عقارات بـ24 مليون دولار.. كيف تحولت دبي إلى ملاذ آمن لعائلة حميدتي؟

"المجلة رصدت توترات داخلية متصاعدة في بنية الدعم السريع"
سلّطت تقارير ووثائق صدرت في الأيام الأخيرة الضوء على طبيعة العلاقة بين مليشيات الدعم السريع والإمارات، وهي العلاقة التي دأبت أبو ظبي على نفيها قطعيا، غير أن تراكم المعطيات بات يجعل هذا النفي أكثر صعوبة.
وفي هذا السياق، رصدت مجلة "نيغريتسيا" الإيطالية، في تقرير لها، كيف تحولت دبي إلى ملاذ آمن لعائلة قائد "الدعم السريع"، محمد حمدان دقلو (حميدتي).
كما نشرت منظمة “ذا سنتري” المتخصصة في تتبع شبكات المصالح الدولية المرتبطة بالنزاعات والفساد، في نهاية أبريل/نيسان 2026، تقريرا موثقا بعنوان "عقارات بـ24 مليون دولار: ملاذ آمن للدعم السريع في دبي".
وكشف التقرير أن أفرادا من عائلة حميدتي استثمروا ما لا يقل عن 24 مليون دولار في عقارات سكنية وتجارية فاخرة داخل دبي، مع الإشارة إلى أن هذا الرقم قد لا يمثل سوى رأس جبل جليد أضخم بكثير.

ملاذ دبي
وتابعت "ذا سنتري"، بحسب ما نقلته المجلة الإيطالية، نشاط شركة عقارية باسم "بروديجيوس" (Prodigious)، منوط بها إدارة عمليات شراء وتأجير وحدات عقارية فاخرة، معظمها في مجمع سكني واحد محاط بأسوار وبوابات محمية، وهو نمط إقامة شائع في دول المنطقة لتقديرات أمنية وغيرها.
وتقيم في وحدات عدة من هذا المجمع، شراء أو إيجارا، عناصر من عائلة قائد الدعم السريع.
ودفع ذلك المراقبين، بحسب المجلة، إلى الاستنتاج بأن آل دقلو يبنون لأنفسهم ملاذا فاخرا وآمنا في بلد شديد الترحيب بهم، مع تحصين جزء وازن من ثروتهم في مواجهة أي مستجدات.
وبحسب التقرير، فإن أبرز من يقيم في هذا المجمع هو القوني حمدان دقلو، الشقيق الأصغر لحميدتي، وهو المسؤول عن الإمداد في الدعم السريع شاملا شراء الأسلحة والذخائر والعتاد الحربي، وهو بذلك شخصية محورية في استمرار المليشيا.
وللقوني جواز سفر كيني وبطاقة هوية إماراتية، وقد فُرضت عليه عقوبات أميركية في أكتوبر/تشرين الأول 2024، ثم عقوبات مجلس الأمن الدولي في نهاية أبريل/نيسان 2026، بسبب دوره في إطالة أمد الصراع السوداني.
وأوضحت المجلة أن هذا التقرير جاء في سياق سلسلة استقصاءات حول أعمال آل دقلو في الإمارات؛ إذ سبقه تقرير صدر في فبراير/شباط 2026 سلّط الضوء على استثمارات حميدتي العقارية في دبي، مستندا إلى وثائق مؤرخة بين عامي 2020 و2022، أي قبل اندلاع الحرب السودانية في 15 أبريل/نيسان 2023.
وتكشف هذه الوثائق عن ثلاثة شقق بقيمة إجمالية تبلغ نحو مليون دولار، اقتناها حميدتي مباشرة عام 2020.
وفي عام 2022 انتقلت ملكية هذه الشقق إلى شركة "بروديجيوس" التي غدت منذ ذلك الحين مرجعه الرئيس للاستثمار العقاري، وأدرّت ما يقارب 80 ألف دولار سنويا من عائدات الإيجار. وكان ضمن محفظته آنذاك أيضا عقار تجاري بقيمة 670 ألف دولار.
وأفادت المجلة بأن "بروديجيوس" مرتبطة ارتباطا وثيقا بعائلة دقلو والدعم السريع؛ إذ يملكها بالكامل السوداني أبو ذر عبد النبي حبيب الله المعروف بـ"أبو ذر حبيب".
وقد فرضت عليه وزارة الخزانة الأميركية عام 2025 عقوبات بوصفه مالك مجموعة "كابيتال تاب" القابضة التي تضم شركات زوّدت الدعم السريع بتمويل وعتاد عسكري.
وأشار التقرير إلى أن شبكة من السودانيين والإماراتيين المرتبطين بحزم أسهم وصفقات مشتركة تمتد لتشمل "بروديجيوس" ذاتها.
وجُمِّدت أصول الشركة في الولايات المتحدة منذ عام 2025 لعدم استيفائها متطلبات مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأميركي (أوفاك).
في المقابل، علّق آل دقلو على هذه التقارير بأنهم تصرفوا وفق القوانين المالية السارية، زاعمين عدم وجود أي أدلة تثبت ارتكابهم مخالفات أو أفعال مدانة.

