حتى لو توقفت الحرب.. لماذا تستمر أسعار الطاقة في الارتفاع حتى 2027؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

أكدت مجلة أميركية أن تأثير الحرب الإيرانية على أسواق الغاز قد يستمر لسنوات، مشيرة إلى أنه حتى لو انتهت الحرب، فسيستغرق الأمر وقتا للعودة إلى التدفقات الطبيعية للطاقة.

وفي تقرير لها، قالت مجلة "فورين بوليسي"، إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خفّض من حدة ارتفاع أسعار النفط ودعم الأسواق المالية المتعثرة، بإعلانه في منشور على منصة "تروث سوشيال" في 23 مارس/آذار، أن إدارته أجرت "محادثات بنّاءة" مع إيران.

إستراتيجية ناجحة

وجاء هذا الإعلان بعد يومين فقط من تهديد ترامب بتدمير البنية التحتية للكهرباء في إيران إذا لم تفتح مضيق هرمز، وهو ما لم تفعله طهران.

وصرح ترامب لاحقا بأن مبعوثه للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، وصهره جاريد كوشنر، أجريا محادثات مع مسؤول إيراني رفيع المستوى، لكنه امتنع عن الكشف عن هويته.

مع ذلك، نقلت وسائل إعلام موالية للنظام الإيراني عن وزارة الخارجية نفيها أي اتصالات، مباشرة أو غير مباشرة، مع الولايات المتحدة.

كما نفى محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني والوسيط المزمع في المحادثات الأميركية، التفاوض مع واشنطن، وقال إن رسالة ترامب تهدف إلى التلاعب بالأسواق.

وقد أثمرت هذه الإستراتيجية، على الأقل في الأسواق؛ إذ انخفضت أسعار النفط، وارتفعت أسواق الأسهم الأميركية.

وبغض النظر عما إذا كانت الولايات المتحدة وإيران تجريان محادثات من شأنها أن تُفضي إلى وقف إطلاق النار، تواصل إسرائيل هجماتها على إيران؛ حيث شنت ضربة كبيرة على طهران عقب رسالة ترامب.

وقال التقرير: "حتى لو انتهت هذه الحرب المستمرة منذ أربعة أسابيع، فإن سوق النفط سيظل يواجه أسابيع وشهورا من المعاناة بسبب تراكم النفط في ناقلات النفط وإغلاق منشآت الإنتاج، مما سيُخلّف فجوة هائلة تُقدّر بنحو 9 ملايين برميل يوميا في الإمدادات العالمية خلال أبريل/نيسان".

وهذا أحد الأسباب التي تدفع مسؤولي شركات النفط إلى التحذير من أن السوق في الواقع أكثر شحا مما يعتقده المتداولون، ولذا تتوقع بنوك استثمارية مثل "غولدمان ساكس" أن تبقى أسعار النفط عند مستويات ثلاثية الأرقام في المستقبل القريب.

ولهذا السبب أيضا، عرض ترامب تخفيف العقوبات ليس فقط على روسيا -مما يسمح ببيع النفط الخام الروسي العالق سابقا والخاضع للعقوبات بحرية، وبالتالي إثراء الكرملين- بل أيضا على إيران.

وقال التقرير: "سيمكن تخفيف العقوبات المفروضة على طهران من جني مليارات الدولارات من الإيرادات الإضافية عن طريق بيع نفطها بأسعار السوق، وليس بخصومات، لمشترين راغبين في آسيا، وخاصة الصين".

وقد رفض ترامب المخاوف من أن يؤدي تخفيف العقوبات إلى إثراء النظام الذي يخوض حربا ضده، قائلا: "أنا فقط أريد أن يكون هناك أكبر قدر ممكن من النفط في السوق".

الأكثر تأثرا

واستدركت المجلة، قائلة: "لكن سوق الغاز الطبيعي المسال سيكون على الأرجح الأكثر تأثرا، سواء على المدى الفوري أو الطويل من هذه الحرب".

ويمر نحو خُمس الغاز الطبيعي المسال العالمي عادة عبر مضيق هرمز، الذي يظل فعليا مغلقا أمام السفن الحاوية وناقلات البضائع والناقلات من جميع الأنواع، باستثناء عدد قليل تسمح إيران بمروره.

ويذهب نحو 90 بالمئة من الغاز الخارج من الخليج العربي -لا سيما من قطر والإمارات- إلى آسيا، وحاليا تصل آخر ناقلات ما قبل الحرب بحمولاتها، فيما لا توجد ناقلات أخرى في الطريق.

