هل كان لمصر دور في إيقاف العدوان ضد إيران؟.. معهد إسرائيلي يجيب

"يجب على إسرائيل تعزيز الحوار السياسي والأمني المباشر مع مصر"
سلّط تقرير إسرائيلي الضوء على الدور الذي لعبته مصر في جهود الوساطة الرامية إلى وقف عدوان الولايات المتحدة ضد إيران، محذّرا من أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى تعميق عزلة إسرائيل إقليميا، ويحوّل مصر إلى جزء من الرباعية العربية الإسلامية الناشئة لمواجهة إسرائيل.
وأعدّ التقرير الصادر عن معهد دراسات الأمن القومي (INSS)، كلّ من أوفير وينتر، الباحث الأول في المعهد والمحاضر في الدراسات العربية والإسلامية بجامعة تل أبيب، ويهودا ديسكين الباحث المتخصص في الشأن المصري.

علاقة محورية
وأوضح الباحثان أنه بينما قادت باكستان جهود الوساطة لتحقيق وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران، اضطلعت مصر بدور نشط وإن كان ثانويا في هذه العملية.
فقد شاركت القاهرة في جهود الوساطة ضمن آلية رباعية جديدة مع باكستان والسعودية وتركيا، ساعيةً إلى تحويل هذا الإطار إلى "رباعية عربية-إسلامية" قادرة على موازنة نفوذ إسرائيل وإيران معا.
ولفت التقرير إلى أن مصر دأبت منذ بداية الحرب على المطالبة بالتهدئة والحلول الدبلوماسية. مشيرا إلى أن الرئيس المصري ووزير خارجيته أجريا محادثات مع نظرائهما في طهران وواشنطن، فيما حافظت المخابرات العامة المصرية على قناة خلفية مع الحرس الثوري الإيراني بهدف دفع المفاوضات وصياغة إطار للاتفاق.
وذكر أن هذه الخطوات جاءت انعكاسا للفرصة التي رأت فيها القاهرة مجالا لتوسيع دورها الإقليمي في الوساطة خارج نطاق غزة، في أعقاب مشاركتها في سبتمبر/أيلول 2025 في وساطة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وقد رحّب رئيس النظام المصري، عبد الفتاح السيسي، بوقف إطلاق النار، معربا عن أمله في أن يتحوّل إلى اتفاق دائم يُنهي الحرب ويُعيد الأمن والاستقرار إلى المنطقة.
ونقل التقرير عن عماد الدين حسين، رئيس تحرير صحيفة "الشروق"، افتخارَه بالدور الذي اضطلعت به مصر إلى جانب باكستان وتركيا. مشيرا إلى أن التواصل بين وزراء خارجية الدول الثلاث جرى بوتيرة "شبه يومية".
وأضاف حسين أن أحد دروس هذه الحرب هي أن "مصر دولة كبيرة ومحورية ولا يمكن إدارة المنطقة وتقرير مصيرها من دون دورها".
وأوضح الباحثان أن الحرب، وإن لم تكن مصر طرفا مباشرا فيها، زعزعت استقرار بيئتها الإقليمية وألحقت بها أضرارا تراكمية تُقدَّر بمليارات الدولارات.
فقناة السويس، أحد المصادر الرئيسة للعملة الأجنبية، سجّلت خسائر بلغت نحو 10 مليارات دولار منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 جراء تراجع حركة الملاحة بسبب هجمات الحوثيين في البحر الأحمر.
كذلك، فالتصعيد الراهن دفع عدة شركات شحن دولية إلى تعليق المرور عبر القناة مجددا، في وقت كانت فيه تنتعش من تداعيات حرب غزة المطوّلة.
وأضاف التقرير أن مصر عانت في سياق الحرب من تباطؤ السياحة، وصعوبات في تحويل أموال المصريين العاملين في الخليج، وتوقف مؤقت في تدفقات الغاز من إسرائيل، فضلا عن انخفاض قيمة الجنيه أمام الدولار وارتفاع أسعار النفط والوقود.
وتابع أن القطاع الزراعي الذي يستوعب نحو ربع القوى العاملة، يواجه تهديدا حقيقيا جراء إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره ما يقارب ثلث واردات مصر من الأسمدة.
وأشار إلى أن الإجراءات الطارئة التي اتخذتها مصر، كخفض استهلاك الطاقة والتحوّل إلى العمل عن بُعد وتقييد الاستيراد، تكشف حجم الضغوط التي تواجهها القاهرة وأهمية تحقيق الاستقرار الاقتصادي.
وأشار في هذا الصدد إلى أن تجدد التصعيد الإقليمي قد يُعمّق الأزمة الداخلية المصرية ويُشكّل تحديا للنظام.

