"مراكز اقتراع فارغة".. ماذا تكشف أدنى نسبة مشاركة في انتخابات الجزائر؟

منذ ٤ ساعات

12

طباعة

مشاركة

سجَّلت الانتخابات التشريعية في الجزائر واحدة من أدنى نسب المشاركة في تاريخ البلاد، بعدما لم يتوجه إلى صناديق الاقتراع في 2 يوليو/ تموز 2026 سوى نحو خُمس الناخبين، رغم إعلان يوم التصويت عطلة رسمية.

ورأى تقرير نشره موقع "تاغسشاو" الألماني أن هذه النتيجة "تمثل انتكاسة ليس فقط للحكومة، وإنما أيضا لأحزاب المعارضة التي لم يدع معظمها هذه المرة إلى مقاطعة الانتخابات، ما يثير تساؤلات حول أسباب هذا العزوف الواسع عن المشاركة".

محدودية الخيارات

وأشار الموقع إلى أن "رئيس اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات بالإنابة، كريم خلفان، أعلن عقب انتهاء عملية التصويت أن عدد المسجلين في القوائم الانتخابية بلغ نحو 24 مليون ناخب، بينما أدلى قرابة خمسة ملايين فقط بأصواتهم، لتبلغ نسبة المشاركة 21.24 بالمئة".

وتابع: "تشير هذه الأرقام إلى أن نسبة المشاركة في انتخابات المجلس الشعبي الوطني قد تكون الأدنى على الإطلاق، متجاوزة الرقم القياسي السلبي المسجل في انتخابات عام 2021، عندما بلغت نسبة الإقبال نحو 23 بالمئة".

وتنسجم هذه الأرقام مع ما رصده الموقع من حالة فتور انتخابي خيمت على شوارع العاصمة الجزائرية، واصفا المشهد بأنه "باهت".

إذ يرى الموقع أن "أجواء الحملات الانتخابية كانت شبه غائبة في حي باب الوادي المكتظ بالسكان في العاصمة الجزائر؛ حيث انشغل الناس بحياتهم اليومية أكثر من انشغالهم بالانتخابات".

وأضاف: "معظم من تحدث إليهم مراسلو الموقع أكدوا أنهم لم يشاركوا في التصويت، بينما فضل كثيرون عدم الإدلاء بأي تصريحات أمام الكاميرا".

ولاحظ المراسلون أثناء جولتهم في الجزائر قلة الملصقات الانتخابية في مشهد عدّوه "يعكس محدودية الخيارات المطروحة أمام الناخبين".

ويرى الموقع أن من أسباب هذا الصورة الباهتة "إشراف هيئة الانتخابات على عملية قبول المرشحين".

وأشار إلى أنها "سمحت عام 2024 لعدد محدود فقط من المنافسين بخوض الانتخابات الرئاسية أمام الرئيس عبد المجيد تبون، كما رفضت عددا من المرشحين في الانتخابات البرلمانية الحالية لأسباب أثارت جدلا".

انعدام الثقة

وفي تعقيبه على هذا المشهد، قال الأمين الوطني الأول لحزب جبهة القوى الاشتراكية يوسف أوشيش: إن "المناخ السياسي الحالي لا يشجع على الإقبال على صناديق الاقتراع". مؤكدا أن "هذا المناخ يمنع المواطنين من المشاركة السياسية وممارسة حرياتهم".

أما مدير مكتب مؤسسة "فريدريش إيبرت" في الجزائر، روبن فريش، فيرى في إطار تعليقه على نتائج الانتخابات، أن "ما جرى يعد نتيجة مخيبة للآمال، لكنه لن يغير كثيرا من الواقع السياسي في البلاد". مقدرا أن "الجزائر تمثل نموذجا لـ(الاستبداد الانتخابي)".

ووفق وجهة نظره، "لم تقتصر الخسارة على البرلمان أو السلطة، بل طالت أيضا أحزاب المعارضة التي أخفقت حتى في حشد قواعدها الانتخابية".

في هذا السياق، لفت التقرير إلى أن "مراكز الاقتراع ظلت شبه خالية طوال يوم التصويت، رغم منح المواطنين إجازة رسمية للمشاركة في الانتخابات".

