خسارة مزدوجة.. هل يطوي البريطانيون صفحة حزبي "العمال" و"المحافظين"؟

"كلا الحزبين الكبيرين خسرا معا"
"انهيار ونهاية حقبة النظام الحزبي ثنائي القطب"، هكذا يصف خبراء نتائج الانتخابات المحلية التي جرت في بريطانيا، والتي مُني فيها حزب العمال بهزيمة واضحة.
لكن الخسارة لم تقتصر على الحزب الحاكم؛ إذ تلقى خصمه الرئيس؛ حزب المحافظين، ضربة مماثلة، بعدما فشل في حصد الأصوات التي كان عادة ما يكتسبها من تراجع خصمه.
في المقابل، برز حزب "إصلاح المملكة المتحدة" بقيادة نايجل فاراج كأكبر الرابحين في هذه الانتخابات.
من هنا، تساءلت صحيفة "فزغلياد" الروسية عن أسباب هذه النتائج، وانعكاساتها على رئيس الوزراء كير ستارمر، ومستقبل حزب العمال والمحافظين والإصلاح.

خسارة مزدوجة
شهدت بريطانيا مطلع مايو/ أيار 2026 انتخابات بلدية شملت التصويت لاختيار ممثلين في هيئات الحكم المحلي في إنجلترا، إضافة إلى برلماني اسكتلندا وويلز.
وأظهرت النتائج تعرض حزب العمال الحاكم لهزيمة قاسية، في حين بدا حزب "إصلاح المملكة المتحدة" اليميني بزعامة نايجل فاراج هو الرابح الأبرز.
فبعد فرز نحو نصف الأصوات، حصل حزب العمال على 310 مقاعد، لكنه خسر في المقابل 399 مقعدا.
كما فقد الحزب حضوره في ويستمنستر، وهي منطقة رمزية في لندن تضم مقر رئيس الوزراء والبرلمان، إضافة إلى خسارته الأغلبية في بعض المجالس المحلية في مانشستر وييغان.
في المقابل، حقق حزب "إصلاح المملكة المتحدة" 593 مقعدا في المجالس المحلية، ولأول مرة منذ تأسيسه عام 2018 تمكن من الحصول على أغلبية في أحد المجالس البلدية في لندن.
ووصف فاراج هذه النتيجة بأنها "تحول تاريخي حقيقي في السياسة البريطانية". مشيرا إلى أن حزبه نجح في كسب دعم مناطق تقليديا محافظة، وأخرى كانت لعقود طويلة معقلا لحزب العمال.
من جانبه، وصف ستارمر النتائج الأولية بأنها "صعبة"، قائلا: "إنها مؤلمة، ويجب أن تكون مؤلمة، وأنا أتحمل المسؤولية. عندما يرسل الناخبون مثل هذه الإشارة، علينا أن نتأمل ونتفاعل معها".
لكنه شدد في الوقت نفسه على أنه لا ينوي مغادرة منصبه. مضيفا: "الأيام الصعبة مثل اليوم لن تقلل من عزيمتي على إحداث التغيير الذي وعدت به".
وبحسب الصحيفة الروسية، "تتعدد أسباب هزيمة حزب العمال الحاكم؛ إذ يشير أندريه كوليكوف، المدير العام لشركة الأبحاث "يوروب إنسايت"، إلى أن السبب الأول يتمثل في استمرار أزمة إدارة الدولة والسياسة خلال عام 2025.
وأوضح أن الحزب "فشل فعليا في تنفيذ الوعود التي قدمها في برنامجه الانتخابي".
أما السبب الثاني، فأشارت الصحيفة إلى أنه "يتعلق بالجدل الذي أثار تعيين بيتر ماندلسون سفيرا لدى الولايات المتحدة، وهو ما انعكس سلبا على شعبية الحزب".
وأضاف كوليكوف أن "الخلافات الداخلية داخل الحزب والصراع المستمر بين أجنحته المختلفة عززا لدى الناخبين انطباعا بعدم الكفاءة".
وأوضح أنه "تقليديا كانت الانتخابات المحلية في بريطانيا تشهد انتقال أصوات الناخبين بين الحزبين الرئيسين، إذا خسر العمال، استفاد المحافظون والعكس صحيح، إلا أن خصوصية هذه الانتخابات تكمن في أن كلا الحزبين الكبيرين خسر".
وأردف: "السبب في ذلك يعود إلى أن المجتمع البريطاني بات مرهقا من حكم حزب المحافظين طوال 15 عاما؛ حيث لم يشهد مستوى المعيشة تحسنا ملموسا، فضلا عن استمرار تداعيات سياسات رئيس الوزراء الأسبق بوريس جونسون، خاصة ما يتعلق بارتفاع أعداد المهاجرين بشكل قياسي".
بديل للمحافظين
وأشار كوليكوف إلى أن "النصر الحقيقي كان من نصيب حزب الإصلاح البريطاني بزعامة فاراج".
ويعتقد أن عاملين على الأقل أسهما في فوز الحزب، وقال: "أولا، قضية مكافحة الهجرة، التي لاقت صدى أكبر على المستوى المحلي منه على المستوى الوطني".
وأضاف عالم السياسة: "ثانيا، نجح فاراج في إحداث انقسام في صفوف حزب المحافظين، وانضم العديد من السياسيين البارزين من الحزب في السنوات السابقة إلى حزبه خلال الأشهر الأخيرة".
وبحسب تحليله، "زاد هذا بشكل كبير من ثقة الناخبين في الإصلاحيين، الذين بدأ يُنظر إليهم كبديل لحزب المحافظين".
من جانبه، يرى الخبير إيغوروف أن "أحد العوامل الإضافية لصعود فاراج هو قدرته على الحفاظ على إرث تحالفاته السياسية السابقة، بما في ذلك (حزب بريكست)".
من جانبه، يرى الخبير إيغوروف أن "أحد العوامل الإضافية وراء صعود فاراج يتمثل في قدرته على استثمار وتحويل الإرث السياسي لتحالفاته السابقة، وعلى رأسها حزب “بريكست” الذي كان قد أسسه وقاده خلال مرحلة الخروج من الاتحاد الأوروبي".
واستطرد: "وسّع فاراج استغلال هذا الإرث بمهارة، مع توظيف قوي لوسائل التواصل الاجتماعي، الأمر الذي مكّنه من استقطاب الناخب المحافظ المحبط، ومنحه ما بين 25 و30 بالمئة من الأصوات".
من جانبه، أشار عالم السياسة مالك دوداكوف إلى أن "الفاراجيين" فازوا بنسبة 41 بالمئة من المقاعد في الانتخابات المحلية التي جرت عام 2025.
ومع أن دوداكوف أقر أن هذه النسبة لا تزال الأعلى مقارنة ببقية الأحزاب، لكنه يلفت في الوقت نفسه إلى أن هناك شعورا بأن فاراج ربما يكون قد بلغ ذروة شعبيته، خاصة بعد تداعيات حرب إيران "التي كان قد أيدها في البداية، قبل أن يدفعه لاحقا التوتر في سوق الطاقة إلى تغيير موقفه بشكل سريع".
كما أشار إلى أن "علاقات الحزب المتقاربة مع دونالد ترامب لا تحظى بقبول واسع لدى الناخب البريطاني الذي بات ينظر إلى الولايات المتحدة بسلبية؛ حيث يرى 68 بالمئة من البريطانيين أن أميركا تضر بالعالم". وفق الصحيفة.

