أنقرة تُقنن عقيدتها البحرية.. ماذا يعني قانون "الوطن الأزرق" للمنطقة؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

أكدت أنقرة رسميا أنها تدفع بمشروع قانون جديد يهدف إلى تحديد صلاحيات الدولة في مناطق ولايتها البحرية، وهي الخطوة التي تطلق عليها وسائل الإعلام الدولية اسم "قانون الوطن الأزرق".

وأشارت أنقرة إلى أن هذا المشروع بوصفه مجرد تشريع إطار فني، يرمي إلى تنظيم المسؤوليات والصلاحيات في المجال البحري وسد الثغرات في القوانين الداخلية.

حساسية مفرطة

وأوضح المتحدث باسم وزارة الدفاع التركية، اللواء بحري زكي أكتورك، في إحاطة إعلامية عقدها بأنقرة، أن مشروع القانون يستهدف "تحديد المسؤوليات داخل مناطق ولايتنا البحرية ومعالجة النواقص في التشريعات الداخلية".

وأضاف أن وزارة الدفاع أسهمت في صياغة الجوانب العسكرية والفنية لهذا التشريع، مؤكدا أن القوات المسلحة ستواصل الدفاع بحسم وقوة عن مصالح تركيا العليا.

وفي السياق، قالت مجلة "إيبوك" العبرية: إنه “رغم أن القانون لم يطرح بعد على طاولة البرلمان التركي، فإن وسائل الإعلام القريبة من الدوائر الحاكمة بدأت بالفعل في إبراز أهميته البالغة”.

وتابعت: "إذ ذكرت صحيفة (حريت ديلي نيوز) في تقرير نشرته أخيرا أن المسودة المقترحة قد تمنح الرئيس رجب طيب أردوغان صلاحية إعلان مناطق بحرية معينة كأقاليم ذات (وضع خاص) في خطوة تهدف إلى ترسيخ المواقف التركية القائمة قانونيا".

إلا أن المجلة تقدر أن "الأبعاد السياسية لهذا القانون تتجاوز بكثير مجرد الديباجة الرسمية، فعقيدة (الوطن الأزرق) تقوم بالأساس على المطالبة بحقوق تركية شاسعة في الجرف القاري والمناطق الاقتصادية الخالصة، مع رفض قاطع للمطالب اليونانية والقبرصية المقابلة".

وتعتقد المجلة أن "خطوة الدفع بمشروع القانون تكتسب حساسية مفرطة في هذا التوقيت، بالنظر إلى الاكتشافات الضخمة لملفات الغاز الطبيعي في شرق المتوسط خلال السنوات الأخيرة".

ووفقا لتقرير نشرته وكالة “بلومبيرغ”، فإن هذا القانون قد يمثل الخطوة الرسمية الأولى لأنقرة لتثبيت وترسيخ مطالبها المتعلقة بموارد الغاز الواعدة في المناطق المتنازع عليها.

وشددت المجلة على أن "هذا التوتر المحموم لا يقف عند حدود التنظير، ففي عام 2020 اقتربت تركيا واليونان من حافة الصدام العسكري المباشر، على خلفية الأنشطة التي قامت بها سفينة الأبحاث التركية (عروج ريس) في مناطق بحرية متنازع عليها".

وأضافت أنه "حتى بعد اللقاءات الإيجابية النسبية التي جمعت أردوغان ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، لا تزال تركيا تتمسك بقرارها الصادر عام 1995، والذي يعد أي توسيع يوناني للمياه الإقليمية بمثابة سبب مباشر لإعلان الحرب".

من جهته، "أبدى الجانب اليوناني في محطات سابقة ردود فعل حادة تجاه خطوات مشابهة من جانب أنقرة، مقدرا أن الخطط التركية تفتقر تماما إلى أي أساس في القانون الدولي، وتمثل محاولة سافرة للمساس بمناطق تقع تحت السيادة اليونانية الخالصة"، وفق المجلة.

ورغم أنه ليس من الواضح في هذه المرحلة متى سيُقدم مشروع القانون إلى البرلمان التركي ومتى يُناقش، إلا إن المجلة أفادت بأن "مجرد إحراز تقدم فيه قد يُشير إلى تصعيد في سياسة أنقرة في المجال البحري، بعد سنوات من النزاعات مع أثينا ونيقوسيا حول بحر إيجة وقبرص وشرق المتوسط".

قلق متزايد

في السياق ذاته، تحدثت صحيفة "معاريف" عن التشريع التركي المرتقب محذرة من أن "البحر الأبيض المتوسط ​​على وشك الانفجار، وأن القانون المثير للجدل سيشعل المنطقة".

وأبرزت الصحيفة العبرية تصريحات دولت بهجلي، زعيم حزب الحركة القومية والشريك الرئيسي للرئيس أردوغان، حيث حذر أخيرا من أن تركيا سترد على أي تحركات تتجاهل مطالبها البحرية أو حقوق القبارصة الأتراك.

