أكاديمي قطري: الصراع الأميركي الإيراني لا يمثل معركة المنطقة

العتيبي: تحرص قطر دائما على النأي بنفسها عن الدخول في الصراعات أو الانجرار إليها
في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، تتقاطع فيها مسارات الحرب والتهدئة، عقب التوصل إلى وقف إطلاق نار مؤقت بين إسرائيل ولبنان، وفي ظل تداعيات ممتدة للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، تتصاعد الأسئلة حول موقع دول الخليج من هذا المشهد، وحدود خياراتها بين الانخراط المباشر أو تبني سياسات ضبط النفس.
هذه التطورات لم تعد مجرد صراع تقليدي، بل تحولت إلى معادلة مركبة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع رهانات الطاقة، وتتشابك فيها مصالح القوى الكبرى مع أولويات الأمن الإقليمي، ما يضع دول المنطقة أمام اختبارات دقيقة تتعلق بكيفية إدارة المخاطر دون التفريط في المصالح الإستراتيجية.
في هذا السياق، يقدّم الأستاذ المساعد في قسم الشؤون الدولية بجامعة قطر، الدكتور عبد الله بندر العتيبي، قراءة معمقة للمقاربة القطرية، بوصفها نموذجًا لسياسة تقوم على التوازن بين الحزم وضبط النفس، وعلى إدارة الأزمات عبر أدوات دبلوماسية طويلة النفس، لا تنحصر في ردود الفعل الآنية.
ويكشف العتيبي، في هذا الحوار مع "الاستقلال"، عن ملامح هذه المقاربة، مؤكدًا أن الدوحة اختارت مسارًا يقوم على "الصبر الإستراتيجي" و"الضبط النفسي"، مع الحفاظ على حقها في الدفاع عن السيادة، دون الانجرار إلى صراع لا يخدم مصالح المنطقة.
كما يسلّط الضوء على دور الوساطة كركيزة ثابتة في السياسة الخارجية القطرية، وعلى طبيعة التحركات الإقليمية والدولية لاحتواء التصعيد، وحدود فرص بناء تحالفات جديدة، إضافة إلى قراءة التباينات داخل الخليج، وسيناريوهات المرحلة المقبلة في ظل هدنة لا تزال هشة وقابلة للانهيار.

التوازن القطري
كيف أدارت الدوحة التوازن بين الحزم وضبط النفس رغم الاعتداءات الإيرانية؟
تنطلق السياسة القطرية من أساس دستوري واضح؛ حيث تنص المادة السابعة من الدستور على أن الدولة تسعى إلى تحقيق السلم والأمن الدوليين، وتعزيز الاستقرار عبر الوسائل السلمية. هذا الإطار ليس مجرد نص نظري، بل يشكل قاعدة عملية توجه سلوك الدولة في بيئة إقليمية معقدة مثل الشرق الأوسط.
وبحكم هذا الموقع الجغرافي والسياسي، تدرك قطر أن الانخراط المباشر في الصراعات لا يؤدي إلا إلى تعقيدها، لذلك تركز على دور الوساطة كأداة أساسية لإدارة الأزمات.
لكن هذه الحرب كانت مختلفة؛ إذ وجدت قطر، إلى جانب دول الخليج، نفسها ضمن دائرة الاستهداف، رغم أنها لم تكن طرفًا في أي عمل عسكري، بل على العكس، رفضت استخدام أجوائها لأي عمليات موجهة ضد إيران.
هذا الوضع فرض معادلة دقيقة، تقوم على ضرورة تحقيق توازن بين الحفاظ على السيادة الوطنية، وعدم الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة. ومن هنا جاء خيار “الضبط النفسي والصبر الإستراتيجي” الذي لا يعني الضعف، بل يعكس قدرة على إدارة الأزمة بوعي بعيد عن ردود الفعل الانفعالية.
كما أن تجنب الانخراط في الحرب يستند إلى تقديرات واضحة: أولها أن هذه الحرب ليست حرب المنطقة ولا تعبر عن مصالحها المباشرة، وثانيها أن الدخول فيها لن يحقق مكاسب حقيقية، بل سيضيف أعباء إستراتيجية واقتصادية وأمنية.

