تداعيات كبيرة.. كيف تعيد الحرب الإيرانية رسم توازنات القرن الإفريقي؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

خلال العقد الماضي، برزت دول الخليج بشكل متزايد في النزاعات والحروب الأهلية والتوترات بين الدول في منطقة القرن الإفريقي، التي تضم السودان وإثيوبيا وإريتريا والصومال وجيبوتي.

وفي ضوء الصراع في الشرق الأوسط، وتعرض دول الخليج لهجمات إيرانية مستمرة، يرى موقع "تيليبوليس" أن الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران تحمل أهمية خاصة بالنسبة للقرن الإفريقي.

فقد أصبحت الاستثمارات الخليجية والتحركات الدبلوماسية، إلى جانب تدفقات السلاح، عناصر فاعلة في تشكيل ديناميات الصراع والتنافس في هذه المنطقة.

ومن ثم، يعتقد المقال الألماني أن "دول الخليج قد تتجه إلى تقليص انخراطها في القرن الإفريقي إذا استمرت الأوضاع الأمنية في الشرق الأوسط في التدهور".

وبحسب تقديره، فإن "مثل هذا التحول يمكن أن يغير بصورة جذرية طبيعة النزاعات والتحالفات والدبلوماسية في القرن الإفريقي، خاصة إذا طال أمد الحرب".

الأمن الداخلي

واستند المقال في تحليله إلى أن "دول الخليج، لا سيما الإمارات وقطر والسعودية -وهما من الشركاء الرئيسين لإثيوبيا والسودان والصومال- سيوجهون اهتمامهم بشكل أكبر نحو الداخل، أي إلى أمنهم الخاص".

ونتيجة لذلك، يرى أن "الأهمية الإستراتيجية لدول القرن الإفريقي ستتراجع بالنسبة لدول الخليج".

عمليا، يعتقد أن "ينعكس هذا التحول في تراجع الزيارات رفيعة المستوى، وانخفاض تدفقات الأسلحة، وضعف شبكات الولاء السياسي، في وقت يسعى فيه الفاعلون المحليون في القرن الإفريقي إلى إعادة تموضعهم وفق المعطيات الجديدة".

وبحسب تقديره، "يقود هذا الوضع المنطقة إلى مسارين محتملين، أولهما، تصعيد النزاعات، مع سعي الدول والجماعات المسلحة إلى تصفية حساباتها في ظل انشغال الداعمين الخارجيين، أو حدوث تهدئة مؤقتة، ريثما يعيد الفاعلون تقييم أوضاعهم في ظل تراجع التمويل الخليجي وانخفاض الإمدادات العسكرية وتراجع جهود الوساطة".

مع ذلك، لا يرجح المقال أن "تشهد المنطقة، على المدى الطويل، هدوءا حقيقيا، بل قد تظهر التوترات المزمنة بشكل أكثر وضوحا، مثل الخلافات بين إثيوبيا وإريتريا".

وسلط المقال الضوء على الحرب السودانية، إذ يرى أن "تداعيات استمرار الصراع في الخليج ستكون كبيرة على الخرطوم، حيث يعتمد طرفا النزاع -الدعم السريع والجيش السوداني- بشكل كبير على الدعم الخارجي".

وتابع: "بحسب مسار الحرب مع إيران، قد يجد الطرفان نفسيهما فجأة من دون السخاء المالي والتجهيزات العسكرية التي اعتادا الحصول عليها من داعميهما في الخليج".

وأشار إلى أن "هذا التراجع سيؤثر بشكل خاص على الدعم السريع، نظرا لاعتمادها الكبير على دعم الإمارات التي قد تضطر إلى إعادة توجيه أولوياتها نحو أمنها الداخلي، أما الجيش السوداني فقد يستمر في الاستفادة من الدعم التركي والمصري".

من منظور أوسع، انتقد الكاتب الرؤية التي تُفسر الحرب في السودان بصفتها صراع محاور بين أطراف عدة.