ولفتت الصحيفة إلى أن "تصريحاته جاءت بعد تعزيز التعاون في مجالات الأمن والطاقة بين فرنسا واليونان وقبرص وإسرائيل، وهو تطور تتابعه أنقرة بقلق متزايد".

وأوضحت الصحيفة أنه "بحسب مزاعم نُشرت على موقع (تركيا اليوم)، ترى أنقرة أن التقارب بين إسرائيل واليونان وقبرص وفرنسا في ملفات الطاقة والأمن يعكس تشكل واقع إقليمي جديد".

وأردفت الصحيفة العبرية: "وفق هذا الطرح، لا يتعلق الأمر بإعلان حرب رسمي، بل بتحالف يهدف إلى (عزل تركيا وخنقها)".

من جانبه، كان الاتحاد الأوروبي قد هدد سابقا بفرض عقوبات على تركيا بسبب أنشطة الحفر والاستكشاف في شرق المتوسط، بعد أن اتهمتها اليونان وقبرص بانتهاك حقوقهما السيادية.

في المقابل، دعت واشنطن كلا من اليونان وتركيا إلى الحفاظ على الحوار بشأن الخلافات المتعلقة باستكشاف الطاقة والصلاحيات البحرية.

ونوهت الصحيفة إلى أن “التشريع التركي المرتقب يأتي بعد أشهر من تبادل الاتهامات بين أنقرة وأثينا حول الخرائط البحرية وقيود الصيد”.

وتابعت: "ففي أبريل/ نيسان 2026، اتهمت وزارة الخارجية التركية اليونان بنشر خرائط لتقييد الصيد في مناطق تقول أنقرة إنها لا تخضع للسيادة اليونانية، ووصفت ذلك بأنه انتهاك لمجالات الولاية البحرية التركية، بينما رفضت اليونان هذه الاتهامات مؤكدة أن مواقفها تستند إلى القانون الدولي".

وتوقعت أنه "في حال تقديم مشروع القانون واعتماده، فإنه قد يعيد اختبار التحسن الهش في العلاقات بين تركيا واليونان، بعد سنوات من التوترات المرتبطة بالهجرة والأنشطة العسكرية واستكشافات الطاقة والنزاعات الإقليمية".

واختتمت الصحيفة حديثها بالقول: "بالنسبة لأنقرة، يُنظر إلى هذه الخطوة بصفتها محاولة لترسيخ مطالبها، بينما تراها أثينا ونيقوسيا محاولة لفرض وقائع قانونية وسياسية جديدة في واحدة من أكثر مناطق شرق البحر المتوسط حساسية".

دولة صلبة

وفي تعليقهم على التشريع التركي المقترب، “حذر محللون في معهد الدفاع عن الديمقراطيات الأميركي من أن تحصين عقيدة الوطن الأزرق بنص القانون قد يحول الخلاف السياسي -الذي يتسم بالمرونة النسبية- إلى سياسة دولة جامدة، يكون من الصعب جدا التراجع عنها في المستقبل".

ووصف مدير البرنامج التركي في المعهد،  سنان جيدي، هذه الخطوة بأنها "تصعيد مدروس" من جانب أردوغان، بحسب زعمه.

وأشار إلى أن "المعضلة لا تكمن في المطالب القانونية بحد ذاتها فحسب، بل في مواكبة هذه المطالب بأدوات عسكرية وسفن أبحاث على الأرض".

ووفقا لجيدي، فإن "التداعيات المترتبة على هذه الخطوة تتجاوز المخاطر الأمنية لتلقي بظلالها على الجانب الاقتصادي المثقل، إذ إن مشاريع الطاقة، ومد كابلات الكهرباء، وتشييد البنى التحتية البحرية تعتمد بالأساس على الاستقرار القانوني والوضوح التنظيمي".

وأضاف: "كلما عمدت تركيا إلى تثبيت مواقف تتعارض بالكلية مع مواقف اليونان وقبرص، تضاعفت المخاطر التي تواجه المستثمرين وشركات الطاقة الدولية، وهو أمر قد يفضي إلى عزوف الاستثمارات الحيوية لضمان أمن الطاقة في أوروبا".

وحذرت مجلة "إيبوك" من أن "القانون التركي، رغم عدم استهدافه إسرائيل بشكل مباشر، إلا أن تداعياته وانعكاساته قد تطالها بصورة غير مباشرة".

وعزت ذلك إلى أن "مشاريع الطاقة والربط الإقليمي التي تجمع إسرائيل مع قبرص واليونان ومصر، ترتكز بالكامل على الاستقرار الأمني والقانوني في المجال البحري ذاته".

"ومن ثم، فإن مأسسة عقيدة (الوطن الأزرق) داخل التشريعات الوطنية من شأنها إضافة طبقة جديدة من الغموض والمخاطر الهيكلية أمام هذه المشاريع، حتى وإن لم تكن إسرائيل هي المستهدف المباشر من هذا التحرك"، وفق ادعاء المجلة العبرية.