موجة مستمرة منذ عام 2015.. إلى أين يتجه ملف الاغتيالات في عدن؟

خطورة اللحظة الحالية، تكمن في أن عدن لا تواجه مجرد جرائم قتل منفصلة، بل إرثا كاملا من الاغتيالات السياسية والأمنية
في مساء 3 مايو/أيار 2026، شهدت مدينة عدن جريمة أعادت إلى الواجهة مشاهد الاضطراب الأمني التي طبعت المرحلة التي أعقبت الحرب. فقد اعترض مسلحون يرتدون ملابس مدنية ويستقلون سيارة زرقاء طريق وسام قائد، القائم بأعمال المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية، أثناء خروجه من حي إنماء السكني في مديرية البريقة، واقتادوه تحت تهديد السلاح إلى جهة مجهولة، قبل أن يُعثر عليه مقتولًا بعد ساعات.
وأثارت الجريمة التي وثقت لحظة الاختطاف فيها عبر تسجيلات مصورة متداولة، ردود فعل واسعة في الأوساط اليمنية، حيث لم تُقرأ كحادثة جنائية عابرة، بل كدلالة على عودة نمط أمني مألوف في عدن منذ عام 2015، يقوم على الاغتيالات المنظمة وعمليات الخطف التي تنتهي بالتصفية، بما يعكس قدرة على تنفيذ هجمات دقيقة داخل مدينة يُفترض أنها تخضع لانتشار أمني كثيف.
سر العملية
لم تكن خطورة اغتيال وسام قائد مرتبطة فقط بطريقة التنفيذ، بل بطبيعة الشخصية المستهدفة نفسها. فالرجل لم يكن قائدًا عسكريًا أو مسؤولًا أمنيًا أو شخصية حزبية منخرطة في صراع سياسي مباشر، بل مسؤولًا تنمويًا يرتبط عمله بمشاريع تمويل ومساعدات وإعادة إعمار.
ولهذا رأى يمنيون أن الرسالة تتجاوز استهداف شخص بعينه، إلى محاولة ضرب صورة عدن بصفتها عاصمة مؤقتة مستقرة، يمكن أن تعمل فيها المؤسسات الدولية والجهات المانحة.
وجاءت الحادثة بعد أيام قليلة من اغتيال القيادي في حزب التجمع اليمني للإصلاح عبد الرحمن الشاعر، في 25 أبريل/نيسان 2026، أثناء توجهه إلى مقر عمله في مديرية المنصورة، في عملية نفذها مسلحون مجهولون. وبين الجريمتين، أعلنت السلطات الأمنية ضبط خلية قالت إنها كانت تخطط لتنفيذ سلسلة اغتيالات جديدة تستهدف شخصيات اجتماعية ودينية وسياسية.
لكن الإعلان الأمني لم يبدّد حالة القلق في الشارع العدني، بل فتح الباب أمام تساؤلات أوسع: هل تواجه المدينة انفلاتًا أمنيًا جديدًا؟ أم أن ما يجرى يمثل عودة لشبكات التصفية القديمة التي نشأت خلال سنوات الحرب، ثم عادت للتحرك مع تغير التوازنات السياسية والعسكرية في الجنوب؟
هذه الأسئلة لم تأت من فراغ، بل من ذاكرة طويلة من الاغتيالات التي شهدتها عدن منذ تحريرها من الحوثيين في يوليو/تموز 2015، حين تحولت المدينة إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات السياسية والأمنية، في ظل تعدد الأجهزة المسلحة وتداخل النفوذ المحلي والإقليمي.

مدينة الخوف
بعد خروج الحوثيين من عدن منتصف عام 2015، بدا أن المدينة تتجه نحو تثبيت سلطة الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا برئاسة عبد ربه منصور هادي، غير أن الواقع الميداني اتخذ مسارًا مختلفًا.
فقد تشكلت خلال أشهر قليلة خارطة أمنية جديدة تضم تشكيلات مسلحة متعددة الولاءات، بعضها مرتبط بالحكومة، وأخرى مدعومة مباشرة من الإمارات، التي لعبت دورًا محوريًا في الجنوب اليمني بعد تدخل التحالف العربي.
