتصادي الأصلي".
وأردف: "فمشروع الجسر البري السعودي الذي يربط البحر الأحمر بالخليج العربي، إلى جانب ممرات الشحن الجديدة نحو الحدود الأردنية، يتيحان للمرة الأولى إنشاء مسار بري فعال للبضائع التي كانت تعتمد سابقا على الطرق البحرية الملتفة حول شبه الجزيرة العربية.
في الوقت ذاته، شدد التقرير على أن "السكك الحديدية لا تهدف إلى استبدال النقل البحري، بل إلى توفير مسار مكمل يمنح المصدرين والمستوردين بديلا حيويا يمكن اللجوء إليه وقت الأزمات".
من زاوية أخرى، لفت الموقع إلى أن "البنية التحتية المدنية للسكك الحديدية تحمل طبيعة مزدوجة دائما، فما ينقل الفوسفات والحاويات والحجاج في أوقات السلم، يمكنه أيضا نقل الوقود والذخائر والقوات خلال الحروب".
وبحسب تقديره، فإن "مشاريع الشرق الأوسط تسير ضمن هذا المنطق، حتى وإن كانت الحكومات المعنية لا تصرح بذلك علنا".
في المقابل، نوه إلى أن "هذه الممرات تخلق أيضا نقاط ضعف جديدة، إذ تصبح السكك والجسور والأنفاق ومراكز الإمداد أهدافا محتملة للهجمات بالطائرات المسيرة أو الصواريخ المجنحة أو عمليات التخريب".
وفي منطقة شهدت خلال السنوات الأخيرة تطورا كبيرا في تكنولوجيا الطائرات المسيرة، وصل إلى مستويات من الدقة كانت سابقا حكرا على القوى الكبرى، يعتقد التقرير أن "كل ممر بنية تحتية جديد يتحول إلى هدف محتمل".
واستطرد: "كما أظهرت الحرب مع إيران مدى العمق الذي يمكن أن تبلغه الضربات ضد البنية التحتية، والمدة الطويلة التي قد تستغرقها عمليات الإصلاح".
"أما المحور الشمالي، الممتد عبر الأردن وسوريا وتركيا، فيحمل بدوره أبعادا جيوسياسية إضافية"، يقول الموقع.
وتابع: "فنجاح إنشاء خط سكك حديدية فعال عبر سوريا سيعيد دمج البلاد، التي عدت لسنوات دولة فاشلة، في شبكات التجارة الإقليمية وربما أيضا في منظومات النقل العسكري".
ووفق تقديره، فإن "من يسيطر على هذا المسار، يمتلك نفوذا على جزء مهم من الممر الرابط بين الخليج وأوروبا".
ولهذا، يرى أن "دراسة الجدوى الخاصة بإحياء سكة حديد الحجاز لا تمثل مجرد مشروع بنية تحتية، بل تعد مؤشرا على شكل مناطق النفوذ التي تسعى القوى المختلفة إلى ترسيخها في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية السورية".
في المحصلة، خلص الموقع الألماني إلى أن "طفرة السكك الحديدية في الشرق الأوسط أصبحت واقعا ملموسا، مدعوما بالتمويل وقادرا على إعادة رسم خريطة التجارة الإقليمية بصورة جذرية".
واختتم بالقول: "تتمثل الرؤية في جعل السكك الحديدية ركيزة أساسية لنظام اقتصادي إقليمي جديد، ولا يتوقف تحقيق هذه الرؤية على المهندسين والممولين فحسب، بل أيضا على تطور الوضع الأمني في المنطقة".

















