جامعات أوروبية تفك ارتباطها بإسرائيل.. ما حجم العزلة الأكاديمية؟

" الجامعات الإسرائيلية ليست مؤسسات علمية محايدة بالكامل"
لم تبق كلفة العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة حبيسة السياسة والدبلوماسية، فقد وصلت إلى المختبرات وقاعات المحاضرات وبرامج التمويل الأكاديمي.
فبعد موجات من الانتقادات في الشوارع والساحات الجامعية الغربية، انتقل الضغط الأوروبي تدريجيًا من لافتات الطلاب إلى قرارات مجالس الإدارة واللجان الأخلاقية في الجامعات.
ومن هنا فإن الجامعات الإسرائيلية التي كانت لسنوات جزءًا طبيعيًا من شبكات بحث أوروبية وأميركية واسعة، باتت في نظر عدد متزايد من المؤسسات الغربية شريكًا "عالي المخاطر" يحتاج إلى فحص قانوني وأخلاقي قبل التعاون معه.

خريطة العزل
تمثل هذا التحول في عدة جامعات اتخذت خطوات فعلية أو قررت إنهاء تعاملها مع الجامعات الإسرائيلية بعد العدوان الذي شنته تل أبيب على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
فعلى سبيل المثال، أعلنت جامعة غنت البلجيكية في مايو/أيار 2024، قطع علاقاتها المؤسسية مع الجامعات والمعاهد البحثية الإسرائيلية بعد تقييم داخلي لحقوق الإنسان.
أبقت الجامعة فقط على بعض التعاونات مع مؤسسات غير أكاديمية قالت: إنه لم تثبت صلتها بانتهاكات حقوقية، قبل أن تعلن لاحقًا الانسحاب من مشروع "OSTEONET" ضمن برنامج “هورايزن أوروبا” Horizon Europe البحثي.
وجاء الانسحاب من المشروع الأوروبي لوجود شريك إسرائيلي فيه، حصل على تقييم سلبي من لجنة حقوق الإنسان والأبحاث ذات الاستخدام المزدوج في جامعة غنت.
بدورها، لم تتبنَّ جامعة إيراسموس روتردام الهولندية مقاطعة شاملة، لكنها جمّدت في يونيو/حزيران 2025 التعاون المؤسسي مع ثلاث جامعات إسرائيلية: بار إيلان، والجامعة العبرية، وجامعة حيفا.
وجاء القرار بعد توصية "لجنة الشراكات الحساسة"، التي خلصت إلى وجود مخاطر عالية في احتمال التورط بانتهاكات حقوق الإنسان إذا استمرّ التعاون.
وأوقفت الجامعة برامج التبادل وامتنعت عن بدء شراكات بحثية جديدة مع هذه المؤسسات، لكنها تركت الباب مفتوحًا لمشاركة باحثيها في مشروعات تمويل أوروبية متعددة الأطراف، طالما لم تشمل شراكة مباشرة مع تلك الجامعات.
في نفس الشهر، قررت جامعة دلفت الهولندية للتكنولوجيا وقف الشراكات الجديدة مع الجامعات والمنظمات الإسرائيلية بسبب مخاوف جدية من احتمال التورط في أفعال إبادة أو انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
وأكدت الجامعة أن التعاونات القائمة ستخضع لمراجعة دقيقة وفق معايير صارمة، فإذا تبين أن للمشروع استخدامًا مزدوجًا أو علاقة بجهات عسكرية أو أمنية، يمكن إنهاؤه.
أما جامعة لايدن الهولندية فاتخذت مسارًا أكثر تعقيدًا في أبريل/نيسان 2026، بعدما أعلنت نهجًا جديدًا لـ"التعاون المسؤول"، يقوم على عدم الدخول في شراكات بحثية جديدة مع مؤسسات إسرائيلية في الوقت الحالي، ومراجعة التعاونات القائمة على مستوى كل مشروع.
وتنظر الجامعة في مدى ارتباط الشركاء بالمؤسسة الأمنية، واحتمال استخدام الأبحاث لأغراض عسكرية أو أمنية، ومدى الالتزام بالقانون الدولي.
وتكشف هذه الأمثلة الأربعة عن أسلوب جديد في المقاطعة، في وقت تتردد أوروبا بإنهاء شراكتها التجارية مع إسرائيل وخاصة في ظل الاحتجاجات الطلابية التي تصاعدت خلال سنتي العدوان على غزة.