وقالت خبيرة الغاز الطبيعي في مركز كولومبيا لسياسات الطاقة العالمية، آن-صوفي كوربو، إن "الأمر له تأثير كبير على الصين واليابان وتايوان وباكستان وبنغلاديش".

وأضافت: "بعض الدول أكثر تأثرا من غيرها، لكن الغاز يُستخدم في توليد الطاقة والصناعة في جميع أنحاء آسيا، لذا ستكون هناك تأثيرات متتالية".

وتتجلى الاضطرابات، والنقص الوشيك في إمدادات الغاز الطبيعي المسال، بوضوح في أسعار الغاز في آسيا، التي تضاعفت منذ بدء الحرب.

وتسعى بعض الدول الآسيوية للحصول على إمدادات الغاز الطبيعي المسال من السوق الفورية، بدلا من الاعتماد على العقود طويلة الأجل، بينما تسعى أوروبا للحصول على العديد من هذه الشحنات الفورية نفسها.

ودولة واحدة فقط يبدو أنها ستستفيد، فوفق التقارير، تجري فيتنام مفاوضات مع شركة "نوفاتيك" الروسية للحصول على إمدادات من القطب الشمالي.

هذه الأسعار المرتفعة تؤثر مباشرة على المستهلكين من حيث ارتفاع فواتير الكهرباء، وعلى القطاع الصناعي أيضا.

أما الجانب السلبي بالنسبة لمستهلكي الغاز، وخاصة في آسيا وأوروبا، هو أنه، حتى لو انتهت الحرب الأميركية-الإسرائيلية سريعا وعادت حركة الملاحة في مضيق هرمز إلى طبيعتها، فإن عودة تدفقات الطاقة إلى وضعها الطبيعي ستستغرق وقتا، وفق التقرير.

فقد أوقفت قطر، ثاني أكبر مُصدّر للغاز الطبيعي المسال في العالم بعد الولايات المتحدة، جميع عمليات الإنتاج في منشأة رأس لفان الضخمة بعد هجومين إيرانيين، حيث تعرضت وحدتان من أصل 14 وحدة، أو "قطارات" التسييل، لأضرار جسيمة.

وأضافت كوربو: "يجب إعادة تشغيل هذه القطارات تباعا، قطارا أو اثنين في كل مرة، وببطء شديد. وإذا سارت الأمور على ما يرام، فستستغرق عملية إعادة التشغيل الكاملة من أربعة إلى ستة أسابيع.. لن يعود هذا النظام إلى العمل فورا".

خسارة بالمليارات

وبحسب "فورين بوليسي"، فإن بعض أجزاء تلك المنشأة لن تعود للعمل لسنوات.

وأوضحت شركة قطر للطاقة أن وحدتي التسييل المتضررتين، اللتين تمثلان نحو 17 بالمئة من إنتاج قطر من الغاز الطبيعي المسال، ستستغرق إصلاحهما بين ثلاث وخمس سنوات، مع خسارة تقدر بـ20 مليار دولار سنويا عن كل عام توقف فيه الإنتاج.

وبينما ستدخل إمدادات إضافية من الغاز الطبيعي المسال حيز التشغيل هذا العام في أستراليا وكندا والولايات المتحدة، فإن هذه الإمدادات كانت تهدف إلى تعزيز سوق الغاز العالمي، لا إلى إعادته لمستواه قبل الحرب، وفق المجلة.

وهذا يعني أنه في أفضل الأحوال، سيتأجل ازدهار سوق الغاز الطبيعي المسال العالمي الذي كانت أوروبا وآسيا تعوّلان عليه هذا الصيف إلى وقت لاحق من العام 2027.

وقالت كوربو: "سيكون الوضع في عام 2026 مماثلا للعام الماضي، وقد لا نشهد انفراجة كبيرة حتى عام 2027".

وأوضحت المجلة أن هذا الوضع سيئ لآسيا، التي تعتمد بشكل كبير على تدفقات الغاز من الخليج العربي، ولكنه أيضا نبأ سيئ لأوروبا، التي تعاني من أزمة طاقة منذ الغزو الروسي لأوكرانيا قبل أربع سنوات.

فقد كانت أوروبا تعوّل على انتعاش سوق الغاز هذا الصيف لإعادة ملء مخزونها من الغاز الطبيعي، لتكون قادرة، مرة أخرى، على تجاوز شتاء آخر من الهجمات الروسية على منشآت الطاقة الأوكرانية، والتي غالبا ما تتطلب تزويد كييف بالوقود.

ووفق كوربو، فإن "التخزين هو أهم شيء هذا العام، وستحتاج أوروبا إلى الكثير من الغاز الطبيعي المسال عام 2026 لأن مستويات التخزين أقل من العام 2025".