بين العراق والشام والسعودية.. ماذا وراء قاعدة إسرائيل المزعومة؟

"هذا الحضور الإسرائيلي المزعوم في العراق تحكمه اعتبارات عملياتية وإستراتيجية دقيقة"
تتمتع الصحراء الغربية العراقية بموقع جغرافي بالغ الأهمية؛ إذ تشكل حلقة وصل بين بلاد الشام ووادي الرافدين والحدود السعودية، إضافة إلى ارتباطها بممرات الشمال السوري والمنافذ المؤدية إلى الساحة الإيرانية.
كما أن انخفاض الكثافة السكانية فيها، وصعوبة فرض رقابة دائمة عليها، إلى جانب ما تحتويه من مدارج ومسالك وبنية عسكرية شبه مهجورة، يجعلها بيئة مناسبة لتنفيذ عمليات مؤقتة تستهدف تقليل المسافة والوقت والمخاطر، لا السيطرة على الأرض أو إدارة مناطق بعينها.
ووفقا لما أوردته وكالة "رويترز" وصحيفة "وول ستريت جورنال"، فإن إسرائيل أنشأت موقعا سريا داخل الصحراء العراقية لدعم عملياتها الجوية ضد إيران، يضم قوات خاصة وعناصر لوجستية وفرق بحث وإنقاذ مخصصة للتعامل مع الطيارين الذين قد يتم إسقاطهم.
وأوضحت "رويترز" أنها لم تتمكن من التحقق بشكل مستقل من هذه المعلومات، في حين امتنع مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي عن التعليق عليها.
أما تقرير معهد تحليل العلاقات الدولية الإيطالي (IARI)، فرأى أن الواقعة تستحق التعامل معها بصفتها ذات مصداقية إستراتيجية مرتفعة، وإن لم تصل إلى درجة التأكيد الكامل.
ويتناول التقرير المسألة من منظور جغرافي وسياسي، مشيرا إلى أن العراق يعيش منذ سنوات حالة من السيادة المقيّدة.
فهو يحافظ على علاقات ضرورية مع الولايات المتحدة، ويتأثر في الوقت نفسه بالنفوذ السياسي والأمني الإيراني، كما يدير فصائل مسلحة موالية لطهران ضمن توازنات داخلية هشة، مع محدودية قدرته على فرض سيطرة كاملة على المناطق النائية.
وفي هذا الإطار، تبدو أي قاعدة أجنبية غير مرخصة، حتى وإن كانت مؤقتة، تعبيرا واضحا عن الفجوة بين السيادة الرسمية والسيطرة الفعلية على الأرض.

ثلاث روايات
ويُقيم التقرير تمييزا دقيقا بين ثلاث روايات لا تتعارض بالضرورة. ما نقلته رويترز عن "وول ستريت جورنال" من احتضان الموقع قوات خاصة وتجهيزات جوية لوجستية وفرق إنقاذ.
وما أضافته قناة "يورونيوز" من أن الموقع كاد يُكشف أمره حين رصده راعٍ لاحظ حركة مروحيات ونشاطا غير معتاد في المنطقة.
وما نقلته صحيفة "ذا ناشيونال" من موقف بغداد الرافض للوجود الراهن، إذ أفادت بأن عمليات التفتيش اللاحقة لم تعثر على قوات أو معدات غير مأذون بها.
هذه الروايات الثلاث، وفق التقرير، يمكن التوفيق بينها؛ إذ إنها في مجملها تشير إلى موقع مؤقت جرى إخلاؤه بالفعل، أو أثر لم يعد قائما، أو رواية صحفية لم تكتمل عناصر التحقق منها.
أما الحادثة الأشد حساسية فترتبط بشهر مارس/آذار، حين أفادت التقارير بأن دورية عراقية أصيبت بنيران جوية فيما كانت تقترب من منطقة مشبوهة، ما أسفر عن مقتل جندي وجرح اثنين آخرين.
ونسبت السلطات العراقية العملية علنا إلى قوات أجنبية غير مخوّلة بالوجود في المنطقة، فيما أشار التقرير الصحفي الذي نقلته رويترز إلى أن إسرائيل هي التي تحركت لمنع كشف الموقع.
غير أن التحقق هنا يقتضي قدرا من الحذر -وفق المعهد- فواقعتا مقتل الجندي ووجود قوة غير مصرح بها تبدوان أكثر رسوخا من حيث التوثيق، بينما يستند تحديد إسرائيل كفاعل مباشر إلى روايات صحفية ومصادر غير معلنة الهوية.
ويرى التقرير أن هذا الحضور الإسرائيلي المزعوم في العراق تحكمه تقديرات عملياتية دقيقة. فالحملة الجوية البعيدة المدى ضد إيران تتطلب ترتيبات دعم طارئة، وقدرة على استعادة الطواقم، واستخبارات محلية، واتصالات آمنة، وممرات هبوط وتحرك مؤقتة.
وفي حرب تُخاض على مسافات شاسعة من القواعد الرئيسة، يُعدّ إنقاذ الطيارين بعد إسقاطهم عنصرا حاسما في استدامة العمليات، إذ يقلل من كلفة الخسائر، ويعزز معنويات سلاح الجو، ويحدّ من مخاطر الأسر، ويُبقي القدرة على مواصلة القتال قائمة.
ولفت التقرير إلى أن منطقة النخيب والصحراء الممتدة بين الأنبار والنجف وكربلاء توفر مزايا بيئية واضحة من حيث الاتساع وانعدام المراقبة البصرية وإمكانية إخفاء النشاط المؤقت.
غير أن البيئة ذاتها تحمل نقطة ضعف هيكلية، إذ يمكن لشاهد محلي واحد، مثل راعٍ كما ذكرت بعض التقارير الصحفية، أن يخرق سرية منظومة متقدمة بمجرد نقل ما شاهده.
وأضاف التقرير أن للصحراء الغربية العراقية قيمة اقتصادية أوسع، إذ تحتوي على الفوسفات والكبريت ورمال السيليكا واحتياطات من الغاز الطبيعي.
ولا يعني ذلك أن الموقع المزعوم جرى اختياره بسبب هذه الموارد، لكنه يشير إلى أن بغداد تمتلك مصلحة إستراتيجية في ترسيخ سيادتها على هذه المناطق.
فكل اختراق أجنبي، سواء كان فعليا أو مجرد تصور، ينعكس سلبا على قدرة الدولة العراقية على تقديم هذه المناطق بصفتها قابلة للحوكمة والاستثمار مستقبلا، وفق المعهد.

