رجل الإمارات.. رئيس هيئة المصالحة اليمنية يرفض خطاب الوحدة ويدعو للاعتراف بالجنوب

بدأت الأزمة بعد انتقاد الغيثي خطاب رئيس مجلس القيادة الرئاسي بمناسبة عيد الوحدة اليمنية
في الذكرى السادسة والثلاثين للوحدة اليمنية، لم تمر المناسبة هذه المرة بوصفها محطة رمزية تستحضر تاريخ إعلان الجمهورية اليمنية عام 1990، بل تحولت إلى ساحة مواجهة سياسية كشفت عمق التباينات داخل معسكر الشرعية اليمنية نفسه.
فالتصريحات التي أطلقها رئيس هيئة التشاور والمصالحة محمد الغيثي، والقيادي في المجلس الانتقالي الجنوبي المطالب بانفصال الجنوب، لم تقتصر على انتقاد خطاب رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، بل ذهبت أبعد من ذلك بإعادة فتح ملف الوحدة والجنوب بصورة مباشرة وفي توقيت بالغ الحساسية.
وأثارت هذه التصريحات ردود فعل سياسية وقانونية واسعة؛ لأنها صدرت عن شخصية تتولى رئاسة هيئة يفترض أنها أنشئت أصلاً لتقريب وجهات النظر بين القوى المناهضة للحوثيين، وليس لتوسيع فجوة الخلافات داخلها.
كما أن التصريحات جاءت في وقت تواجه فيه الشرعية تحديات عسكرية وسياسية متراكمة، وسط تعثر مسارات السلام واستمرار الانقسام الجغرافي والمؤسساتي في البلاد.
بدأت الأزمة بعد انتقاد الغيثي خطاب رئيس مجلس القيادة الرئاسي بمناسبة عيد الوحدة اليمنية؛ إذ وصف الحديث عن الوحدة بأنه لا ينسجم مع الواقع السياسي والعسكري والاجتماعي في المحافظات الجنوبية. معتبراً أن المواطنين هناك لا يشعرون بوجود هذه الوحدة في حياتهم اليومية أو وجدانهم الشعبي.
ولم يكتف الغيثي بانتقاد الخطاب الرسمي، بل أعلن رفضه أي حوار جنوبي ترعاه السعودية إذا كان يجرى تحت سقف الدولة اليمنية الموحدة، وهو موقف عده كثيرون انتقالاً من النقد السياسي إلى إعلان موقف مباشر من طبيعة الدولة ومستقبل العملية السياسية برمتها.
هذا الطرح أعاد قضية الجنوب إلى مركز المشهد مجدداً، لكنه وضع أيضاً مؤسسات الشرعية أمام اختبار صعب؛ لأن الغيثي لا يتحدث من خارج المنظومة، بل يرأس هيئة تأسست بقرار نقل السلطة عام 2022 لتكون مظلة جامعة للمكونات المناهضة للحوثيين.
اللافت أن ردود الفعل لم تأت فقط من خصوم المجلس الانتقالي، بل ظهرت اعتراضات من شخصيات سياسية وقانونية وإعلامية محسوبة على الشرعية نفسها، رأت أن تصريحات الغيثي تمثل تجاوزاً لطبيعة موقعه الرسمي.
وبرزت دعوات تطالب رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي باستخدام صلاحياته الدستورية لإحالة الغيثي للتحقيق وتجريده من منصبه، على أساس أن رئيس هيئة التشاور والمصالحة يفترض أن يعمل على رأب الصدع بين القوى السياسية، لا أن يتبنى خطاباً قد يزيد الانقسام.
كما رأت شخصيات داخل معسكر الشرعية أن استمرار الصمت تجاه هذه التصريحات قد يضعف صورة الدولة أمام الحلفاء الإقليميين والدوليين، خصوصاً أن مجلس القيادة الرئاسي تشكل أساساً ليكون بديلاً توافقياً يجمع مختلف القوى تحت مظلة واحدة.
الهجوم الأقوى جاء من نائب رئيس مجلس النواب عبدالعزيز جباري الذي لم يوجه انتقاده إلى الغيثي وحده، بل حمّل المسؤولية لمن وصفهم بالأطراف التي أوصلته إلى موقعه الحالي رغم معرفتها المسبقة بمواقفه السياسية.
جباري رأى أن الأزمة تتجاوز شخص الغيثي، وأنها تعكس خللاً أعمق يتعلق بطريقة تشكيل القيادة وإدارة القرار السياسي. وذهب إلى أن المشكلة الحقيقية تكمن في غياب قيادة تستند إلى الإرادة الشعبية وتمتلك استقلالية القرار.
كما ربط بين تصاعد هذه المواقف وبين ما وصفه بحالة الضعف التي تعيشها مؤسسات الدولة، مؤكداً أن القيادة غير القادرة على فرض مشروع وطني جامع لن تتمكن من إعادة بناء الدولة أو استعادة الثقة الشعبية.
وتحمل هذه التصريحات دلالات مهمة؛ لأنها تكشف انتقال الخلاف من مستوى التباين السياسي إلى التشكيك في البنية التي تأسس عليها مجلس القيادة الرئاسي نفسه.
