من الظل إلى الواجهة.. كيف تحولت قواعد بريطانيا في قبرص إلى لاعب مباشر بحرب إيران؟

داود علي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

لم يكن إسقاط طائرة مسيّرة يُشتبه بأنها إيرانية فوق قاعدة أكروتيري البريطانية جنوب قبرص في فجر الثاني من أبريل/ نيسان 2026، مجرد حادث أمني عابر، بل لحظة مفصلية أعادت تعريف موقع هذه القواعد في صراعات الشرق الأوسط.

ففي وقت كانت فيه المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تتوسع إلى حرب متعددة الجبهات، بدا أن هذه القواعد خرجت من هامش العمليات إلى قلبها.

وجاءت الحادثة، بعد أسابيع من تصعيد عسكري غير مسبوق، لتسلّط الضوء مجددا على منشآت لطالما عملت بعيدا عن التدقيق العام، قبل أن تكشفها الحرب كجزء من البنية العملياتية الغربية في المنطقة.

ووفق إحاطة صادرة عن مكتبة مجلس العموم البريطاني في 3 مارس/ آذار 2026، فإن قاعدة أكروتيري كانت بالفعل ضمن المنشآت التي تعرضت لتهديدات مباشرة في سياق التصعيد مع إيران، ما يعكس حساسيتها المتزايدة في المعادلة العسكرية الإقليمية.

هذا التحول لم يكن مفاجئا بالكامل، بل جاء تتويجا لدور أخذ يتصاعد تدريجيا منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي على غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023.

فمنذ الأيام الأولى للعدوان، بدأت طائرات بريطانية تنطلق من قبرص لتنفيذ رحلات مراقبة مكثفة فوق القطاع، في إطار ما وصفته لندن بدعم جهود إنقاذ الأسرى.

غير أن هذا التوصيف سرعان ما واجه تشكيكا متزايدا، لا سيما مع تقارير غربية كشفت أن هذه العمليات ربما تجاوزت نطاقها المعلن.

ففي 7 أغسطس/ آب 2025، ذكرت صحيفة "الغارديان" البريطانية أن رحلات المراقبة هذه أثارت تساؤلات جدية حول ما إذا كانت المعلومات التي تُجمع تُستخدم لدعم العمليات العسكرية الإسرائيلية، بما في ذلك تلك التي تستهدف المدنيين الفلسطينيين، رغم تأكيدات الحكومة البريطانية أنها تتحكم في طبيعة البيانات المتبادلة.

وفي السياق ذاته، أشار موقع "ميدل إيست آي"، في 3 يناير/ كانون الثاني 2025، إلى أن طائرات التجسس البريطانية التي أقلعت من القواعد البريطانية في قبرص كانت جزءا من جهود أوسع لتحديد مواقع الأسرى الإسرائيليين، ما يضع هذه القواعد ضمن منظومة عملياتية متشابكة تتجاوز الدور الإنساني المعلن.

دور في إيران

ومع انتقال مركز الثقل العسكري الأميركي والإسرائيلي إلى إيران أواخر فبراير/شباط 2026، تعمّق هذا الدور بشكل ملحوظ.

فبحسب تحليل نشرته صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية في 28 فبراير، تحوّل شرق المتوسط إلى نقطة ارتكاز رئيسة لعمليات المراقبة والتنسيق الغربية، مع اعتماد متزايد على قواعد مثل "أكروتيري" لتنسيق الأنشطة الجوية والاستخباراتية.

وأشارت الصحيفة إلى أن دور القاعدة البريطانية لم يعد يقتصر على جمع المعلومات، بل امتد ليشمل دعم البنية العملياتية لحرب متعددة الجبهات.

هذا التداخل بين الدعم اللوجستي والعمل العسكري يجعل القواعد البريطانية في قبرص جزءا من شبكة عمليات عابرة للحدود، تربط بين مسارح القتال المختلفة من غزة إلى الخليج.

وفي هذا السياق، لم يعد إسقاط الطائرة فوق "أكروتيري" حادثا منفصلا، بل مؤشرا على تحول نوعي في طبيعة الصراع؛ حيث باتت هذه القواعد تُعامل كأهداف محتملة، لا كمنشآت خلفية محصنة.

ويطرح هذا الواقع أسئلة قانونية معقدة تتعلق بطبيعة الدور البريطاني وحدود مسؤوليته.

فبحسب ما نقلته تقارير غربية عن المقرر الأممي السابق مايكل لينك، فإن استخدام القواعد البريطانية في قبرص لدعم العمليات الإسرائيلية يثير تساؤلات جدية حول احتمال مسؤولية المملكة المتحدة عن التواطؤ، خاصة في ظل التزاماتها بموجب اتفاقية منع الإبادة الجماعية.

وقد تعزز هذا الجدل داخل بريطانيا نفسها؛ إذ أعرب أكثر من 300 موظف في وزارة الخارجية، في 10 يونيو/حزيران 2025، عن مخاوف من أن تكون سياسات الحكومة قد وضعتها في موقع التواطؤ في جرائم حرب في غزة.

وفي السياق ذاته، دعا سياسيون وحقوقيون إلى فتح تحقيق مستقل، حيث كتب جيريمي كوربن في 3 يونيو/حزيران 2025 أن معرفة مدى دعم بريطانيا للحرب الإسرائيلية باتت مسألة ضرورية للمساءلة العامة.

من جهته، حذّر "ماثيو ستافرينيدس"، من مجموعة "قبرص خالية من الإبادة الجماعية"، من أن الجزيرة تواجه مخاطر متزايدة بعد أن تحولت، بحسب وصفه، إلى "منصة إطلاق" للعمليات العسكرية في غزة والشرق الأوسط.

