"الدلتا الجديدة".. سراب جديد للسيسي يواجه انتقادات حول الجدوى وبروباغندا الإنجاز

شدوى الصلاح | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

على وقع الأزمات الاقتصادية الخانقة التي تعيشها مصر خلال السنوات الأخيرة، يواجه مشروع “الدلتا الجديدة” الذي افتتحه رئيس النظام الانقلابي في مصر عبد الفتاح السيسي أخيرا، موجة واسعة من الانتقادات والتشكيك بشأن جدواه الاقتصادية، ومصادر تمويله، ومستقبله المائي، في ظل مقارنته بمشروعات كبرى سابقة أثارت جدلا واسعا حول كلفتها ونتائجها الفعلية.

ودشن السيسي رسميا، في 17 مايو/أيار 2026، مشروع "الدلتا الجديدة" بتكلفة تصل إلى 800 مليار جنيه (نحو 16.5 مليار دولار)، ويهدف المشروع الزراعي إلى تحويل مساحات واسعة من الصحراء غرب نهر النيل إلى أراض زراعية تمتد على مساحة 2.2 مليون فدان.

ويقع المشروع في المنطقة الشمالية الغربية من مصر، وتحديدا ضمن محور "روض الفرج – الضبعة"، ويتمتع بقربه من عدد من الموانئ والمطارات، من بينها موانئ الإسكندرية والدخيلة ودمياط، إضافة إلى مطاري سفنكس وبرج العرب.

كما يمتد المشروع عبر ظهير صحراوي يربط بين محافظات البحيرة والجيزة ومطروح.

ويستهدف المشروع توسيع الرقعة الزراعية بهدف تعزيز الأمن الغذائي، وتوفير فرص عمل واستثمارات جديدة، إلى جانب إنشاء محطات رفع ومعالجة للمياه، وشق ترع وقنوات ري، وإقامة صوامع تخزين ومجمعات للتصنيع والتغليف الزراعي.

وأوضح المتحدث الرسمي باسم رئاسة النظام الانقلابي أن السيسي افتتح المشروع بمنطقة محور الشيخ زايد في محافظة الجيزة الذي كان يعرف سابقا بمحور الضبعة.

وأضاف أن المشروع "يشهد تضافر جهود مختلف جهات الدولة، إلى جانب مشاركة فاعلة من القطاع الخاص؛ إذ تعمل فيه 150 شركة بمجال الإنتاج الزراعي فقط، فضلا عن مئات الشركات العاملة في الأنشطة الأخرى".

وفيما يتعلق بالأعمال المنفذة، قال السيسي: إن التكلفة الإجمالية للمشروع بلغت نحو 800 مليار جنيه، بمتوسط يتراوح بين 350 ألف جنيه (نحو 6571 دولارا) و400 ألف جنيه (نحو 7509 دولارات) للفدان الواحد، فضلا عن إنشاء شبكة طرق جديدة تمتد لنحو 12 ألف كيلومتر.

وأضاف أن المشروع سيوفر نحو مليوني فرصة عمل مستدامة، مؤكدا أن شركات خاصة ستتولى القطاع الزراعي، مع الاتفاق معها بشأن نوعية المحاصيل المستهدفة وفقا للدورة الزراعية.

ورغم الفرص الاقتصادية التي يطرحها المشروع، فإنه يواجه تحديا يتعلق بتوفير الموارد المائية اللازمة لري هذه المساحات الشاسعة.

وفي هذا السياق، قال السيسي: إنه سيتم تجميع مياه الصرف الزراعي من أراضي محافظات الدلتا بعد إخضاعها للمعالجة الثلاثية، ثم نقلها عبر مسارين رئيسين؛ شمالي وشرقي، يبلغ طول كل منهما 150 كيلومترا.

وأضاف أن نقل المياه يجري بعكس الانحدار الطبيعي للأرض، ما استدعى إنشاء 19 محطة رفع رئيسة لتوفير المياه اللازمة لري مساحة المشروع، إلى جانب إنشاء محطات كهرباء بطاقة إجمالية تبلغ نحو 200 ميغاواط.

وتقوم رؤية السلطات المصرية للمشروع على تحقيق تكامل بين الأراضي الزراعية التقليدية في الوادي والدلتا، وبين الأراضي الجديدة المستصلحة ضمن مشروع "الدلتا الجديدة"، بحيث تتركز زراعة المحاصيل التقليدية مثل القمح والذرة في الأراضي الطينية الأعلى إنتاجية، بينما تخصص الأراضي الصحراوية للمحاصيل الملائمة لها، مثل البنجر (الشمندر السكري).