مجال مفتوح
ويعرض التقرير تحليلا دقيقا للمعضلة السياسية التي تواجهها بغداد. فإذا اعترفت علنا بأن طرفا أجنبيا، في سياق توتر مع حليف فعلي كإيران، قد عمل داخل عمق أراضيها، فإنها ستواجه أزمة مزدوجة.
من جهة التيارات القومية التي ستعد ذلك مساسا مباشرا بالسيادة، ومن جهة الفصائل الموالية لإيران التي ستستثمره لتعزيز سردية التواطؤ الأميركي.
أما إذا نفت الأمر بالكامل، فإنها تخاطر بالظهور بمظهر العاجز أمام حادثة وصفها بعض العسكريين بأنها وجود غير شرعي.
ويبدو أن خيار بغداد يتجه نحو مقاربة وسط، تتمثل في الإقرار بوقوع الحادثة، مع نفي استمرار وجود هذه القوات، وتجنب تحويلها إلى أزمة دبلوماسية مفتوحة.
ويرى التقرير في فرضيته المركزية أن إسرائيل لم تكن بصدد إنشاء وجود دائم في العراق، إذ إن ذلك يحمّلها كلفة سياسية مرتفعة ويتعارض مع متطلبات العمل السري.
والأرجح أن الموقع، إن صح وجوده، كان نقطة مؤقتة مرنة الاستخدام، جرى توظيفها لتقليل المخاطر في عمليات بعيدة العمق ضد إيران.
وفي هذا الإطار، تُقاس أهميته بدوره في تسريع عمليات الإخلاء والإنقاذ، ودعم المهام الخاصة، وتأمين الاتصالات، وتوفير هامش أمان في حالات الطوارئ أو إسقاط الطائرات.
وأوضح التقرير أن موقعا من هذا النوع داخل العراق يختصر زمن الاستجابة مقارنة بالانطلاق من إسرائيل أو من مناطق أكثر حساسية سياسيا، غير أن هذه الميزة نفسها تتحول إلى عبء إستراتيجي مرتفع الكلفة.
فحين ينكشف الأمر تتحمل بغداد وواشنطن جزءا من تبعاته السياسية. عندها يظهر العراق كدولة مخترَقة، وتبدو الولايات المتحدة كقوة متسامحة مع هذا الاستخدام، فيما تحصل إيران على مادة إضافية لتغذية خطابها وحشد حلفائها.
وبالعموم، يرى المعهد الإيطالي أن هذه القضية تُجسّد احتمال تحوّل العراق، ولو بصورة مؤقتة، إلى عمق عملياتي غير مُعلن في سياق المواجهة مع إيران.
والخلاصة التي توصل إليها هي أن وجود الموقع لا يزال ضمن نطاق "توثيق صحفي دون إثبات مستقل"، غير أن له أهميته السياسية.
فحتى مجرد الوجود المؤقت، أو الانطباع المتداول بوجوده، يخلّف آثارا ملموسة؛ إذ يضعف سردية بغداد بشأن سيادتها الفعلية، ويزيد مستويات الشك تجاه واشنطن، ويمنح طهران وحلفاءها مادة سياسية جاهزة.
وفي المدى القريب، تتركز المتابعة على استجابة المؤسسات العراقية، من جلسات برلمانية وبيانات عسكرية وضغوط الفصائل.
أما في المدى المتوسط، فيبقى ظهور أدلة بصرية مفتوحة المصدر أو إحداثيات دقيقة أو شهادات متقاطعة العامل الحاسم في ترجيح الرواية.
وفي المدى البعيد، تظل الصحراء الغربية العراقية مجالا مفتوحا للاختراق ما لم تُعزّز بغداد قدراتها في المراقبة الجوية والبرية وإدارة الحدود، بحسب تأكيد المعهد.