تمرد داخلي
وفي السياق السياسي الداخلي، أشار دوداكوف إلى أن "الحكومة الحالية تعيش حالة من الانقسام الحاد؛ حيث يطالب بعض الوزراء باستقالة ستارمر، بينما يتمسك آخرون بدعمه".
وأردف: "الانهيار الانتخابي للعمال قد يفتح الباب أمام تمرد داخل الحزب وسقوط الحكومة".
ورغم اتفاق كوليكوف مع هذا التقدير، إلا أنه أشار إلى "وجود أصوات داخل حزب العمال ترى أن النتائج ليست كارثية بالكامل، وبالتالي يمكن منح ستارمر فرصة لتصحيح المسار".
ويرى كوليكوف أن "مسألة بقاء رئيس الوزراء ستتضح خلال شهر واحد، موضحا أن ستارمر قد يحاول المناورة واتخاذ إجراءات سياسية لاحتواء الأزمة".
واستدرك الرئيس التنفيذي لشركة الأبحاث "يوروب إنسايت": "لكن قدرته على الفعل ستتقلص إذا بدأ الوزراء في الاستقالة بشكل متتابع ومعلن، ما قد يضعه أمام خيار وحيد وهو الرحيل".
وفيما يتعلق بخليفته المحتمل، قال كوليكوف: "الصورة ما تزال غير واضحة؛ إذ لا توجد شخصية واحدة بارزة قادرة على خلافته".
وأضاف أن "الخيارات متعددة، لكن أي قيادة جديدة لن تتجه على الأرجح إلى الدعوة لانتخابات مبكرة، خوفا من نتائج قد تكون كارثية على الحزب".
وأشار أيضا إلى أن "حزب العمال قد يدخل في مرحلة تغيير متكرر للقيادة نتيجة عدم الرضا عن الأداء دون تحسن في الشعبية، في وقت بدأت فيه ملامح تحول النظام الحزبي في بريطانيا من ثنائية تقليدية إلى تعددية قد تضم خمسة أحزاب رئيسية، وهو اتجاه يتوقع أن يتعزز خلال المرحلة المقبلة".
أما إذا تمكن ستارمر من البقاء، فيرجح كوليكوف أنه "سيجري تعديلا واسعا في الحكومة يشمل إبعاد الوزراء غير الموالين، في محاولة لإنقاذ موقعه السياسي".
رغم ذلك، أكد كوليكوف أن "المرحلة الحالية لا تسمح برؤية سياسية واضحة؛ لأن ستارمر منشغل أساسا بالبقاء في السلطة، مع توقع تصاعد النزعات الشعبوية والبحث عن حلول سياسية سريعة لإطالة عمر حكومته".
ومن وجهة نظر إيغوروف، فإن "بقاء ستارمر في منصبه يعود أساسا إلى غياب بديل مناسب داخل حزب العمال؛ إذ لا يمكن لعمدة مانشستر الكبرى أندرو بيرنهام الترشح لعدم كونه عضوا في مجلس العموم، كما أن أسماء أخرى محتملة مثل أنجيلا راينر لا توفر بديلا مقنعا".
وعليه، خلص إلى أن "ساحة البدائل داخل الحزب ما تزال محدودة، ولا تتيح حتى الآن اختيار قيادة بديلة واضحة".
