العقيدة الدبلوماسية
إلى أي مدى يمكن عدّ هذا الموقف امتدادًا لعقيدة دبلوماسية راسخة؟
هذا الموقف ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد طبيعي لعقيدة دبلوماسية متجذرة في السياسة الخارجية القطرية، تقوم على مبادئ السلم والاستقرار، وعلى لعب دور الوسيط في النزاعات.
قطر، منذ سنوات، تبنّت نهجًا واضحًا يقوم على الانخراط في تسوية الأزمات بدلًا من التورط فيها، وقد شاركت في عدد كبير من الوساطات الإقليمية والدولية، ما يعكس رؤية إستراتيجية طويلة الأمد.
هذا النهج يقوم على فكرة أن الاستقرار الإقليمي لا يتحقق عبر موازين القوة العسكرية فقط، بل عبر بناء مسارات للحوار، وتوفير قنوات تواصل بين الأطراف المتنازعة.
ومن هنا، فإن النأي بالنفس عن الصراعات لا يعني الحياد السلبي، بل هو جزء من إستراتيجية أوسع تهدف إلى لعب دور فاعل في تهدئة الأزمات واحتوائها.
ما طبيعة التحركات القطرية على المستوى الدولي لاحتواء التصعيد؟
الوساطة ليست عملية بسيطة، بل هي جهد معقد يتطلب تنسيقًا عاليًا بين أطراف متعددة، تشمل ليس فقط الدول المنخرطة في الصراع، بل أيضًا القوى الإقليمية والدولية المؤثرة، وحتى الرأي العام.
إحدى الإشكاليات التي تواجه جهود الوساطة هي تعدد المسارات؛ إذ يمكن أن يؤدي ذلك إلى تشتيت الجهود وإضعاف فعاليتها. لذلك، من الضروري التركيز على مسار واحد متماسك يخدم الهدف الأساسي، وهو خفض التصعيد.
في هذا الإطار، دعمت قطر الوساطة التي تقودها باكستان، والتي نجحت في تحقيق تقدم مهم عبر التوصل إلى وقف القتال بين إيران والولايات المتحدة بعد نحو أربعين يومًا من المواجهة.
كما شهدت الفترة الماضية تحركات دبلوماسية مكثفة، شملت زيارات واتصالات رفيعة المستوى، تعكس حجم التنسيق الإقليمي والدولي لدفع الأطراف نحو الحوار.
ولا يقتصر هذا التنسيق على الأطراف المباشرة، بل يمتد إلى قوى كبرى مثل الصين التي تتأثر بشكل مباشر بتطورات سوق الطاقة، خاصة في ظل الحديث عن إغلاق أو إعادة فتح مضيق هرمز.

الوسيط النشط
هل تسعى قطر لبناء مظلة دولية موازنة للحد من التصعيد؟
في هذه المرحلة، من المبكر الحديث عن تشكيل تحالفات دولية جديدة؛ لأن ما نعيشه حاليًا هو هدنة مؤقتة، وليس اتفاقًا دائمًا، ما يعني أن احتمالات عودة التصعيد لا تزال قائمة.
بناء التحالفات يتطلب وضوحًا في الرؤية وتوافقًا في المصالح، وهو ما لم يتبلور بعد بشكل كامل.
السيناريو الأكثر واقعية في الوقت الراهن هو تعزيز أشكال التنسيق الأمني الثنائي بين الدول، بدلًا من الدخول في تحالفات واسعة قد تكون مكلفة ومعقدة.
وفي المقابل، تمتلك قطر خبرة واسعة في مجال الوساطة، مع سجل يتجاوز 30 ملفًا ناجحًا، ما يمنحها قدرة على لعب دور "الوسيط النشط" في هذه المرحلة.
لكن في الوقت ذاته، لا يمكن تجاهل أن التصعيد الإقليمي الحالي أدى إلى تراجع الاهتمام الدولي بملفات أخرى، وعلى رأسها غزة؛ حيث تستمر المعاناة الإنسانية بشكل يومي.
كيف يمكن تفسير التباين بين المقاربة القطرية ومقاربات خليجية أخرى؟
التباين الموجود لا يعكس اختلافًا في الأهداف، بل في الوسائل. فجميع دول الخليج تسعى إلى تحقيق الاستقرار وخفض التصعيد، لكنها تختلف في الأدوات التي تستخدمها لتحقيق هذا الهدف.
بعض الأطراف تميل إلى استخدام أدوات أكثر صرامة أو الاعتماد على مسارات دولية، مثل اللجوء إلى مجلس الأمن، بينما تفضل قطر التركيز على الحلول الدبلوماسية، خاصة عبر الوساطة.
وهناك أيضًا مقاربات مختلفة لدول مثل سلطنة عمان، بحكم موقعها الجغرافي ودورها المرتبط بمضيق هرمز.
بالتالي، ما نشهده هو اختلاف تكتيكي، وليس انقسامًا إستراتيجيًا داخل المنظومة الخليجية.

