ردا على تعاطفها مع إيران.. هل تنقل أميركا قواعدها من إسبانيا إلى المغرب؟

"إسبانيا عن ضمير حلف الناتو والاتحاد الأوروبي"
تصاعد الحديث داخل الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية، مؤخرا، عن عزم الولايات المتحدة الأميركية نقل قواعد عسكرية جوية وبحرية من جنوب إسبانيا إلى المغرب، ضمن “مراجعة إستراتيجية لتمركز قواتها”.
ويأتي تداول هذه الأخبار في ظل ما تشهده العلاقات بين واشنطن ومدريد من توتر متصاعد، إثر تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض عقوبات تجارية شاملة، ردا على رفض مدريد استخدام قواعدها العسكرية (روتا ومورون) في العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران.
وأغلقت إسبانيا المجال الجوي أمام جميع الطائرات المرتبطة بالعدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، ومنعت واشنطن من الانطلاق من قاعدتي "روتا" البحرية في قادس، و"مورون" الجوية بإشبيلية.
وخلال السنتين الماضيتين، تبنت إسبانيا، حكومة وشعبا، موقفا مناهضا للإبادة الجماعية الإسرائيلية المدعومة أميركيا ضد الشعب الفلسطيني في غزة، وكانت الدولة الأوروبية الوحيدة التي منعت واشنطن من استخدام قواعدها في عدوان جديد ضد إيران.

علاقة المغرب وأميركا
أستاذ علم السياسة والسياسات العامة بجامعة القاضي عياض بمراكش محمد بنطلحة الدكالي، ذكر أن ما نشرته تقارير صحفية إسبانية بخصوص طرح إدارة ترامب نقل القوات الأميركية من قاعدة "روتا" البحرية و”مورون” الجوية في إسبانيا إلى المغرب، أثار نقاشا واسعا داخل الأوساط الإسبانية، خاصة بالنسبة لقاعدة “روتا”.
وأشار الدكالي، في حديث لـ"الاستقلال"، إلى إمكانية نقل قاعدة "روتا" إلى المغرب نظرا لما يوفره من خصائص جغرافية مماثلة وكذا قربه من جبل طارق فضلا عن علاقته العسكرية المتقدمة مع واشنطن.
ويرى أن هذه الخطوة تشير إلى تحولات جديدة في الإستراتيجية الأميركية تجاه شمال إفريقيا وجنوب أوروبا وإعادة الانتشار العسكري التقليدي مما يعكس اهتمام واشنطن بتعزيز حضورها الإستراتيجي في قلب شمال إفريقيا.
وأبرز أن الشراكة العسكرية والتحالفات الإستراتيجية جعلت من المغرب محورا أمنيا حيويا للولايات المتحدة وحليفا أساسيا في السياسة الأميركية تجاه البحر الأبيض المتوسط.
من جانبه، توقع الجنرال الإسباني المتقاعد خوان مونتينيغرو، أن يتم نقل القاعدة الجوية الأميركية في "مورون" من إسبانيا إلى المغرب، مقدرا أن هذا السيناريو قد يتحقق "عاجلا أم آجلا"، في ظل التوتر القائم بين مدريد وواشنطن بشأن مواقف الحرب مع إيران.
وفي تصريحات نقلتها صحيفة La Razón الإسبانية، قال المسؤول العسكري السابق، الذي سبق أن مثّل إسبانيا في اللجان العسكرية لحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي بين سنتي 2018 و2021، إن الولايات المتحدة قد تلجأ إلى خطوات رمزية ضد إسبانيا، من بينها نقل جزء من وجودها العسكري إلى المغرب.
وأوضح أن نقل قاعدة "مورون" الجوية ليس أمرا معقدا من الناحية اللوجستية، مشيرا إلى أن الأمر قد يقتصر على نقل عدد من الطائرات في ظرف أشهر قليلة فقط.
وأشار الجنرال الإسباني المتقاعد، إلى أن المغرب وقّع اتفاقية دفاعية طويلة الأمد مع الولايات المتحدة، كما يحتضن استثمارات عسكرية وصناعات مرتبطة بالتسليح، ما يجعله خيارا واردا لتعزيز الحضور الأميركي في المنطقة.
وفي أبريل 2026، وقّع المغرب والولايات المتحدة، خارطة طريق للتعاون في مجال الدفاع للفترة الممتدة بين 2026 و2036، بمناسبة انعقاد الاجتماع الـ 14 للجنة الاستشارية للدفاع المغربية – الأميركية في واشنطن.