وقال: "في كثير من التحليلات الحديثة، ينصب التركيز على تحولات (التحالفات) و(المحاور)، فيُنظر للحرب في السودان على أنها صراع بين معسكر يضم الإمارات وإسرائيل وأرض الصومال وإثيوبيا في مواجهة معسكر آخر تقوده تركيا والسعودية ومصر والصومال".

ترتيبات ظرفية

غير أن هذا التصور، بحسب وجهة نظره، "يغفل حقيقتين أساسيتين: أولا، هذه ليست تحالفات بالمعنى التقليدي، بل ترتيبات ظرفية قائمة على المصالح، تجمع أطرافا خارجية ذات أهداف متباينة، فقد اتسمت سياسات دول مثل تركيا والإمارات وقطر دائما بطابع براغماتي وانتهازي".

ولذا، فإن هذه الترتيبات، حسب وجهة نظر الكاتب، "لا تستمر إلا إذا واصلت الأطراف الخارجية توفير الموارد والأسلحة والدعم الدبلوماسي، دون أن تتعرض في المقابل لخسائر كبيرة في سمعتها".

وثانيا، يعتقد الكاتب أن "قادة دول القرن الإفريقي هم من يديرون هذه العلاقات إلى حد كبير؛ إذ يوظفون الدعم الخارجي لخدمة مصالحهم الداخلية والإقليمية".

وقدر أن "تدخلات الدول الخليجية كانت ممكنة لأنها كانت تعيش حالة سلام مع إيران، لكن هذا لم يعد قائما اليوم".

وفي ضوء ذلك، توقع المقال أن "يطول أمد الحرب الأهلية في السودان، نتيجة انشغال دول الخليج بأولويات أخرى، ما يقلل من فرص تحقيق أي من الطرفين نصرا حاسما في المدى القريب".

وفيما يتعلق بالصومال وإقليم "أرض الصومال" الانفصالي وإثيوبيا، يرى المقال أن الحرب مع إيران ستؤثر عليهم بطريقة مختلفة.

إذ رجح أن "يتراجع الزخم اللافت في الزيارات الدبلوماسية التي قام بها قادة دول الخليج إلى كل من إثيوبيا والصومال خلال الفترة الممتدة من عام 2023 وحتى مطلع 2026، حيث سعت هذه الزيارات إلى التأثير في المسارات السياسية وتعزيز المصالح الاستثمارية واللوجستية لتلك الدول".

ولفت إلى أنه "مع تباطؤ هذا النشاط، سيجد الفاعلون في القرن الإفريقي أنفسهم أمام واقع جديد يقوم على تراجع الدعم الخارجي والوساطة السياسية، وهو ما قد يقود إما إلى تهدئة مؤقتة للتوترات أو، على العكس، إلى تصعيد سريع في النزاعات القائمة". 

من جانب آخر، زعم المقال أن "تفقد قضية اعتراف إسرائيل بأرض الصومال أهميتها على أجندة دول مثل قطر والسعودية، وكذلك مصر وتركيا، التي عارضت هذا الاعتراف".

"كما أن مطالبة الصومال المستمرة بضم أرض الصومال مجددا قد تواجه تراجعا في الدعم الخارجي"، على حد قوله.

في المقابل، قد تستغل أديس أبابا هذا الفراغ، فحسب المقال، "يُعد سعي إثيوبيا للحصول على منفذ إلى البحر الأحمر من أبرز القضايا التي تقف وراء التحركات الدبلوماسية الأخيرة في منطقة القرن الإفريقي".

ولذا، لم يستبعد الكاتب أنه "مع انشغال السعودية بشكل متزايد بالملف الإيراني، قد تشعر أديس أبابا بقدر أكبر من الثقة للمضي قدما في إضفاء الطابع الرسمي على وصولها إلى البحر عبر (أرض الصومال)، التي وقعت معها اتفاقا في عام 2024".

مصر وتركيا

وعلى غرار إثيوبيا، قدر الكاتب أن الحرب قد تدفع دولتين غير خليجيتين لمزيد من الانخراط في المشهد الإفريقي: تركيا ومصر.