تهديد متنامٍ
وعلى صعيد السياسة والأمن، رأى الباحثان أن الحرب زادت من قلق القاهرة إزاء تنامي القوة الإسرائيلية في موازين المنطقة.
وأوضحا أن مصر تنظر إلى إسرائيل التي تُعلن حكومتها مرارا عزمها "إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط" وتروّج لخطط تهجير الفلسطينيين طوعا من غزة إلى سيناء بوصفها تهديدا متناميا لأمنها القومي.
وأفاد بأن الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران تُفسَّر في القاهرة بوصفها مسعًى لترسيخ الهيمنة الإسرائيلية، قائما على توظيف القوة العسكرية بصورة متصاعدة بدعم أميركي، مع احتمال صرف الأنظار عن ملف غزة.
لذا، فإن إنهاء الحملة عبر تفاهمات متبادلة دون انتصار عسكري حاسم يتوافق مع تفضيل القاهرة لنظام إقليمي متعدد الأقطاب.
وأفاد التقرير بأن مصر، على خلاف دول الخليج، لا تنظر إلى إيران بوصفها تهديدا مباشرا وعاجلا، على الرغم من رفضها توسع النفوذ الإيراني وطموحاته النووية.
وذكر أن غياب الحدود المشتركة والبُعد الجغرافي وتقارب السنوات الأخيرة تُتيح للقاهرة موقفا أكثر مرونة تجاه طهران، بما يعني الحفاظ على قنوات تواصل مفتوحة وتجنّب الانخراط في معسكر معادٍ لإيران بصورة صريحة.
وأشار إلى أن القاهرة تُدرك بعض المزايا في قدرة إيران على ردع إسرائيل وتوازن نفوذها الإقليمي.
وأوضح التقرير أن جهود الوساطة جرت عبر آلية رباعية أطلقها وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان في الرياض في 20 مارس/آذار، وانعقدت منذ ذلك الحين مرتين إضافيتين في إسلام آباد وأنطاليا.
ولفت إلى أن الآمال المعقودة على هذه الرباعية تتجاوز إنهاء الحرب لتشمل رسم ملامح النظام الإقليمي بعد انتهائها، بما في ذلك الحد من الاعتماد على القوى الكبرى، وصون المصالح الاقتصادية، ومواجهة ما يُوصف بـ "طموحات الهيمنة" لدى إسرائيل وإيران.
ونقلت وكالة "بلومبيرغ" الأميركية، في أبريل/نيسان 2026، أن اتفاقية الدفاع بين السعودية وباكستان المبرمة في سبتمبر/أيلول 2025 قد تتوسع لتضم مصر وتركيا في تحالف رباعي.
وأفاد المعهد بأن هذه الدول الأربع التي يجمعها ما يقارب نصف مليار نسمة تمتلك مصادر قوة متكاملة؛ إذ تمتلك مصر الجيش وقناة السويس والثقل السكاني، وتحوز السعودية النفط والثقل الديني، وتتميز تركيا بصناعتها الدفاعية وعضويتها في الناتو، فيما توفر باكستان المظلة النووية.
ونقل عن علاء الغطريفي، رئيس تحرير "المصري اليوم"، أمله في أن يكون هذا التقارب نواةً لنظام إقليمي جديد.

نقاط الخلاف
وخلص الباحثان إلى أن استئناف القتال قد يُضاف إلى قائمة نقاط الخلاف مع إسرائيل، مما يُثقل العلاقات الفاترة أصلا بين البلدين.
وأوضح التقرير أنه في هذه الحالة يُرجَّح أن تنتهج مصر وأطرها العربية-الإسلامية موقفا أكثر مواجهةً تجاه إسرائيل بشأن حملتها على إيران، وتسعى إلى تعميق عزلتها الإقليمية، فضلا عن تحدي سياستها في ساحات أخرى تمتد من لبنان والملف الفلسطيني إلى مسائل ضبط التسلح.
ولمنع هذا التدهور، أوصى الباحثان الحكومة الإسرائيلية بثلاث خطوات، أولها تعزيز الحوار السياسي والأمني المباشر مع مصر، إذ أشارا إلى أن قناة ثنائية فعّالة قد تُسهم في تقريب التوقعات وتخفيف الميل المصري إلى توظيف الرباعية إطارا إقليميا منافسا.
وثانيها تبني خطاب رصين ومتزن؛ إذ ينبغي تجنّبُ التصريحات التي تُرسّخ صورة إسرائيل دولةً تسعى إلى إعادة رسم المنطقة بالقوة وحدها، مع التأكيد على رسائل تدعم الاستقرار وتسعى إلى ترتيبات دبلوماسية بالوسائل السلمية.
وثالثها تنمية التعاون الاقتصادي، لا سيما في قطاعي الغاز والتجارة، بما يُبرز القيمة الاقتصادية للسلام مع إسرائيل وأهمية الحفاظ على علاقات مستقرة بين الطرفين حتى في خضم التوترات.


