الجنوب يعود إلى الواجهة
منذ تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي عام 2017، بقيت قضية الانفصال أحد أكثر الملفات حساسية في المشهد اليمني. لكن وجود الانتقالي داخل مجلس القيادة الرئاسي منذ أبريل 2022 منح القضية إطاراً مختلفاً، إذ أصبح التيار المطالب بالانفصال جزءاً من السلطة المعترف بها دولياً.
تصريحات الغيثي أعادت التذكير بهذه المفارقة؛ فالرجل يشغل في الوقت نفسه موقعين متداخلين: الأول داخل المجلس الانتقالي الجنوبي، والثاني على رأس هيئة يفترض أنها تمثل كل القوى الجمهورية المناهضة للحوثيين.
وهذا التداخل يثير أسئلة حول حدود الأدوار السياسية، ومدى إمكانية الفصل بين الموقف الحزبي والموقع الرسمي، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا تمس وحدة الدولة وشكل النظام السياسي.
الرد السعودي غير الرسمي جاء عبر السياسي عبدالهادي الشهري الذي وصف تصريحات الغيثي بأنها غير موفقة في هذه المرحلة. مشدداً على أن اليمن يحتاج إلى خطاب يخفف التوتر ويقرب وجهات النظر بدلاً من توسيع الانقسامات.
وتحمل هذه الإشارة أهمية خاصة لأن السعودية تمثل الراعي الرئيس لمجلس القيادة الرئاسي، كما أنها الجهة التي دفعت نحو إنشاء هيئة التشاور والمصالحة لتكون مساحة للحوار بين القوى المتباينة.
ولهذا فإن رفض الحوار الجنوبي تحت سقف الدولة اليمنية قد يضع الرياض أمام تحدٍ سياسي جديد، خصوصاً إذا تحولت هذه المواقف إلى اتجاه أوسع داخل المكونات الجنوبية.
كما أن السعودية تنظر إلى استقرار اليمن بوصفه جزءاً من أمنها القومي، ولذلك فإن أي تصدع داخل معسكر الشرعية ينعكس مباشرة على فرص التسوية وعلى الجهود الرامية لإنهاء الحرب.
ماذا تمثل هيئة التشاور؟
أحد أكثر جوانب الأزمة إثارة يتمثل في موقع هيئة التشاور والمصالحة نفسها. فالهيئة لم تُنشأ كجسم سياسي تقليدي، بل جاءت ضمن ترتيبات نقل السلطة في أبريل 2022 لتكون منصة جامعة للقوى المتنافسة.
وتتولى الهيئة مهمة تقليص الخلافات بين المكونات العسكرية والسياسية، وتجسير الهوة بين القوى المناهضة للحوثيين، والعمل كجهاز استشاري لمجلس القيادة الرئاسي.
كما يفترض أن تسهم في منع النزاعات البينية وتهيئة بيئة مناسبة للوصول إلى تسوية سياسية شاملة، وهو ما يجعل التصريحات الأخيرة موضع جدل واسع؛ لأنها بدت بالنسبة لمنتقديها بعيدة عن الدور التوافقي المطلوب.
ويزداد الأمر حساسية لأن الهيئة أنشئت أساساً لمنع تكرار الصراعات داخل المعسكر المناهض للحوثيين، بينما تجد نفسها اليوم في قلب أزمة جديدة.
السؤال الذي يفرض نفسه الآن يتعلق بمدى تأثير هذه الخلافات على مستقبل مجلس القيادة الرئاسي. فمنذ تشكيله، واجه المجلس تحديات تتعلق بتعدد المرجعيات السياسية واختلاف الأهداف بين أعضائه.
وكان الرهان الأساسي يقوم على إدارة التناقضات وليس إلغاءها، لكن التصريحات الأخيرة أظهرت أن بعض الملفات الجوهرية، مثل الوحدة والجنوب وشكل الدولة، ما زالت قابلة للانفجار في أي لحظة.
ويرى مراقبون أن الخطر لا يكمن في الخلاف ذاته، بل في تحوله إلى صراع علني بين مكونات يفترض أنها تعمل داخل إطار واحد؛ لأن ذلك قد يضعف قدرة المجلس على التفاوض داخلياً وخارجياً.
كما أن استمرار هذا المسار قد يمنح الحوثيين فرصة سياسية إضافية عبر إظهار خصومهم كمعسكر منقسم وغير قادر على إدارة التوافقات.
تعيد الأزمة الحالية إحياء سؤال قديم لم يغادر المشهد اليمني منذ حرب صيف 1994: هل ما زال مشروع الوحدة يمثل أرضية جامعة لكل القوى اليمنية، أم أن التحولات العسكرية والسياسية أفرزت واقعاً جديداً؟
الغيثي يرى أن الجنوب بات قضية قائمة بذاتها فرضتها التحولات الميدانية والسياسية، بينما تتمسك أطراف أخرى بأن الحفاظ على الدولة الموحدة يبقى شرطاً لأي تسوية مستقبلية.