إدارة الأزمات المركبة
كيف تدير قطر الضغوط المتقاطعة دون أن تفقد استقلال قرارها؟
في العلاقات الدولية، من الطبيعي أن تواجه الدول ضغوطًا متباينة، وتسعى في الوقت ذاته إلى موازنة علاقاتها بما يخدم مصالحها.
قطر تتبنى نهج الحياد الإيجابي الذي يقوم على الحفاظ على قنوات التواصل مع مختلف الأطراف، دون الانخراط في محاور متصارعة.
ما يحدث في المنطقة ليس مجرد صراع تقليدي، بل هو تنافس بين مشاريع إقليمية كبرى، وهو ما يتطلب إدارة دقيقة للأزمة، تقوم على تعزيز الاستقرار بدلًا من تغذية التصعيد.
لذلك، لا يمكن وصف هذا النهج بأنه إدارة تناقضات، بل هو تعبير عن رؤية واضحة تهدف إلى احتواء الأزمات وفتح مسارات للحل.إدراك المخاطر.

كيف تنظر قطر إلى سيناريوهات توسع الحرب؟
هناك احتمال قائم لتوسع الحرب، خاصة في ظل هشاشة الهدنة الحالية، وغياب اتفاق نهائي يضمن استقرارًا طويل الأمد.
لكن في المقابل، تشير المعطيات إلى أن الولايات المتحدة وإيران لا تميلان إلى تصعيد شامل في هذه المرحلة، وهو ما يفتح المجال أمام استمرار الجهود الدبلوماسية.
ومع ذلك، يبقى المشهد مفتوحًا على عدة سيناريوهات، في ظل تعقيد التوازنات الإقليمية والدولية.
كما أن تأثير الحرب لا يقتصر على البعد العسكري، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي، خاصة في قطاع الطاقة، وهو ما يزيد من أهمية احتواء الأزمة.
ما هي رؤيتكم لكيفية تعامل قطر مع المرحلة المقبلة؟
في المرحلة المقبلة، قد نشهد محاولات لإعادة بناء الثقة عبر ملفات مشتركة، مثل الطاقة وأمن الملاحة في مضيق هرمز، لكن هذا المسار يحتاج إلى وقت وجهد كبيرين.
وفي حال فشل جهود التهدئة، ستواصل قطر اعتماد إستراتيجية تقوم على تعزيز قدراتها الدفاعية، مع الاستفادة من شراكاتها الإقليمية والدولية.
وفي جميع الأحوال، يظل خفض التصعيد هو الخيار الأكثر واقعية؛ نظرًا للكلفة العالية لأي تصعيد جديد على جميع الأطراف.
كما أن العلاقة مع الولايات المتحدة تبقى علاقة مؤسساتية مستقرة، قائمة على التعاون في مجالات متعددة، وهو ما يوفر لقطر هامشًا إضافيًا لإدارة التحديات.













