ساحة بديلة.. هل يحاول ترامب تعويض فشله في إيران بغزو كوبا؟

إسماعيل يوسف | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

لأن القاعدة البحرية الأميركية في خليج غوانتانامو، الواقعة داخل الأراضي الكوبية، تحظى بأهمية إستراتيجية وعسكرية وسياسية كبيرة للولايات المتحدة منذ أكثر من قرن، فقد لجأت إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى استخدامها كذريعة لتسويق مبررات محتملة لعمل عسكري ضد حكومة هافانا.

وفي هذا السياق، سرّب مسؤولون أميركيون لموقع "أكسيوس"، القريب من دوائر القرار في واشنطن، معلومات لم يتم التحقق من صحتها، يوم 17 مايو/أيار 2026، تزعم أن كوبا تستعد لمهاجمة قاعدة غوانتانامو — التي تعدها هافانا "أرضًا محتلة" — بأكثر من 300 طائرة مسيّرة.

ويرى محللون أن ترامب ربما يسعى إلى تصعيد عسكري محدود أو عملية استعراضية في كوبا، في محاولة لتعزيز صورته السياسية الداخلية، بعد تعثر سياساته الخارجية، وتراجع ما يوصف بـ"الزخم السياسي" الذي رافق تحركاته تجاه ملفات دولية أخرى.

وتشهد العلاقات بين هافانا وواشنطن تصاعدًا ملحوظًا في التوتر خلال الأسابيع الأخيرة؛ حيث لوّح ترامب مرارًا بإمكانية التدخل أو فرض السيطرة على الجزيرة، ما لم يحدث تغيير في النظام السياسي الكوبي، وسط اتهامات أميركية متكررة بتعزيز علاقات هافانا مع روسيا والصين وإيران.

هجوم على جوانتانامو

في ظل تصاعد التوتر بين واشنطن وهافانا، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى استثمار ما وُصف بـ“الزخم السياسي” الذي أعقب تطورات غير واضحة المعالم في فنزويلا، لتعزيز الضغط على كوبا، ثاني أبرز الأنظمة اليسارية في أميركا اللاتينية.

وبحسب هذا السياق، اتجهت الإدارة الأميركية إلى تكثيف الضغوط السياسية والاقتصادية على كوبا، عبر العقوبات وتشديد الحصار الاقتصادي، بما في ذلك تقليص إمدادات الطاقة، وهو ما انعكس على الأوضاع المعيشية داخل البلاد، وسط اتهامات أميركية متكررة لهافانا بتعزيز علاقاتها مع روسيا وإيران وفنزويلا.

وفي موازاة ذلك، لوّح ترامب ضمنيًا بإمكانية اتخاذ خطوات أكثر حدة، في ظل مساعٍ أميركية لمنع تشكل أي محور مناهض لواشنطن في الكاريبي وأميركا اللاتينية.

وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع تقارير إعلامية، من بينها ما نشره موقع “أكسيوس”، نقلًا عن مسؤولين أميركيين، أعربوا عن مخاوفهم من حصول كوبا على طائرات مسيّرة، يُعتقد أن مصدرها روسيا وإيران، مع احتمالات استخدامها في أي تصعيد محتمل قرب قاعدة غوانتانامو الأميركية في كوبا، والتي تعدها هافانا “أرضًا محتلة”.

ونقل الموقع، في 17 مايو/أيار 2026، عن مسؤول أميركي قوله: إن “اقتراب قدرات مسيّرة من السواحل الأميركية يثير قلقًا متزايدًا، خصوصًا في ظل وجود شبكات إجرامية وعلاقات عسكرية متنامية بين أطراف إقليمية ودولية”.

كما أشار مسؤولون آخرون، وفق التقرير ذاته، إلى مزاعم تفيد بأن كوبا طلبت دعمًا إضافيًا من روسيا في مجال الطائرات المسيّرة، وأن إيران تعمل على تعزيز التعاون في مجالات التدريب العسكري، في إطار ما يُعتقد أنه تطوير لقدرات دفاعية وهجومية.

وفي السياق ذاته، قال وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث، خلال جلسة في الكونغرس بتاريخ 12 مايو/أيار 2026، إن واشنطن “تشعر بقلق طويل الأمد من استخدام خصوم قريبين جغرافيًا من السواحل الأميركية لمواقع حساسة، لما يمثله ذلك من تهديدات محتملة”.

من جانبه، حذّر الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، في 18 مايو/أيار 2026، من أن أي عمل عسكري محتمل ضد بلاده قد يؤدي إلى “تداعيات كارثية على الأمن والاستقرار الإقليمي”، واصفًا المرحلة الحالية بأنها “بالغة الخطورة”.

وأكد وزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز أن بلاده “تحتفظ بحقها الكامل في الدفاع عن النفس وفق ميثاق الأمم المتحدة”، مقدرا أن ما يُطرح من مبررات عسكرية ضد كوبا “يستند إلى ذرائع غير مثبتة”.