واستطرد: "إنها صفعة للنظام في الجزائر، وتعبير عن عدم الثقة، وهو ما كان قد توقعه عدد من المحللين قبل إجراء الانتخابات، مثل قادر عبد الرحيم الذي يرى أنه لا يوجد ما يدعو إلى الأمل؛ لأن قمع جميع أشكال المعارضة لا يزال مستمرا، ولا توجد أي مؤشرات على تراجعه".

من منظور تحليلي، يعتقد التقرير أن "الانتخابات لم تعكس تنافسا سياسيا حقيقيا بقدر ما كشفت عن موازين القوى والصراعات داخل الائتلاف الحاكم".

وتابع: "وفي محاولة لحث المواطنين على المشاركة، ظهر تبون أمام وسائل الإعلام عقب الإدلاء بصوته، مشيدا بقانون الانتخابات الجديد. ومؤكدا أنه أصبح أكثر بساطة وأسهل فهما للمواطنين مقارنة بقانون انتخابات عام 2021".

"كما أعرب تبون عن ثقته في أن الناخبين باتوا أكثر استيعابا للقانون الجديد. مؤكدا استحالة وقوع أي تلاعب أو تزوير في العملية الانتخابية"، بحسب الموقع.

إلا أن دعوة الرئيس لم تحقق، وفق التقرير، "الأثر المرجو، فباستثناء العسكريين وموظفي الدولة وبعض الفئات المرتبطة بالمؤسسات الرسمية، لم يشارك سوى عدد محدود من المواطنين الذين تبنوا وجهة النظر نفسها".

ونقل التقرير عن أحد الناخبين، ويدعى مجيد هاروز ويعمل تاجرا، قوله: "من واجبنا أن ننتخب، فهذا أقل ما يمكن أن نقدمه. نشارك في التصويت؛ لأنه حقنا كمواطنين جزائريين".

بلا جدوى

وفي تفسير لهذا العزوف، أشار التقرير إلى أن "القضايا الداخلية، وليس السياسة الخارجية، تشكل الهم الأساسي للناخبين".

ونقل عن مدير مكتب مؤسسة "فريدريش إيبرت" في الجزائر، روبن فريش، قوله: إن "أبرز التحديات تتمثل في ارتفاع معدلات التضخم إلى جانب الحاجة إلى تنويع الاقتصاد، وهو الهدف الذي يطرحه الرئيس تبون ضمن برنامجه".

غير أن التقرير تساءل عما "إذا كان المواطن سيجني ثمار هذا التنويع الاقتصادي؛ فالجزائر التي تعد أكبر دولة في إفريقيا من حيث المساحة، تمتلك ثروات كبيرة من النفط والغاز، فضلا عن إمكانات ضخمة في مجال الطاقة المتجددة، كما تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة في ظل التوترات الإقليمية".

وأضاف: "هذه الإمكانيات الاقتصادية أثارت اهتمام ألمانيا خلال السنوات الأخيرة، خاصة في ظل مساعي برلين إلى تعزيز التعاون في مجال الهيدروجين الأخضر، وهي الجهود التي دفع بها وزير الاقتصاد الألماني السابق روبرت هابيك".

ورغم ذلك، "لم تنجح هذه الإمكانات الاقتصادية الكبيرة في إعادة بناء ثقة الناخبين بالمؤسسات السياسية"، بحسب تقدير الموقع.

وعقّبت الباحثة في المعهد الإيطالي للدراسات الدولية، كاترينا روجيرو: "أصبحت أزمة الثقة في السياسيين والمؤسسات ظاهرة عامة في الجزائر". مضيفة أن البرلمان "يكاد يكون بلا جدوى، في ظل تركز معظم السلطات بيد رئيس الجمهورية".

ومع ذلك، أبدت روجيرو تفاؤلها بشأن "امتلاك المعارضة فرصة لمحاولة الدفع نحو التغيير من داخل البرلمان".

إلا أن التقرير اختلف مع رأيها قائلا: "لا يبدو أن أغلبية الجزائريين متفائلين بإمكان إحداث هذا التغيير".