مشروع غاز غزة.. هل انتهى دور الرباعية الدولية للشرق الأوسط؟

"الرباعية فقدت الكثير من الرؤية والمركزية"
في خضم الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني الممتد والمعقد، برز إلى جانب المفاوضات الرسمية والقرارات الدولية فاعل أقل شهرة لكنه ذو أهمية إستراتيجية، يتمثل في الرباعية الدولية للشرق الأوسط ومكتبها التنفيذي.
ورغم أن هذا الإطار يضم عددا محدودا من الأطراف، فإنه يتمتع بثقل سياسي، وقد سعى إلى دعم الدبلوماسية عبر تنفيذ مشاريع في مجالات الاقتصاد والبنية التحتية وبناء المؤسسات.

خلفية تاريخية
ومع ذلك، تساءل معهد “تحليل العلاقات الدولية” الإيطالي، هل لا يزال هذا النموذج، الذي نشأ في ظل نظام دولي أكثر تماسكا، قادرا على التأثير في عالم يتجه نحو مزيد من الانقسام والتنافس؟.
وتأسست اللجنة الرباعية للشرق الأوسط عام 2002، من قبل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وروسيا؛ لدعم عملية السلام الإسرائيلية-الفلسطينية. وفي عام 2007، أُنشئ مكتب اللجنة الرباعية في القدس.
يعمل هذا المكتب، وهو الذراع الفني والتنفيذي للجنة، على أرض الواقع لتعزيز التنمية المؤسسية والاقتصادية الفلسطينية، ويتوسط بنشاط مع الجانب الإسرائيلي نحو حل الدولتين.
ولا يمتلك المكتب سلطة سياسية مباشرة، إذ تقع هذه المسؤولية حصرا على عاتق الأعضاء المؤسسين، ولكنه يعمل كوسيط فني وتنفيذي.
ويهدف إلى تنفيذ مشاريع ملموسة للتنمية الاقتصادية والبنية التحتية والمؤسسية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وترجمة الاتفاقات السياسية إلى واقع ملموس.
ونصّت "خريطة الطريق للسلام" (2003)، التي اعتمدتها الرباعية، على تزامن الالتزامات، وآليات للمتابعة والرقابة، وصولا إلى حل الدولتين، بما يشمل قضايا الحدود والقدس واللاجئين.
غير أن هذه المبادئ لم تُحترم منذ البداية -وفق المعهد- إذ لم تُستكمل المرحلة الأولى، ودخلت الخطة في حالة جمود، في ظل استمرار العنف المتبادل.
وفي عام 2006، وبعد فوز حركة حماس في غزة، فرضت الرباعية ثلاثة شروط، لكنها لم تُنفذ، وهي: نبذ العنف، والاعتراف بإسرائيل، والالتزام بالاتفاقيات السابقة.
ومع ذلك، واصل مكتب الرباعية العمل على تنفيذ مبادرات ملموسة في مجالات التنمية الاقتصادية، والحوكمة، وسيادة القانون في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في محاولة للحفاظ على أهداف "خريطة الطريق" حية.
وتتمثل أبرز التحديات، منذ البداية، في الجمود السياسي، واستدامة الوضعين المالي والمؤسسي الفلسطيني، إضافة إلى تحقيق توازن بين البعدين الفني والسياسي، الأمر الذي غالبا ما يستلزم التوصل إلى تسويات سياسية.
تحديات مستقبلية
وبحسب التقرير، فقد تعرضت اللجنة الرباعية لانتقادات حادة بسبب محدودية فعاليتها وصعوبة التوفيق بين مواقف أعضائها المتباينة، فضلا عن قدرتها الفعلية على تحقيق النتائج المرجوة.
وفي تقرير صدر عام 2012 عن مركز سابان لسياسات الشرق الأوسط التابع لمؤسسة بروكينغز، فإن هذه الآلية استنفدت جدواها الإستراتيجية بعد عشر سنوات، إذ فشلت في تحقيق تقدم ملموس، بل أسهمت في تكريس توجهات أحادية، خاصة من جانب الولايات المتحدة.
وقد ذهب التقرير في نقده إلى حد التوصية بتجاوز الرباعية تدريجيا، عبر بناء إطار جديد أكثر توازنا وشمولا، يدمج الفاعلين الإقليميين الرئيسيين في عملية السلام.
وخلال العقد التالي، شهدت الرباعية تحولات سياسية وتنظيمية، من بينها استقالة توني بلير عام 2015 من منصبه كممثل للرباعية، وتقديم أول تقرير رسمي لها عام 2016، وذلك في ظل استمرار دور واشنطن المحوري في التنسيق الدولي.
ومع ذلك، فإن ظهور أطر موازية مثل "الرباعية العربية" و"مجموعة ميونخ" يعكس الحاجة إلى صيغ أكثر اتساعا وشمولا، خاصة في ظل تراجع -فعلي أو متصور- لدور الولايات المتحدة كوسيط محايد، بحسب تقييم المعهد الإيطالي.
ووصفت دراسة صادرة في مايو/أيار 2024 هذا الإطار بأنه كيان مشلول، ويفتقر إلى التنسيق الفعّال، ويتسم بالإقصاء وغياب الرؤية الإستراتيجية، ما دفعها إلى الدعوة لتفكيكه لصالح نموذج جديد أكثر شمولا وإلزاما.
وأضاف المعهد أن "مما يزيد الوضع تعقيدا تزايد الخلافات الداخلية، التي عرقلت فعليا العمل السياسي للجنة الرباعية، ولم يتبقَّ سوى الجانب التقني".
ثم جاءت الحرب في أوكرانيا لتجمّد التعاون بين أعضائها الرئيسيين، وتعمّق حالة الجمود، في ظل تحدٍّ روسي متصاعد للقيادة الأميركية، وصل إلى حد تعذّر إصدار بيانات مشتركة، إذ يعود آخر بيان إلى عام 2021.
وتابع: "بالتوازي، مثلت اتفاقيات أبراهام، التي دعمتها الولايات المتحدة عام 2020، نقطة انطلاق لمسار إقليمي بديل يقوم على تطبيع العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل، رغم أن أهدافها الاقتصادية المتعددة تشمل أيضا بناء تحالف ضد إيران وإنهاء الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني".
ورغم ما لحق بها من انتكاسة عقب عملية 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، واستبعادها للملف الفلسطيني، يبدو أن هذه الاتفاقيات ما زالت قائمة، بفضل توسعها الجغرافي وانضمام كازاخستان إلى المفاوضات، وفق التقرير.
وهكذا يتبلور توازن إقليمي يتطور بشكل متزايد خارج الإطار التقليدي للجنة الرباعية.
وقال المعهد: "تأكيدا للديناميكيات التي جرى تحليلها حتى الآن، يُعد إنشاء مجلس السلام، الذي روّج له الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تطورا حديثا وهاما، إذ لطالما نظر الأخير بريبة تجاه الصيغ متعددة الأطراف".
ويهدف هذا المجلس الجديد، الذي افتُتح في فبراير/شباط 2026، إلى تنسيق إعادة الإعمار والمساعدات، خاصة المالية، وتحقيق الاستقرار في قطاع غزة.
وتعكس هذه المبادرة نهجا أكثر حزما ومركزية في السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط، وقد أثارت مخاوف لدى بعض أطياف المجتمع الغربي نظرا لتسييسها الشديد.