وبين هذين التصورين تتحرك الشرعية اليمنية فوق مساحة ضيقة من التوازنات، حيث تحاول الحفاظ على وحدة مؤسساتها من جهة، واستيعاب مطالب القوى المختلفة من جهة أخرى.
لكن المؤكد أن تصريحات الغيثي لم تكن مجرد موقف عابر، بل أعادت فتح ملفات مؤجلة تتعلق بمستقبل الدولة، وشكل النظام، وحدود التوافق داخل معسكر الشرعية.
ووفق مراقبين، أظهرت أزمة تصريحات محمد الغيثي أن الخلافات داخل الشرعية اليمنية أعمق من مجرد تباينات سياسية عابرة، وأن الملفات المؤجلة المرتبطة بالوحدة والجنوب ما زالت قادرة على هز التوازنات القائمة.
كما كشفت أن هيئة التشاور والمصالحة، التي أُنشئت لتكون أداة لتقريب المواقف، أصبحت نفسها جزءاً من الجدل السياسي، وهو ما يضع مجلس القيادة الرئاسي أمام اختبار جديد يتعلق بقدرته على إدارة الاختلافات ومنع تحولها إلى صدامات مفتوحة.
وفي ظل استمرار الحرب وتعثر التسوية، تبدو الشرعية اليمنية مطالبة أكثر من أي وقت مضى بإعادة تعريف أولوياتها؛ لأن أي تصدع داخلي جديد قد لا يبقى محصوراً داخل مؤسساتها، بل يمتد ليؤثر في كامل المشهد اليمني.
تناقض صارخ
لذلك رأى سياسيون وحقوقيون وناشطون تصريحات الغيثي تمثل تناقضاً قانونياً وأخلاقياً صارخاً؛ إذ لا يمكن لشخص يتولى رئاسة هيئة رسمية تابعة للجمهورية اليمنية، وممولة من ميزانيتها، أن يتبنى خطاباً علنياً يدعو إلى تمزيقها والتحريض ضد مؤسساتها ورئيسها.
وأكدوا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #محمد_الغيثي، #المجلس_الانتقالي_الجنوبي، #هيئة_التشاور_والتصالح، وغيرها أن الجمع بين صفة "رجل الدولة الأول في هيئة التصالح" و"المحرض على الانفصال" يعد سلوكاً غير مقبول سياسياً.
هادم الدولة
ووجه سياسيون وناشطون انتقادات حادة للغيثي، وطعنوا في مصداقيته وولائه، متهمين إياه بالعمل لأجندات خارجية (خاصة الإماراتية) وتقويض الوحدة اليمنية ومؤسسات الدولة، عادين تصريحاته الأخيرة تجاوزاً خطيراً يعكس مشروعا انفصاليا يتعارض مع المصلحة الوطنية.
كما هاجموا هيئة التشاور والصالحة، معربين عن إحباطهم من فشلها في تحقيق المصالحة بعد أربع سنوات من إنشاؤها، واتهموها بتحويل دورها من التقريب بين المكونات إلى ممارسة خطاب انفصالي يثير الانقسام والتحريض، مستنكرين ضخامة المبالغ المالية المخصصة لها وطالبوا بسرعة حلها.
وبرز حديث عن العلاقة الوثيقة والقوية بين الغيثي والإمارات؛ إذ ولد في شبوة عام 1989، لكنه انتقل إلى الإمارات بعد حرب 1994. أكمل تعليمه الثانوي في أبوظبي، وحصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة الإمارات بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف، وكان الأول على دفعته.
وحصل على منحة ولي عهد أبوظبي (نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة) ضمن برنامج "صنع القادة" بالشراكة مع جامعة نيويورك أبوظبي (NYUAD). عمل أيضاً مساعداً وباحثاً في قسم العلوم السياسية بجامعة الإمارات.
وشغل منصب رئيس الإدارة العامة للعلاقات الخارجية في المجلس الانتقالي الجنوبي (الذي يعد مدعوماً إماراتياً). يوصف في كثير من المصادر بأنه أحد الأصوات المقربة من أبوظبي داخل المجلس.
ويدافع باستمرار عن دور الإمارات في اليمن، ويصف التشكيك فيه بأنه "محاولة لإضعاف الجنوب"، كما أشاد مراراً بمن وصفهم بـ"شهداء الإمارات" ودورهم العسكري والإنساني في تحرير الجنوب.
وأشار ناشطون إلى أن الغيثي منتج سياسي تربى وتدرب وصعد في أحضان الإمارات، وينظر إليه على نطاق واسع (من قبل أنصاره وخصومه) كواحد من الشخصيات الجنوبية المقربة جداً من أبوظبي.
عزل وتطهير
وطالب ناشطون بعزل الغيثي، عادين استمراره في منصبه "خيانة للدولة" أو دليلاً على ضعف الشراكة، مؤكدين أن تطهير مؤسسات الدولة من مرتهني الخارج أصبح ضرورة وطنية ملحة لإنقاذ ما تبقى من سيادة الدولة.

