إذ يرى أن "بإمكان أنقرة أن تواصل اتباع نهج براغماتي في سياستها الخارجية في القرن الإفريقي، طالما لم تُستدرج بشكل مباشر إلى مواجهة مع إيران، بل قد يشكل انشغال دول الخليج فرصة لأنقرة لتعزيز نفوذها الإقليمي".

وأضاف: "قد يتجلى ذلك، على سبيل المثال، في سعيها لدعم الصومال في استعادة السيطرة على (أرض الصومال) ومناطق أخرى تتمتع بحكم ذاتي".

وأردف: "كما قد تعمل على دفع إثيوبيا إلى خفض التوتر مع إريتريا، أو المساهمة في تحقيق توازن في علاقاتها مع مصر".

في المحصلة، من شأن هذه التحركات -حسب وجهة نظره- أن تعزز مكانة تركيا خارج نطاقها الإقليمي، وتكرس صورتها كقوة دولية صاعدة.

أما انخراط مصر في المنطقة، فيقدر المقال أنه "محكوم على وجه الخصوص بهاجس وجودي يتعلق بنهر النيل، لا سيما بالنزاع مع إثيوبيا حول سد النهضة، المقام على النيل الأزرق".

وأشار إلى أن "القاهرة تخشى أن يؤدي هذا السد إلى تقليص تدفق المياه التي تعتمد عليها الزراعة والاقتصاد والسكان في البلاد".

مع ذلك، ثمة عامل آخر مهم يحرك أنقرة والقاهرة، إذ أكد المقال على أن "احتواء تنامي النفوذ الإسرائيلي في الشرق الأوسط الأوسع والقرن الإفريقي يمثل لهما أولوية إستراتيجية".

وعزا ذلك إلى أن "تعاظم دور إسرائيل من شأنه أن يضعف طموحات تركيا للعب دور الوسيط في المنطقة، كما قد يصعّب على مصر مهمة موازنة نفوذ إثيوبيا".

في المقابل، ذهب المقال إلى رؤية تحليلية مغايرة مفادها أن "نفوذ إسرائيل المتزايد قد يدفع القاهرة إلى إعادة صياغة مقاربتها تجاه إثيوبيا".

وفق هذا السيناريو، "قد يسعى كل من مصر وتركيا إلى تقديم حوافز دبلوماسية لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، مثل إتاحة وصول محدود أو رمزي إلى البحر الأحمر عبر ميناء بربرة في (أرض الصومال)، مقابل تعهد أديس أبابا بالتأكيد على وحدة أراضي الصومال وعدم الاعتراف بالإقليم الانفصالي".

واستدرك: "غير أن هذا السيناريو يبدو غير مرجح، نظرا لأن كلا من مصر وتركيا لا يمتلكان القدرة الفعلية على إعادة توحيد الصومال".

الفاعل الحقيقي

ورغم كل هؤلاء الفاعلين الإقليميين، يرى الكاتب أن "دول المنطقة تظل القوى الفاعلة الحقيقية في القرن الإفريقي، فهي التي تمتلك القدرة والمصالح الكفيلة بتشكيل مخرجات المشهد".

أما لجوؤهم إلى استقطاب داعمين خارجيين إلى المنطقة، فيُفسره المقال على أنه "كان وسيلة في كثير من الأحيان لموازنة بعضهم بعضا، بهدف تأمين الموارد والاعتراف والدعم الدبلوماسي".

وتابع: "ما تغير بفعل الحرب ضد إيران ليس هو الجهة التي تحدد أجندة القرن الإفريقي، بل الظروف الخارجية التي يعمل الفاعلون في ظلها لتحقيق أهدافهم".

في المحصلة، أكد المقال على أنه "بعد عقود من السياسة الخليجية الانتهازية في القرن الإفريقي استنادا إلى الاستقرار في منطقة الخليج، انقلبت الأمور الآن بحيث قد تصبح قدراتهم على التحرك بفاعلية في القرن الإفريقي محدودة".

"في الوقت ذاته، ستظل النزاعات والمنافسات الكامنة في القرن الإفريقي تتفاعل فيما بينها بطرق غير متوقعة، بغض النظر عن حجم انخراط القوى الخارجية"، وفق تحليله.