ومع ذلك، لا يوجد موقف أكاديمي أوروبي موحد حتى الآن، فبينما تتقدم جامعات في بلجيكا وهولندا وإسبانيا وإيطاليا نحو مراجعة أو قطع شراكات، بقيت مؤسسات أخرى، خصوصًا في فرنسا، أكثر تحفظًا قانونيًا وسياسيًا في إنهاء التعاون الأكاديمي مع إسرائيل.

لماذا أصبحت متهمة؟
يرى المنتسبون لحملة المقاطعة أن الجامعات الإسرائيلية ليست مؤسسات علمية محايدة بالكامل، بل جزء من بنية سياسية وأمنية وعسكرية أوسع.
جوهر الاتهام أن بعض هذه الجامعات يسهم في أبحاث أو برامج ترتبط بالحكومة الإسرائيلية والجيش والصناعات العسكرية، وبالتالي لا يمكن فصلها بسهولة عن سياسات الحرب والاحتلال.
في حالة جامعة غنت، مثلًا، خلص التقييم الداخلي إلى وجود روابط بين بعض الشركاء الإسرائيليين (من الجامعات) والحكومة أو الجيش أو الأجهزة الأمنية، ما جعل استمرار التعاون غير منسجم مع سياسة الجامعة الخاصة بحقوق الإنسان.
وفي حالة دلفت، كان الخوف من الاستخدامات العسكرية أو الأمنية للأبحاث سببًا لوقف الشراكات الجديدة وإعادة تقييم القائم منها.
مصطلح "الاستخدام المزدوج" هو قلب هذا النقاش، فالجامعات الأوروبية لا تسأل فقط عن موضوع البحث، بل عن مصيره وهل يمكن أن تُستخدم نتائجه في تطوير أدوات عسكرية أو أمنية؟
من الجانب الإسرائيلي، اتسع نطاق القلق من تصاعد المقاطعة، فقد ادعى رؤساء الجامعات الإسرائيلية في رسائل وتصريحات أن مؤسساتهم مستقلة عن الحكومة والجيش، وأنها تضم باحثين يهود وعربًا وتدافع عن حرية البحث والديمقراطية.
وحذرت رابطة رؤساء الجامعات الإسرائيلية VERA في 14 مايو 2026، من أن المقاطعة الأكاديمية لم تعد مجرد حالات فردية أو احتجاجات عابرة، بل تمثل "تهديدًا إستراتيجيًا" لصورة إسرائيل العلمية الدولية.
وفي تقرير حلّل الفترة من أكتوبر 2025 إلى أبريل 2026، قالت الرابطة إنها رصدت 1120 شكوى مقاطعة وارتفاعًا بنسبة 150 بالمئة في محاولات استبعاد إسرائيل من “هورايزن” الذي تتجاوز ميزانيته 95 مليار يورو وتعده “تل أبيب” ركيزة لتمويلها وشبكاتها البحثية الدولية، وفق صحيفة يديعوت أحرونوت.
وشملت الشكاوى ما نسبته 41 بالمئة لتعليق تعاون صريح، و29 بالمئة تعطيلًا ماديًا لمحاضرات أو مؤتمرات، و9 بالمئة “تصريحات معادية للسامية” أو إضرارًا بمنح بحثية، بحسب تعبيرها.
ولفتت إلى تغير مهم في طبيعة المقاطعة؛ ففي عامي 2024 و2025 كانت النسبة الأكبر من الحالات تستهدف باحثين أفرادًا، إذ شكّلوا نحو 57 بالمئة من حالات المقاطعة، لكن في الأشهر الأخيرة، انتقل التركيز أكثر إلى المؤسسات الأكاديمية والجمعيات المهنية.
وأوضحت الرابطة أن الافتراض بأن وقف إطلاق النار في غزة سيخفف نشاط المقاطعة لم يتحقق، مبينة أن مجموعات المقاطعة عدّلت خطابها بسرعة مع تغير الظروف، وربطت حملتها بالحرب مع إيران و"العمليات الإسرائيلية في لبنان"، بدل أن تتراجع.
كما رأت أن إجراءات إسرائيلية أخرى، مثل قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين وتصريحات المسؤولين، زادت النقد الأوروبي لإسرائيل، ما دفع بروكسل إلى التساؤل عما إذا كانت “تل أبيب” لا تزال تشترك في “القيم المطلوبة للبقاء” ضمن اتفاقيات هورايزن.

ماذا تخسر إسرائيل؟
“هورايزن أوروبا” هو قلب الكلفة العملية، فمنذ انضمام إسرائيل إلى برامج الأبحاث الأوروبية في التسعينيات، صار هذا البرنامج مصدر تمويل أساسي للمختبرات الإسرائيلية والشركات الناشئة وشبكات التعاون مع جامعات أوروبية.