وكان دياز كانيل قد جدد في 17 أبريل/نيسان 2026، خلال إحياء ذكرى فشل عملية خليج الخنازير، تمسك بلاده بالنظام الاشتراكي واستعدادها لمواجهة أي تهديد خارجي، في ظل استمرار التوتر مع الولايات المتحدة خلال الأشهر الأخيرة.

 بديل لمأزق إيران

تحدث عدد من التقارير الغربية صراحة عن أن الخطاب التصعيدي للرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه كوبا، والذي اتسم بنبرة أكثر حدة وهجومية في الفترة الأخيرة، جاء في سياق تعقيدات الملف الإيراني، وأن بعض دوائر الإدارة الأميركية بدأت تنظر إلى كوبا كساحة “أقل كلفة” لإظهار القوة الأميركية في نصف الكرة الغربي.

ويرى محللون أن هذا التحول في الخطاب يرتبط بمحاولة ترامب إظهار الحزم السياسي بعد تعثر مقاربته للملف الإيراني، إلى جانب استثمار الخطاب المعادي للشيوعية داخليًا، خصوصًا في ولاية فلوريدا التي تضم جالية كوبية واسعة تميل إلى دعمه، فضلًا عن استغلال الأزمة الاقتصادية التي تعيشها هافانا.

ويذهب بعض المراقبين إلى أن هذا التوجه يعكس محاولة لإحياء صيغة جديدة من “مبدأ مونرو”، بما يعيد تعزيز النفوذ الأميركي في الكاريبي وأميركا اللاتينية.

وفي هذا السياق، كتبت المحللة في موقع “صالون” الأميركي هيذر ديجبي بارتون، في 12 مايو/أيار 2026، أن ترامب يدرك أنه “لا يستطيع تحقيق نصر عبر القصف في إيران”، ولذلك قد يتجه إلى “عملية عسكرية أخرى” أقرب جغرافيًا وأسهل سياسيًا في كوبا.

وأضافت أن الرئيس الأميركي قد يرى في العودة إلى نصف الكرة الغربي وسيلة لتخفيف الضغط الناتج عن تعثر سياساته في الشرق الأوسط، مشيرة إلى أن “كوبا في وضع ضعيف حاليًا، ما قد يجعل تحقيق نصر سريع ممكنًا، لكن ما يليه سيكون السؤال الأصعب”.

من جانبه، أشار الكاتب جوناثان ليمير في مجلة “ذا أتلانتيك”، في 8 مايو/أيار 2026، إلى أن ترامب قد يميل إلى تحويل تركيزه نحو كوبا نتيجة شعوره بالإرهاق من الحرب في إيران، التي وصفها بأنها أكثر تعقيدًا وطولًا مما كان متوقعًا، وسط قلق داخلي داخل الحزب الجمهوري من تداعياتها الاقتصادية والسياسية.

وفي السياق نفسه، نقلت شبكة “سي إن إن”، في 21 مايو/أيار 2026، أن ترامب يسعى إلى استعادة زمام المبادرة في ملف كوبا بعد تعثر سياساته في إيران، عبر محاولة تحقيق “نصر حاسم” قد يتخذ شكل تغيير سياسي في هافانا.

وأشارت الشبكة إلى أن توجيه اتهامات لمسؤولين كوبيين سابقين، من بينهم راؤول كاسترو، يمثل تطورًا لافتًا في مستوى المواجهة بين واشنطن والجزيرة، التي تمتد لعقود.

أما صحيفة “لوموند” الفرنسية، فقد ذكرت في 19 مايو/أيار 2026 أن تركيز الإدارة الأميركية على الملف الإيراني يُعد أحد أسباب ضبط النفس النسبي تجاه كوبا، رغم تصاعد الخطاب السياسي ضدها.

وفي استطلاع نشرته “نيويورك تايمز” بالتعاون مع جامعة سيينا في 18 مايو/أيار 2026، قال 64% من الأميركيين إن قرار الدخول في حرب مع إيران كان “خاطئًا”، وارتفعت النسبة إلى 73% بين الناخبين المستقلين.

وفي سياق متصل، ذكرت مجلة “ذا ويك” الأميركية في 15 مايو/أيار 2026 أن ترامب “بدأ يفقد صبره”، وقد ينظر إلى كوبا بصفتها هدفًا محتملًا في المرحلة المقبلة، رغم استمرار التوتر في الشرق الأوسط.

كما نقلت شبكة “إن بي سي نيوز” عن مسؤول أميركي سابق أن ترامب “يتحدث عن كوبا وكأنه يريد جعلها الولاية الحادية والخمسين”.

وكان ترامب قد لمح في 16 مارس/آذار 2026 إلى إمكانية حدوث تغيير سياسي في كوبا بعد الانتهاء من الملف الإيراني، في إشارة فسّرها مراقبون على أنها ربط بين الساحتين.

وتشير بعض القراءات السياسية إلى أن التصعيد الأميركي تجاه كوبا يتزامن مع تشديد الحصار الاقتصادي والعقوبات، واستخدام خطاب يتحدث عن “تحرير كوبا”، ما يعكس تصعيدًا تدريجيًا في أدوات الضغط.