لكن المشروع يواجه تشكيكا متزايدا بسبب تجارب سابقة لمشروعات زراعية وتنموية أعلنتها السلطات المصرية، سواء في العهد الحالي أو خلال العقود الماضية، ووصفتها أطراف معارضة وخبراء مستقلون بأنها لم تحقق الأهداف المعلنة رغم الكلفة الكبيرة التي تحملتها الدولة.

ومن أبرز هذه المشروعات مشروع "المليون ونصف المليون فدان"، الذي أطلق عام 2015 بصفته أحد المشروعات التنموية الكبرى لتوسيع الرقعة الزراعية وتحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء، من خلال شركة "تنمية الريف المصري الجديد".

غير أن المشروع واجه أزمات متعددة تمثلت في نقص البنية التحتية، ومشكلات أمنية في مناطق مثل المغرة والفرافرة، فضلا عن ارتفاع ملوحة التربة، وسط اعترافات رسمية لاحقة بالصعوبات التي واجهته، وتعثر استصلاح أجزاء واسعة من المساحات المستهدفة.

وبعد أربعة أعوام من إطلاق المشروع، أظهر تقرير للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عام 2019 أن الزيادة في المساحات المزروعة كانت محدودة للغاية؛ إذ بلغت نحو 30 ألف فدان فقط خلال الفترة بين 2016 و2017، فيما ظل معدل الاستصلاح السنوي منخفضا بمتوسط تراوح بين 28 و38 ألف فدان.

وشهد مشروع توشكى تعثرا مشابها؛ إذ أطلق في عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك عام 1997 بهدف استصلاح نحو 540 ألف فدان، بتكلفة بلغت قرابة 7 مليارات جنيه، قبل أن يعاد إحياؤه عام 2022 تحت اسم "توشكى الخير"، رغم استمرار الجدل بشأن جدواه الاقتصادية.

كما واجه مشروع الصوب الزراعية الذي أطلقه السيسي عام 2019 على مساحة 16 ألف فدان وبتكلفة قاربت 16 مليار جنيه، انتقادات واسعة، خاصة أنه نفذ داخل قاعدة محمد نجيب العسكرية شمال غربي البلاد، واعتمد على إشراف القوات المسلحة واستخدام المجندين في التشغيل.

وروج المشروع آنذاك بصفته خطوة لتحقيق طفرة زراعية وزيادة الاكتفاء الذاتي وترشيد استهلاك المياه، إلا أن تقارير معارضة تحدثت لاحقا عن تضرر أجزاء من المشروع وإهمال بعض مكوناته وخسائر مالية كبيرة.

وعلى صعيد آخر، أثارت "تفريعة قناة السويس الجديدة" التي افتتحت عام 2015 جدلا مماثلا، بعدما جرى تقليص مدة تنفيذها من ثلاث سنوات إلى عام واحد، لترتفع التكلفة إلى نحو 8 مليارات دولار، أو ما يعادل 64 مليار جنيه آنذاك.

ورافق المشروع وعود بزيادة إيرادات القناة من نحو 5.5 مليارات دولار إلى 100 مليار دولار سنويا، غير أن البيانات اللاحقة أظهرت أن أعلى إيرادات سجلتها القناة بلغت 9.4 مليارات دولار خلال العام المالي 2022-2023.

كما سجلت القناة إيرادات بقيمة 6.3 مليارات دولار خلال العام الماضي، وهو رقم يقل عن التقديرات الحكومية السابقة التي توقعت بلوغها 13 مليار دولار بحلول عام 2023.

ورغم تنفيذ التفريعة، استمرت حوادث جنوح السفن داخل المجرى الملاحي، وكان أبرزها حادث سفينة الحاويات "إيفر غيفن" في مارس/آذار 2021، إلى جانب حادث غرق قاطرة تابعة للقناة في أغسطس/آب 2023 بعد اصطدامها بناقلة ترفع علم هونغ كونغ.

وفي ظل الضغوط المالية التي تواجهها مصر، برزت تحديات إضافية مرتبطة بتمويل مشروعات البنية التحتية المرتبطة بالقناة؛ إذ طلبت هيئة قناة السويس في يوليو/تموز 2022 مضاعفة قيمة قرض مصرفي إلى 20 مليار جنيه لتمويل مشروعات صناعية في منطقتي السخنة وشرق بورسعيد.