في تلك المرحلة، بدأت موجة اغتيالات واسعة استهدفت أئمة مساجد، وقيادات في حزب الإصلاح، وضباطًا عسكريين، وشخصيات أكاديمية واجتماعية. وتكررت أنماط التنفيذ بصورة لافتة: مسلحون مجهولون، سيارات مدنية أو دراجات نارية، إطلاق نار سريع، ثم اختفاء كامل للمنفذين دون محاسبة.
وبحسب بيانات وتقارير رصد حقوقية يمنية، تجاوز عدد الاغتيالات الموثقة في المحافظات المحررة منذ عام 2015 أكثر من 480 عملية، بينها عشرات العمليات التي استهدفت شخصيات مرتبطة بحزب الإصلاح أو محسوبة على تيار الإسلام السياسي.
وفي دراسة نشرها مشروع بيانات النزاعات المسلحة "أكليد"، أشار الباحثون إلى أن جنوب اليمن شهد منذ 2015 “استهدافًا ممنهجًا لشخصيات إسلامية”، وأن عددًا كبيرًا من عمليات القتل تركز في عدن، واستهدف شخصيات دينية وسياسية مرتبطة بحزب الإصلاح.
ومع الوقت، لم تعد الاغتيالات مجرد حوادث متفرقة، بل تحولت إلى عنصر ثابت في المشهد الأمني، لدرجة أن يمنيين بدأوا يتحدثون عن “برنامج تصفيات” أكثر من كونه انفلاتًا أمنيًا تقليديًا.

2015.. البداية
في 29 ديسمبر/كانون الأول 2015، دوّى انفجار عنيف قرب مقر القيادي في حزب الإصلاح والنائب البرلماني إنصاف مايو في عدن.
في ذلك الوقت، جرى التعامل مع الحادث بصفته محاولة اغتيال ضمن الفوضى الأمنية التي كانت تعيشها المدينة، غير أن السنوات اللاحقة كشفت أن العملية لم تكن معزولة، بل جزءًا من نمط أوسع وأكثر تنظيمًا.
ففي تحقيق نشره موقع “بازفيد” الأميركي عام 2018، ثم توسعت في تغطيته لاحقًا “بي بي سي عربي” ووكالة أسوشيتد برس، كُشف أن الإمارات استعانت بشركة أمنية أميركية خاصة تُدعى “سبير أوبريشنز غروب” لتنفيذ عمليات في اليمن، استهدفت شخصيات سياسية ودينية في عدن، معظمها مقرب من حزب الإصلاح.
وبحسب التحقيقات، فإن الشركة التي أسسها المتعاقد الأمني المجري الإسرائيلي أبراهام غولان، ضمت عناصر سابقين في القوات الخاصة الأميركية، بينهم إسحاق غيلمور وديل كومستوك، وأن الفريق وصل إلى عدن نهاية 2015، وعمل تحت إشراف إماراتي مباشر.
التحقيق الوثائقي الذي بثّته “بي بي سي عربي” في يناير/كانون الثاني 2024، نقل شهادات لعناصر شاركت في تلك العمليات، وأكد أن البرنامج لم يقتصر على الاستهداف، بل شمل أيضًا تدريب قوات محلية على تقنيات الاغتيال والمراقبة.
وفي مارس/آذار 2026، كشفت وكالة “أسوشيتد برس” عن دعوى قضائية رفعها إنصاف مايو أمام محكمة فيدرالية في سان دييغو ضد مسؤولين سابقين في الشركة، اتهمهم فيها بمحاولة اغتياله عام 2015 لصالح الإمارات.
وبحسب الدعوى، كانت الشركة تتقاضى 1.5 مليون دولار شهريًا، إضافة إلى مكافآت مرتبطة بتنفيذ عمليات ناجحة.