وتضم هذه المجموعة ائتلافا من منظمات ونشطاء ضغطوا على الحكومة القبرصية لوقف الانخراط في حرب غزة، وقادوا حملات مناهضة لوجود القواعد البريطانية في الجزيرة.

إرث استعماري

ولا تقتصر تداعيات هذا الدور على الجانب القانوني، بل تمتد إلى البعد الأمني المباشر. ففي 19 يونيو/حزيران 2024، حذّر الأمين العام السابق لـ"حزب الله" حسن نصر الله من أن قبرص قد تواجه تبعات بسبب دورها اللوجستي ووجود قواعد عسكرية على أراضيها، بينها قواعد بريطانية تُستخدم لدعم العمليات العسكرية الإسرائيلية، في أول تهديد مباشر من هذا النوع.

ورغم هذا الدور المتنامي، لا تزال أنشطة القواعد البريطانية في قبرص محاطة بدرجة عالية من الغموض. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2023، ومع اندلاع العدوان الإسرائيلي على غزة، طلبت الحكومة البريطانية من وسائل الإعلام عدم تغطية الأنشطة داخل هذه القواعد، في خطوة عُدّت مؤشرا على حساسية الدور الذي تؤديه.

كما كشفت تحقيقات لاحقة أن المعلومات المتعلقة بطبيعة الرحلات الجوية ومساراتها تبقى محدودة، ما يعمّق الفجوة بين ما يجري فعليا وما يُعرض على الرأي العام.

ولا يعكس هذا التعتيم طبيعة العمليات العسكرية فحسب، بل يشير أيضا إلى مسعى بريطاني لتجنّب مساءلة سياسية وقانونية قد تتصاعد في ظل تزايد الضغوط الداخلية والدولية.

وقد بلغ هذا الجدل ذروته مع بروز مبادرات مستقلة، مثل "محكمة غزة"، التي تهدف إلى التحقيق في دور بريطانيا في الحرب، بمشاركة شخصيات قانونية دولية، من بينها المقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيزي.

وتعكس هذه المبادرات اتساع نطاق النقاش حول القواعد البريطانية، خاصة في قبرص، من كونه ملفا أمنيا إلى قضية قانونية وسياسية مفتوحة.

وفي هذا السياق، يرى مارتن شو، الأستاذ الفخري في العلاقات الدولية بجامعة "ساسكس"، أن الحكومة البريطانية "دعمت الحملة الإسرائيلية ككل، مع ظهور رواية الرهائن فقط بعد الكشف عن الرحلات".

من جانبه، دعا الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس إلى نقاش "مفتوح وصريح"، واصفا القواعد البريطانية في بلاده بأنها امتداد لإرث استعماري.

كما أدانت منظمات حقوقية، بينها محامون أوروبيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان وجمعية المحامين الديمقراطيين القبرصيين، استمرار وجود هذه القواعد، مقدرة أن ما يجرى "ليس تقرير مصير، بل شكلا جديدا من الإمبريالية المقنّعة قانونيا".

قاعدة تشغيلية

ولفهم كيف وصلت القواعد البريطانية في قبرص إلى هذا الموقع المتقدم، لا بد من العودة إلى جذورها التاريخية، التي تكشف أن دورها الحالي ليس انقطاعا عن الماضي، بل امتداد له.

فمنذ أن وضعت بريطانيا يدها على قبرص عام 1878، بدأت الجزيرة تتحول تدريجيا إلى نقطة ارتكاز إستراتيجية في شرق المتوسط. ومع إعلانها مستعمرة رسمية عام 1925، أصبحت جزءا من شبكة النفوذ الإمبراطوري، لا سيما في سياق حماية طرق التجارة المؤدية إلى قناة السويس.

وفي عام 1955، أنشأت بريطانيا قاعدة “أكروتيري” التي سرعان ما لعبت دورا محوريا خلال العدوان الثلاثي على مصر في أكتوبر/تشرين الأول 1956، إذ استُخدمت كنقطة انطلاق للعمليات الجوية، في واحدة من أبرز تجليات دورها الهجومي المبكر.

ومع استقلال قبرص في 16 أغسطس/آب 1960، لم تنسحب بريطانيا، بل احتفظت بالسيادة الكاملة على منطقتي أكروتيري وديكيليا بموجب معاهدة التأسيس، لتنشأ ما يُعرف بـ"مناطق القواعد السيادية"، التي لا تزال قائمة حتى اليوم.

وفي عام 1974، وخلال الأزمة القبرصية، استُخدمت هذه القواعد كمراكز للمراقبة وإدارة الأزمة، ما أعاد تأكيد دورها في إدارة الصراعات الإقليمية.

ومع انضمام قبرص إلى الاتحاد الأوروبي في 1 مايو/أيار 2004، جرى تنظيم وضع هذه القواعد عبر "البروتوكول رقم 3"، الذي أتاح دمجها جزئيا في الأطر الأوروبية دون المساس بالسيادة البريطانية عليها، وهو ما كرس وضعا قانونيا معقدا يجمع بين السيادة الوطنية والاندماج الأوروبي.

ووفقا لإحاطة صادرة عن مكتبة مجلس العموم البريطاني في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2024، تمثل هذه القواعد القاعدة التشغيلية المشتركة الدائمة الوحيدة للمملكة المتحدة في الشرق الأوسط، ما يعكس استمرار أهميتها الإستراتيجية.

كما يشير الموقع الرسمي لسلاح الجو الملكي البريطاني إلى أن قاعدة "أكروتيري" في جنوب قبرص تُعد إحدى أهم القواعد العسكرية البريطانية في شرق المتوسط والشرق الأوسط، وقد استُخدمت تاريخيا في عمليات جوية متعددة، ولا تزال حتى اليوم قاعدة تشغيلية أساسية للمهام البريطانية في المنطقة.