غياب الأولويات

ووجه محللون وخبراء وناشطون على منصات التواصل انتقادا حادا لمشروع الدلتا الجديدة وقابلوا تدشينه بتهكم وسخرية، مستنكرين التكلفة الفلكية للمشروع التي بلغت 800 مليار جنيه في توقيت يعاني فيه المواطن البسيط من غلاء معيشي حاد وارتفاع يومي في أسعار السلع الأساسية.

وعدوا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #الدلتا_الجديدة، #السيسي، #السيسي_خربها وغيرها ضخ هذه المليارات في البنية التحتية لمشروع صحراوي طويل الأمد انعكاس لـ "سياسة الأولويات المقلوبة" للنظام، مذكرين بمشاريع سابقة فشلت.

وأشار ناشطون إلى أن قطاعات حيوية متهالكة مثل التعليم والصحة وشبكات الكهرباء كانت أولى بهذه الأموال لرفع المعاناة المباشرة عن كاهل الشعب، معربين عن استيائهم من أولويات الإنفاق الحكومي، ورأوا أن هذه الأموال الضخمة كان يجب توجيهها في مسارها الصحيح.

وعد ناشطون تحسين حياة المواطن المباشرة (صحة أفضل، تعليم جيد، كهرباء مستقرة) أولوية أكثر إلحاحاً من التوسع الزراعي طويل الأمد، خاصة مع تحذيرات الخبراء من تحديات الاستدامة المائية والاقتصادية. 

>

 

مخاطرة غير محسوبة

ووجه ناشطون انتقادات حادة لمشروع الدلتا الجديدة، وأكدوا عدم جدواه وأن مثل هذه المشاريع تمثل هدرا وخطرا وجوديا على الأراضي الخصبة التاريخية، واستنكروا عدم الشفافية حول الجدوى الاقتصادية والبيئية، وأشاروا إلى فشل سابق في الاعتماد على المياه الجوفية.

وتساءلوا عن مصادر المياه؛ فرغم إعلان الدولة الاعتماد على إعادة معالجة مياه الصرف الزراعي ونقلها بـ 19 محطة رفع "عكس الجاذبية"، رأى خبراء وناشطون أن هذه الحلول الهندسية تستهلك كميات هائلة من الطاقة والكهرباء وتزيد من كلفة الإنتاج الزراعي للفدان الواحد.

وانتقد البعض تجاهل الرواية الرسمية للتحديات المائية العميقة والمستقبلية المرتبطة بحصة مصر من مياه النيل خاصة بعد أزمة سد النهضة، عادين التوسع في زراعة ملايين الأفدنة بمثابة "مخاطرة غير محسومة" في ظل الفقر المائي المعترف به رسمياً.

 

 

تغليب العسكر

وعبر خبراء وناشطون عن استيائهم من إسناد إدارة مشروع الدلتا الجديدة (وجهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة) لشخص بخلفية عسكرية لا علاقة له بالزراعة، وهو العقيد طيار بهاء الغنام، مستنكرين إقصاء الكفاءات الأكاديمية والمهندسين الزراعيين الكبار في مصر، وإسناد مشروع زراعي بهذا الحجم والميزانية لـ "طيار عسكري".

وعدوا ذلك دليلاً على إصرار النظام على تغليب الولاء العسكري على التخصص الفني والخبرة الميدانية، منددين بتكريس سياسة "عسكرة الاقتصاد" وتوسيع نفوذ الهيئات التابعة للقوات المسلحة في قطاعات مدنية بحتة من المفترض أن تديرها وزارتا الزراعة والري.

وسخر ناشطون من كلمة الدكتور بهاء الغنام أمام الرئيس السيسي خلال افتتاح مشروع الدلتا الجديدة، معتبرينها تملقاً مبالغاً فيه. 

ومن أبرز العبارات التي سخروا منها وصفه السيسي بأنه أنقذ مصر من الخطر عام 2013 وأطمأن الشعب به، وقوله: "أقولها بحق يا سيادة الرئيس... لقد حاربت فأعزك الله بنصره وانتصرت لأمتك وشعبك فركنوا لك".

فرص وهمية

وعد ناشطون الترويج لأن مشروع الدلتا الجديدة يوفر نحو مليوني فرصة عمل مستدامة وليست مؤقتة، مبالغة غير مدعومة بدراسات مستقلة وعدوها تصريحات دعاية وتلميع للمشروع، مشككين في الاستدامة الاقتصادية للمشروع والجدوى مقابل التكلفة الباهظة.