وتكمن أهمية هذه القضية في أنها نقلت ملف الاغتيالات في عدن من مستوى الاتهامات المحلية إلى ساحات القضاء والتحقيقات الدولية، وربطت بشكل مباشر بين شبكات أمنية خاصة وبرامج استهداف سياسي في جنوب اليمن.
قائمة الاغتيالات
ومن أبرز الأسماء التي ارتبطت بموجة الاغتيالات في عدن منذ عام 2015، والتي وردت في تقارير محلية ودولية ضمن سياق استهداف شخصيات دينية وسياسية محسوبة على حزب التجمع اليمني للإصلاح أو التيار الإسلامي:
- الشيخ صالح حنتوس: من رجال الدين الذين استُهدفوا ضمن موجة اغتيالات أئمة المساجد والدعاة بعد 2015.
- الشيخ سمحان الراوي: اغتيل ضمن سلسلة استهداف رجال الدين في المدينة خلال السنوات الأولى بعد الحرب.
- الشيخ عبد الرحمن العدني: ورد اسمه في تقارير محلية ضمن قائمة شخصيات دينية تعرضت للاغتيال أو لمحاولات استهداف.
- راوي العريقي: تعرّض للاستهداف ضمن موجة طالت شخصيات عسكرية وسياسية في الجنوب.
- رياض ياسين: تعرّض لمحاولة اغتيال في عدن عام 2015 أثناء توليه منصبه.
- جعفر محمد سعد: اغتيل في 6 ديسمبر/كانون الأول 2015 بتفجير استهدف موكبه في مديرية التواهي.
- نبيل القعيطي: اغتيل في يونيو/حزيران 2020 أمام منزله في عدن، وأثار مقتله ردود فعل واسعة نظرًا لعمله الصحفي وتغطيته للحرب والانتهاكات.

الإمارات والنفوذ الأمني
منذ تدخلها في اليمن، عملت الإمارات على بناء شبكة نفوذ واسعة في الجنوب، شملت تشكيل قوات “الحزام الأمني” و”النخب” المحلية، إضافة إلى وحدات “مكافحة الإرهاب”، إلى جانب دعم المجلس الانتقالي الجنوبي لاحقًا.
وقدّمت أبوظبي هذا الدور بصفته جزءًا من الحرب على الإرهاب، خصوصًا ضد تنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية. غير أن منظمات حقوقية وتقارير غربية تحدثت مرارًا عن أن هذا التدخل تحوّل إلى مظلة لتصفية خصوم سياسيين، وإدارة سجون سرية، وشبكات احتجاز خارج الأطر القانونية.
ففي يونيو/حزيران 2017، قالت منظمة “هيومن رايتس ووتش”: إن الإمارات دعمت قوات يمنية محلية متورطة في اعتقالات تعسفية وإخفاء قسري وتعذيب، وإن تلك القوات كانت تعمل خارج سيطرة الحكومة اليمنية الفعلية.
كما أشارت وكالة “أسوشيتد برس” في تحقيقات سابقة إلى وجود سجون سرية يُعتقد أنها تُدار أو تُشرف عليها قوات مدعومة إماراتيًا في جنوب اليمن.
هذا الامتداد الأمني الواسع جعل من عدن مدينة تتداخل فيها السلطات: قوات حكومية، تشكيلات محلية، وحدات مدعومة خارجيًا، ومراكز نفوذ متنافسة.
وفي ظل هذا التشابك، بقيت ملفات الاغتيالات في الغالب دون نتائج قضائية حاسمة، ما عزز شعورًا عامًا بوجود بيئة تسمح بالإفلات من العقاب أو توفر غطاءً سياسيًا وأمنيًا.
ويرى مراقبون يمنيون أن موجة الاغتيالات الحالية لا يمكن فصلها عن الصراع الدائر داخل الجنوب حول إعادة توزيع النفوذ الأمني والعسكري، خصوصًا مع محاولات الحكومة اليمنية إعادة هيكلة الأجهزة الرسمية وتقليص نفوذ بعض التشكيلات المحلية.