وتأتي هذه المعطيات أيضا في ظل شروع المغرب في تحديث قواعده الجوية لاستقبال الطائرات المقاتلة F-16 Viper والسماح للقاذفات الأميركية، بما في ذلك B-52، بالتوقف فيها، حسب ما كشف عنه الخبير العسكري عبد الرحمان مكاوي، في تصريحات صحفية.
وأكد مكاوي، في تصريح لموقع "الأيام 24" المحلي، أن المغرب شريك إستراتيجي للولايات المتحدة في مجال الدفاع، مضيفا أن طائرات "B-52" الأميركية قامت بمهام محاكاة للدعم والردع في المغرب، في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، مع عمليات إسقاط قنابل في جنوب البلاد.
وبعد أن أوضح مكاوي، أن B-2 Spirit هي قاذفات شبحية متطورة للغاية، وأن نشرها في المغرب سيعتمد على تقديرات إستراتيجية وأمنية محددة، رأى أن الولايات المتحدة لم تعلن رسميا عن نشر B-2 في المغرب، مستدركا: لكن من الممكن أن يكون ذلك جزءاً من خطط تعاونها العسكري.
عداء إيديولوجي
من جانبه، يرى خالد يايموت أستاذ العلاقات الدولية والجيوبوليتك بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، أن الحديث عن نقل القواعد العسكرية الأميركية من إسبانيا إلى المغرب، يتطلب من ناحية أولى معرفة طبيعة الخلاف والصراع بين واشنطن ومدريد، مبينا أنه "صراع جيوسياسي وكذلك جيواقتصادي في نفس الوقت".
وأضاف يايموت لـ"الاستقلال"، أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب اعتمد منذ عودته مبدأ "مونرو" الذي كانت الولايات المتحدة قد تبنته قديما في سنة 1823، موضحا أن ترامب أطلق عليه "دونرو" بمعنى فرض الهيمنة الأميركية على أميركا اللاتينية ومنع أي نفوذ أجنبي فيها سواء كان أوروبيا أو صينيا.
وتابع أن تبَني الولايات المتحدة لهذا المنطق الذي تم تأكيده في وثيقة للأمن القومي الأميركي لسنة 2026 يعني حصر وخنق وطرد إسبانيا والتضييق على مصالحها بأميركا اللاتينية.
وذكّر أنه من الناحية التاريخية، يتمتع العديد من الدول الأوربية وإسبانيا خاصة، بنفوذ كبير جدا في هذه المنطقة، لافتا إلى أن اللغة الإسبانية مازالت حاضرة في أميركا اللاتينية، كما أن هناك ارتباطات كبيرة جدا لمدريد بالنخب السياسية والعسكرية في كثير من دول هذه المنطقة.

أما من ناحية ثانية، يقول يايموت، فإن إدارة ترامب ترى الحكومة الإسبانية أنها "آخر حكومة تقدمية واشتراكية في أوروبا، ولذلك تناصبها العداء الأيديولوجي وتعدها حكومة معرقلة للمشروع الأميركي في أميركا اللاتينية في علاقتها مع كل من البرازيل، وكولومبيا وفنزويلا والأورغواي والشيلي والمكسيك ومع المعارضة في الأرجنتين التي يعد رئيسها مواليا لجناح ترامب اليميني في الولايات المتحدة".
وبالنسبة للرؤية الإسبانية، يضيف يايموت، أن مدريد ترى أن السيطرة الأميركية على فنزويلا أدت إلى خسارة اقتصادية وجيوسياسية مهمة بالنسبة لها، خاصة أن إسبانيا من الدول القليلة التي تمكنت من توقيع عقود استغلال الطاقة الفنزويلية في السنوات الأخيرة، ولكن الآن يتم التضييق عليها من قبل واشنطن.
وفي 3 يناير/كانون الثاني 2026، أعلن ترامب، أن بلاده شنت عملية واسعة النطاق ضد فنزويلا، أسفرت عن اختطاف رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته.
ورأى يايموت، أن الهيمنة الأميركية على منطقة أميركا اللاتينية، تعني بالنسبة لإسبانيا استدارة النخب الثقافية والأمنية والعسكرية والاقتصادية نحو الوجهة الأنكلوساكسونية وليس إلى الوجهة الإسبانية، بمعنى آخر مازالت مدريد متمسكة بطبيعة تشبيك العلاقات مع النخب الموجودة في أميركا اللاتينية.