إمبراطورية الذهب
ولفتت المجلة إلى تقرير ثالث لمنظمة "ذا سنتري" بعنوان "شبكة أعمال الدعم السريع في الإمارات"، صدر في أكتوبر 2025.
ويعرض التقرير الشبكة المالية والاقتصادية المعقدة التي يصفها بـ"المجمع الصناعي-شبه العسكري"؛ حيث يتحول الذهب المستخرج من دارفور والمهرّب إلى الإمارات إلى تدفقات مالية تُسهم في تمويل استمرار الحرب.
وأشارت المجلة إلى أن حميدتي بات في السنوات الأخيرة من حكم عمر البشير الرجل الأثرى في السودان، بفضل سيطرته على استخراج الذهب في جبل عامر بدارفور، وعبر اتفاقيات مع مجموعة فاغنر الروسية لتطوير الاستخراج والمعالجة الأولية، فضلا عن عقود توظيف مليشياته في اليمن وليبيا.
وترى أن ثروته ارتفعت ارتفاعا حادا منذ تلك المرحلة، مستفيدا مما توفره الإمارات من غياب للرقابة وتراخٍ في تطبيق الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالمواد الخام الصادرة من مناطق النزاع.
وفي مستهل مايو/أيار 2026، أكد حميدتي في خطاب أمام قادة مليشياته أن قواته بلغت 450 ألف مقاتل، أي ثلاثة أضعاف ما كانت عليه عند بداية الصراع حين كانت 143 ألفا.
وأعلن استعداد قواته للتفاوض على السلام، مؤكدا في الوقت ذاته قدرتها على الاستمرار في القتال لعقود.
وقرأت المجلة في هذا الخطاب رسالة تحذيرية موجهة إلى المجلس العسكري والقوات المسلحة السودانية، مفادها إمكانية الحسم الميداني، وكذلك إلى المجتمع الدولي الذي تتصاعد فيه الأصوات الداعية إلى تصنيف الدعم السريع "منظمة إرهابية".
وأضافت أن العمليات الأخيرة، مثل قصف الخرطوم بطائرات مسيّرة تحلّق بدقة عالية، تكشف عن تطور تقني لافت في قدرات هذه القوات.
ونقلت المجلة عن مجموعة "كونفليكت إنسايت" (Conflict Insight Group)، المتخصصة في جمع بيانات النزاعات وتحليلها، أنها تمكنت من تتبع 40 هاتفا ذكيا على الأقل خلال رحلتها من كولومبيا إلى دارفور، مرورا بقواعد عسكرية في الإمارات ومواقع أخرى في إفريقيا مثل ليبيا وتشاد وأرض الصومال الانفصالي.
ويقدّم تقرير المجموعة بعنوان "أموال الدم: كيف أتاح دعم الإمارات والمرتزقة الأجانب سقوط الفاشر" تفاصيل الخلايا التي رُصدت عبر ثلاثة من هذه الهواتف، موثقا مسار أصحابها من كولومبيا حتى انخراطهم المباشر في معارك الفاشر.
وبالتوازي مع هذا التمدد العسكري، رصدت المجلة توترات داخلية متصاعدة في بنية الدعم السريع.
ففي الأيام الأخيرة، أعلن علي رزق الله المعروف بـ"السافنا"، قائد مجموعة تضم نحو 300 مقاتل كانت تعمل في كردفان الغربية، انشقاقه عن الحركة وانحيازه إلى الشعب السوداني.
و"السافنا" القائد الرفيع الثاني الذي ينشق في غضون أسابيع قليلة؛ إذ سبقه في أبريل "النور القِبّة" الذي انضم إلى صفوف القوات المسلحة السودانية.
وصرّح كلاهما بأن المعيار الحاكم داخل الدعم السريع هو القرب من عائلة دقلو.
وختمت المجلة بأن موسى هلال القائد الشهير لمليشيات حميدتي، العائد أخيرا إلى دارفور والمنحاز إلى الجيش، ربما يكون عاملا مُضاعِفا لهذا السخط المتراكم، فيما قد يُعمّق الشرخ الداخلي في مليشيا حميدتي من الداخل.
