لكن البيانات تظهر تراجعًا واضحًا في المشاركة، فقد انخفضت نسبة المشاريع التي تشمل شركاء إسرائيليين من 5.4 بالمئة عام 2022 إلى 1.7 بالمئة في 2025، كما تقلصت قيمة التمويل من 303 إلى 119 مليون يورو.
واقترحت المفوضية الأوروبية في يوليو/تموز 2025 تعليق مشاركة إسرائيل في جزء من أنشطة المجلس الأوروبي للابتكار EIC، على خلفية الأزمة الإنسانية في غزة.
لم يتحول الاقتراح إلى قطيعة شاملة، لكن مجرد طرحه أرسل إشارة حادة بأن التعاون مع إسرائيل صار محاطًا بمخاطر سياسية وأخلاقية.
كما أن تراجع المشاركة في هورايزن أوروبا لا يعني خسارة منحة أو مشروع واحد فقط بل إن المختبرات الإسرائيلية تحصل على فرص أقل للوصول إلى تمويل أوروبي، وشبكات بحث عابرة للحدود، ومختبرات وشركات ناشئة ومؤسسات علمية كانت تمنح إسرائيل جزءًا مهمًا من مكانتها البحثية.
ويشتكي باحثون إسرائيليون، من إلغاء دعوات أو تراجع فرص المشاركة في مؤتمرات ومشاريع مشتركة، ومن تردد بعض الجامعات الأوروبية في إدراجهم ضمن فرق بحثية خشية الضغوط السياسية أو الطلابية، وفق تقرير لمعهد Samuel Neaman الإسرائيلي.
وحتى عندما لا يكون هناك قرار رسمي بالمقاطعة، يكفي وجود جدل حول مشروع معين لجعل بعض الجهات الممولة أو الجامعات تختار شركاء أقل حساسية.
كما تراجعت جاذبية الجامعات الإسرائيلية لدى بعض الطلاب والباحثين الدوليين في ظل تزايد الحساسية السياسية المحيطة بالدراسة أو العمل في مؤسسات إسرائيلية. بحسب المعهد.
ولا تتمثل الخسارة الأعمق في حدوث انهيار فوري بل في التآكل التدريجي في موقع إسرائيل داخل شبكات البحث العالمية. فقد حذرت رابطة VERA من أن الخطر الحقيقي سيظهر مع تجديد الاتفاقيات الخاصة ببرامج البحث الأوروبية في 2027-2028.
وشددت على أن التعاون الثنائي مع دول في آسيا أو أوروبا لا يمكن أن يكون بديلًا عن برنامج بحثي منظم وواسع مثل "هورايزن" لأنه لا يمنح إسرائيل المكانة والشبكات والتمويل نفسها.
وتقول VERA: إن فريق العمل الخاص بها يستخدم أدوات قانونية ضد مؤسسات محددة في أوروبا، بالتعاون مع مكاتب محاماة في بروكسل، كما يراقب شبكات المقاطعة بشكل مستمر لتوفير معلومات فورية للجامعات الإسرائيلية.
فيما تحذر يديعوت أحرونوت من أنه من دون استعداد حكومي واستثمار مستمر في الدبلوماسية العامة وتعزيز العلاقات القائمة، قد تجد إسرائيل نفسها خارج "النادي العلمي" الأكثر مكانة في العالم، بما قد يسبب ضررًا لا يمكن عكسه لصورتها كـ"دولة الشركات الناشئة".
ونقلت عن البروفيسور دانيال شاموفيتز، رئيس جامعة بن غوريون ورئيس رابطة VERA، قوله: إن المقاطعة الأكاديمية "ليست ظاهرة عابرة"، بل حملة طويلة الأمد تهدد جوهر البحث الإسرائيلي.
المصادر
- Israeli universities warn academic boycott has become a strategic threat
- Israeli researchers and universities face unprecedented wave of boycotts
- Israeli participation in Horizon Europe halves as boycotts bite
- Belgium's Ghent University severs ties with all Israeli universities
- EUR freezes institution-wide collaborations with Bar-Ilan University, The Hebrew University of Jerusalem, and University of Haifa
- UGent ends collaboration with Israeli partner after approval of European Commission
- Our ties with Israeli universities
- TU Delft suspends collaboration with Israeli institutes: ‘A clear “no, unless”’
- European Commission proposes suspending Israel from part of Horizon research programme

