وأشار يايموت إلى أن إسبانيا تعد مركزا عالميا للاستثمارات وللرأسمال اللاتيني نظرا لما تستقطبه من استثمارات ضخمة جدا قادمة من كبريات الشركات والصناديق المالية اللاتينية.
وأوضح أن بورصة مدريد لوحدها تجمع تمويلا من أميركا اللاتينية يفوق ما تجمعه فرنسا وإيطاليا وألمانيا مجتمعين، بمعنى أن المركز المالي العالمي بالنسبة لأميركا اللاتينية موجود في بورصة مدريد.
ويرى يايموت، أن إسبانيا تدافع عن وجهة نظر تؤدي إلى صدام مع الإدارة الأميركية الحالية، مبينا أن الحكومة الإسبانية الحالية تنادي بضرورة احترام القانون الدولي والمؤسسات الدولية للأمم المتحدة.
وأردف أن مدريد ترى أن النظام الأساسي لحلف الشمال الأطلسي يُعطي للدول التي توجد بها قواعد عسكرية إمكانية رفض أي طلب للولايات المتحدة للهجوم على دول أخرى خاصة إذا كانت هذه الحرب غير قانونية بمفهومها في القانون الدولي، بمعنى أنها لم تمر عبر الأمم المتحدة ولا عبر هياكل "الناتو".
وأكد أنها بهذا الموقف، تُعبر إسبانيا عن ضمير حلف "الناتو" والاتحاد الأوروبي، وهو ما يُفسر مساندة الاتحاد الأوربي لمدريد في موقفها الأخير خصوصا عندما صرح ترامب أنه سيفرض نوعا من العقوبات الاقتصادية على مدريد.
معضلة السيادة
وبخصوص واقعية قرار نقل القواعد الأميركية من إسبانيا إلى المغرب، قال الدكالي، إنه بعيدا عن التقارير الإعلامية الإسبانية، نجد أن الولايات المتحدة صادقت على استثمار يناهز 400 مليون أورو لتوسعة قاعدة "روتا" البحرية، عبر تهيئة أرصفة جديدة وتعزيز القدرات اللوجيستية والصيانة، وهو ما يعكس خطة واضحة للتمركز طويل الأمد الأميركي في قاعدة "روتا”.
وأضاف لـ"الاستقلال"، أن نقل هذه القواعد الإسبانية إلى بلد غير عضو في الناتو يقتضي إعادة صياغة اتفاقيات وبناء بنية تحتية جديدة يستغرق إنجازها وقتا طويلا.
واستدرك الدكالي قائلا: علما أن الوضع قد يتغير في أي لحظة إذا قررت الإدارة الأميركية اتخاذ خطوات جديدة تجاه أوروبا ردا على مواقف سياسية أو اقتصادية معينة.
وخلص إلى أن ما هو مؤكد عمليا حتى الآن أنه لا يوجد أي قرار رسمي أميركي أو مغربي بهذا الشأن، لافتا إلى أن القواعد الأميركية في إسبانيا تخضع لاتفاقيات ثنائية منذ عقود تمنح إسبانيا السيادة النهائية عليها مما يسمح لمدريد بفرض قيود كما يحدث الآن.

أما يايموت، فرأى أن الحديث عن نقل القواعد العسكرية من إسبانيا إلى المغرب فيه كثير من الأيديولوجية وهو أقرب للضغط الدبلوماسي منه إلى الحقيقة المرسخة في تقاليد العلاقات الدولية وحلف الشمال الأطلسي.
ويرى يايموت، أن الأماكن التي وضع فيها حلف الشمال الأطلسي قواعده ومن بينها الأميركية، لم تكن عبثية، بل كانت طبقا للتوجهات المستقبلية لحلف "الناتو" ولكيفية نظره إلى هيمنته على العالم.
وتابع أن "الناتو" هو الحلف العسكري رقم واحد في العالم والذي من خلاله تفرض واشنطن هيمنتها العسكرية على العالم بما فيها أوروبا، مؤكدا أن الحديث عن نقل القواعد الأميركية إلى المغرب، هو لحد الآن، كلام إيديولوجي على مستوى العلاقات الدولية لا أقل ولا أكثر.


