وفي المقابل، حذرت تقارير من بينها تقرير في “ذا هيل” في 12 مايو/أيار 2026 من أن أي تحرك عسكري محتمل قد يواجه معارضة داخل الكونغرس، رغم تغير نسبي في مواقف بعض أوساط الحزب الجمهوري.

هل تتراجع كوبا؟

وبعد دعوة وزير الخارجية ماركو روبيو، يوم 13 مايو/أيار 2026، إلى تغيير القيادة في كوبا، وعرض مساعدات بقيمة 100 مليون دولار مقابل استقالة الرئيس اليساري، التقى مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) جون راتكليف مسؤولين كوبيين في هافانا.

وبعد انتهاء الزيارة، في 15 مايو/أيار 2026، ولقائه مسؤولين كوبيين لبحث قضايا الأمن الإقليمي والدولي، زُعم أن هافانا “مستعدة” للنظر في مقترح تغيير النظام.

وفي السياق ذاته، أعلنت كوبا استعدادها لبحث المقترح الأميركي المتعلق بتقديم مساعدات بقيمة 100 مليون دولار، في ظل تدهور الأوضاع الداخلية، وانقطاع متكرر للتيار الكهربائي نتيجة نقص الوقود، إلى جانب خروج احتجاجات نادرة قرب العاصمة هافانا.

وقال وزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز عبر منصة “إكس”: “نحن مستعدون للاستماع إلى تفاصيل المقترح وكيفية تنفيذه”، مشيرًا إلى أن واشنطن اشترطت أن تتولى الكنيسة الكاثوليكية توزيع المساعدات دون المرور عبر مؤسسات الدولة.

وأضاف: “تستمر الحرارة في الارتفاع، وتأثير الحصار يسبب لنا بالفعل ضررًا كبيرًا، لأننا ما زلنا لا نتلقى الوقود”.

وفي محاولة لتخفيف الضغوط الاقتصادية والاستجابة لبعض المطالب الأميركية، صرح وزير التجارة الخارجية الكوبي أوسكار بيريز أوليفا لشبكة “إن بي سي نيوز” بأن كوبا “منفتحة على إقامة علاقات تجارية مرنة مع الشركات الأميركية”.

وقبل زيارته الصين، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب: إن كوبا “تطلب المساعدة”. مشيرًا إلى إمكانية نشر حاملة طائرات قرب السواحل الكوبية، ومؤكدًا أن هافانا قد “تستسلم” فور رؤية القوة البحرية الأميركية.

وكتب ترامب على منصته “تروث سوشيال”: “كوبا دولة فاشلة وتسير في اتجاه واحد فقط، إلى الأسفل، وتطلب المساعدة، وسنتحدث عن ذلك بعد زيارتي للصين”.

وفي 17 مارس/آذار 2026، تعهّد ترامب بـ“الاستيلاء” على كوبا، في ظل أزمة كهرباء حادة ناجمة عن نقص الوقود الأميركي، وتدهور اقتصادي واسع، واحتجاجات متفرقة.

وقال ترامب للصحفيين في البيت الأبيض: “سواء حررتها أو استوليت عليها… أعتقد أنني أستطيع أن أفعل بها ما أشاء. إنهم دولة ضعيفة للغاية في الوقت الحالي”.

ومنذ إطاحة الولايات المتحدة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، الحليف الأبرز لكوبا، وفرض حصار نفطي عليها، لم تستورد الجزيرة أي شحنات وقود منذ 9 يناير/كانون الثاني 2026، باستثناء مساعدات روسية جرى استهلاكها.

في المقابل، رفض الرئيس الكوبي ميغيل دياز-كانيل هذه التهديدات، محذرًا من أي تدخل عسكري أميركي محتمل.

وأكد، في 17 مايو/أيار 2026، أن بلاده تمتلك الحق في الدفاع عن نفسها، وأنها “أمة حرة ومستقلة”، مضيفًا أن كوبا “لا تعتدي، بل تتعرض لاعتداء من الولايات المتحدة منذ أكثر من ستة عقود”.

وقال: إن أي هجوم أميركي سيؤدي إلى “حمّام دم بعواقب لا تُحصى”. مشددًا على أن بلاده “جاهزة للدفاع عن الوطن حتى آخر قطرة دم”.

بدوره، قال وزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز إن كوبا “ليست للبيع”، مضيفًا أن الشعب الكوبي “لن يستسلم للتهديدات أو الابتزاز”.

وفي 18 مايو/أيار 2026، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات جديدة استهدفت وكالة الاستخبارات الكوبية وتسعة مسؤولين، بينهم وزراء في قطاعات الاتصالات والطاقة والعدل، إضافة إلى عدد من كبار مسؤولي الحزب الشيوعي وثلاثة جنرالات.

وتواصل الولايات المتحدة فرض حصار نفطي على كوبا منذ يناير/كانون الثاني 2026، مقدرة أن الجزيرة تشكل “تهديدًا استثنائيًا” للأمن القومي الأميركي، في حين تؤكد هافانا أن هذه الإجراءات فاقمت أزمة الطاقة والأوضاع الإنسانية داخل البلاد.