المشاريع الجارية
ويمكن القول إن الرباعية فقدت الكثير من الرؤية والمركزية السياسية والدبلوماسية على المستوى الإقليمي.
ومع ذلك، فإن هذا التراجع لم ينعكس على المستوى التنفيذي والعملي، وفق التقرير.
فرغم افتقار مكتب الرباعية للسلطات السياسية فوق الوطنية، فقد عزز خلال السنوات الأخيرة دوره الفني والتشغيلي، من خلال اعتماد خطط إستراتيجية دورية، كان آخرها للخطة المؤقتة للفترة 2024-2025.
ويدعم مكتب الرباعية تطوير قطاع الطاقة في فلسطين من خلال مشروع الغاز لقطاع غزة (G4G)، الذي يُعد أحد أبرز المشاريع الإستراتيجية خلال السنوات الأخيرة.
ويورد التقرير السنوي لمكتب الرباعية لعام 2024 بيانات دقيقة توضح أن المشروع يهدف إلى ربط غزة بشبكة الغاز الطبيعي الإسرائيلية، ما يمكّن من استبدال الديزل، وزيادة الإنتاج، وخفض التكاليف، وتحسين الحياة اليومية للمواطنين.
ويُنسق المشروع فريق تشغيلي برئاسة مكتب الرباعية، ويضم كل من السلطة الوطنية الفلسطينية وإسرائيل، مع تمويل من هولندا والاتحاد الأوروبي وقطر والولايات المتحدة والمملكة المتحدة.
لكنه لم يصل بعد إلى مرحلة التنفيذ الكامل بسبب الجمود السياسي والأمني، شأنه شأن العديد من المشاريع الأخرى، بحسب التقرير.
ودعا المعهد إلى تعزيز عمل مكتب الرباعية، واصفا إياه بأنه "الركيزة الفنية للنظام بأكمله".
وأضاف: "في سياقاتٍ غالبا ما تواجه فيها الدبلوماسية الحكومية مأزقا، يتيح العمل التقني والعملياتي البناء التدريجي للأسس المادية والمؤسسية للدولة، مما يخلق مساحاتٍ ملموسة للتعاون الفعلي بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. وهذا تحديدا هو العمل الأصعب، ولكنه أيضا الأكثر أهمية".

