اختبار جديد
من هنا، تعهّد رئيس الوزراء اليمني شايع محسن الزنداني ووزير الداخلية اللواء الركن إبراهيم علي حيدان، بملاحقة منفذي اغتيال وسام قائد وعدم السماح بعودة الفوضى الأمنية. كما صدرت إدانات غربية من السفارة الأميركية والاتحاد الأوروبي وبريطانيا، شددت على ضرورة محاسبة المسؤولين عن الجريمة.
وبحسب موقع "المشاهد" اليمني المحلي، فإن الشارع العدني لم يعد يتعامل بسهولة مع بيانات الإدانة والتعهدات الرسمية، إذ تشير التجربة الممتدة منذ عام 2015 إلى أن معظم ملفات الاغتيالات انتهت دون نتائج معلنة، أو بقيت حبيسة التحقيقات الأمنية من دون محاكمات تكشف شبكات التخطيط والتمويل.
ويضيف الموقع أن خطورة المرحلة الحالية تكمن في أن عدن لا تواجه مجرد جرائم قتل منفصلة، بل إرثًا كاملًا من الاغتيالات السياسية والأمنية تراكم خلال سنوات الحرب، وتشابك مع صراع النفوذ الإقليمي والمحلي.
ويرى أن فهم عودة الاغتيالات اليوم لا يمكن فصله عن هذا التاريخ الطويل، إذ إن الشبكات التي نشأت خلال سنوات الحرب وتعلمت العمل داخل بيئة الفوضى وتعدد السلاح لم تختفِ، بل ظلت كامنة داخل المشهد الأمني والسياسي.
وعليه، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من قتل وسام قائد؟ بل: هل تمتلك الدولة اليمنية القدرة على تفكيك البنية التي جعلت الاغتيالات أداة لإدارة الصراع في عدن طوال السنوات الماضية؟
وحتى الآن، لا تبدو الإجابة واضحة، لكن المؤكد أن اغتيال وسام قائد لم يكن مجرد حادثة جديدة في سجل العنف اليمني، بل لحظة أعادت فتح ملف ظل مؤجلًا منذ عام 2015: الاغتيالات السياسية، وشبكات النفوذ الأمني، وسنوات الإفلات من العقاب التي جعلت عدن مدينة تعيش على حافة الخوف.
وبين تعهدات رسمية بملاحقة الجناة، وإدانات دولية طالبت بالمحاسبة، يبقى المشهد الأمني في عدن محاطًا بتساؤلات أعمق من حدود الجريمة الأخيرة.
فمنذ عام 2015، تراكمت ملفات اغتيالات لم تُحسم قضائيًا، وظل كثير من قضاياها دون نتائج معلنة أو تفكيك واضح لشبكات التخطيط والتنفيذ، ما عزز شعورًا عامًا باستمرار الإفلات من العقاب.
وفي ظل هذا السياق، لا تبدو جريمة اغتيال وسام قائد حدثًا منفصلًا، بل حلقة جديدة في سلسلة ممتدة من العنف السياسي والأمني، تعكس هشاشة الوضع الأمني وتشابك مراكز النفوذ داخل المدينة.
ومع غياب إجابات حاسمة حتى الآن، يبقى السؤال الأبرز مفتوحًا: إلى أي مدى تستطيع الدولة اليمنية استعادة السيطرة على ملف الاغتيالات، وكسر الدائرة التي جعلت عدن ساحة مفتوحة للعنف منذ سنوات الحرب الأولى.
المصادر
- عدن واختبار الأمن.. لماذا عادت الاغتيالات ورسائل الدم؟
- عدن: ضبط متهم بقتل مدير الصندوق الاجتماعي للتنمية
- عودة لشبح الاغتيالات في عدن وتساؤلات عن خيارات السلطات لوقفها
- موقع أمريكي: أبوظبي استخدمت مرتزقة أمريكيين لتنفيذ اغتيالات في اليمن
- كشف حرب الإمارات ضد السياسيين اليمنيين | تحقيقات بي بي سي نيوز عربي
- Houthi rebels say a US airstrike that hit Yemen prison holding African migrants kills 68
- Yemen: UAE Backs Abusive Local Forces

















