هروب القيادات السنية من العراق وقت الحروب.. من يستحق لقب "ابن المكوّن"؟

يوسف العلي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في ظل الحرب التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط بعد الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران، تتعرض المحافظات ذات الغالبية السنية في العراق إلى هجمات متعددة البعض منها بسبب وجود الحشد الشعبي وأخرى تنال مصالح أميركية، وسط سيناريوهات عدة عن مستقبل هذه المدن.

ورغم أهمية المحافظات وما يطرح بخصوص مستقبلها بعد أن تضع الحرب أوزارها، تغيب غالبية القيادات السياسية السنية، لا سيما زعماء الأحزاب والكتل البرلمانية المشكّلة للمجلس السياسي الوطني (السني)، الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطاباتهم الشعبوية خلال مرحلة الانتخابات.

تجّار المعاناة

هذه القيادات التي تتخذ من "الدفاع عن حقوق المكون السني" شعارا لها في كل انتخابات تشهدها البلاد، وغابت تماما عن المشهد اليوم، تعيد إلى الأذهان ما جرى عام 2014، عندما اجتاح تنظيم الدولة المحافظات السنية، وكيف فرّ بعضهم مع عائلاتهم إلى خارج البلاد، تاركين مجتمعاتهم تواجه مصيرها.

ومن أبرز القيادات التي يتساءل ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي عن أسباب غيابها: زعيم حزب "تقدم" محمد الحلبوسي، ورئيس حزب "السيادة" خميس الخنجر، إلى جانب قادة حزبي "الجماهير العراقية" أحمد الجبوري (أبو مازن)، و"الحسم الوطني" ثابت العباسي.

وتوارى هؤلاء القادة عن الأنظار منذ اندلاع الحرب على إيران في 28 فبراير/ شباط 2026، فيما تشير معلومات إلى أن الحلبوسي يقيم في الأردن التي لا تبعد سوى كيلومترات قليلة عن معقله السياسي ومحل إقامته في محافظة الأنبار، المحاذية للحدود الأردنية.

ولم يظهر الحلبوسي سوى مرة واحدة، خلال استقباله المنتخب العراقي في مطار الملكة علياء بالأردن في 2 أبريل/ نيسان، أثناء عودته برًا إلى العراق قادما من المكسيك بعد تأهله إلى نهائيات كأس العالم 2026.

أما بقية الشخصيات، فلم تُرصد لها تحركات لا في بغداد ولا في المحافظات ذات الثقل السني (الأنبار، نينوى، ديالى، كركوك، صلاح الدين)، رغم تعرض هذه المناطق بشكل شبه يومي لضربات عسكرية تستهدف قوات "الحشد الشعبي"، بما ينعكس على الأوضاع الأمنية والاقتصادية فيها.

من جهته، وصف السياسي العراقي السني المعارض ثائر البياتي، عبر منصة "إكس" في 23 مارس/ آذار، هؤلاء القادة بأنهم "سراق وتجار معاناة المكون السني"، تعليقا على تساؤلات بشأن غياب من يقدّمون أنفسهم كزعماء للمكون.

كما علق الناشط العراقي سلطان قائلا إنهم "أفاقون وأصحاب شعارات سرقوا ونهبوا على حساب المغيبين والسجناء والمفقودين لدى المليشيات"، في إشارة إلى نحو 100 ألف سني، بين معتقل في السجون الحكومية ومغيب على يد مليشيات موالية لإيران منذ الحرب ضد تنظيم الدولة (2014–2017).

في المقابل، أشاد البرلماني العراقي السابق عن حزب "تقدم" عبد الله الخربيط بتواري هذه الزعامات عن الأنظار في المرحلة الحالية، معلقا: "حسنا فعلوا، ليس لهم فيها لا ناقة ولا جمل".

قادة منهزمون

في المقابل، أكد عدد من المدونين أن الشخصية الوحيدة من زعامات المكون السني التي لا تزال تتحرك ميدانيا بين المحافظات السنية وتلتقي شيوخ العشائر والجماهير، هو زعيم تحالف "العزم" مثنى السامرائي.

وأظهرت مقاطع فيديو، تداولتها وسائل إعلام محلية وحسابات رسمية تابعة لتحالف "العزم"، جولات مكوكية يجريها السامرائي إلى محافظات الأنبار ونينوى وصلاح الدين، إضافة إلى أطراف العاصمة بغداد، طوال أيام الحرب الدائرة في المنطقة.

وقال السامرائي، خلال زيارته إلى محافظة الأنبار ولقائه عددا من شيوخ عشائرها: إن "زيارته لا تحمل أي أهداف سياسية، خاصة في ظل غياب موسم انتخابي، وإنما تأتي للتواصل مع أهلنا في ظل الظروف والحرب القائمة في المنطقة، التي ألقت بظلالها على العراق".

وأضاف: "نحن، كممثلين عنكم، من واجبنا توضيح القضايا الأساسية المتعلقة بمستقبل أبناء هذه المحافظات، وعدم الانجرار وراء العواطف التي قد تؤثر سلبا على الأهالي. لسنا طرفا في الصراع، ولن ننجر إلى المساجلات المرتبطة بالحرب الجارية".

وشدد السامرائي على ضرورة الحفاظ على هذه المحافظات وأبنائها وقضاياهم، مؤكدا: "سنكون معكم في السراء والضراء، وليس فقط في أوقات الرخاء، ولن نتخلى عن أهلنا".

من جهته، قال عضو تحالف "العزم" صلاح الدليمي، خلال مقابلة تلفزيونية في 4 أبريل/ نيسان، إن "هناك غيابا حقيقيا للقيادات السنية، وهو أمر غير مبرر وغير مقبول"، مستثنيا مثنى السامرائي الذي "يواصل جولاته الميدانية في الأنبار وصلاح الدين ونينوى، إلى جانب عقد لقاءات سياسية في بغداد".

وأضاف الدليمي أن "الفاعل السياسي السني الوحيد في الساحة حاليا هو رئيس تحالف العزم مثنى السامرائي". مقدرا أن غياب بقية القيادات "يمثل خطأً ويعكس حالة انهزام في وقت المحنة، وترك الجمهور يواجه أزمة حقيقية".

وأشار إلى أن "العراق يمر بظروف صعبة، وكان من المفترض أن يكون القادة بين أهلهم وجماهيرهم". مؤكدا أن قيادات "العزم" لا تزال حاضرة ميدانيا وإعلاميا، "وليست منزوية أو غائبة".

وأوضح أن "الظروف الحالية تكشف القائد الحقيقي ممن صُنع بظروف خارجية"، في إشارة إلى ما وصفه بتدخلات سابقة أسهمت في صعود بعض القيادات.

واستبعد الدليمي أن يكون العامل الأمني سببا في مغادرة تلك القيادات البلاد، قائلا إنهم "يتمتعون بحمايات ومقار محصنة". مرجحا أن الغياب يعود إلى "الخوف من تطورات المشهد". مضيفا أن "القائد الحقيقي يظهر في الأزمات ويتقدم الصفوف".

وحتى 6 أبريل/ نيسان، لم تصدر أي توضيحات رسمية من قادة تلك الأحزاب أو نوابها بشأن أسباب بقائهم خارج العراق، أو غيابهم عن محافظاتهم في ظل التطورات الجارية.

"ابن المكوّن"

وفي تفسير أسباب غياب هذه القيادات، قال الباحث في الشأن السياسي العراقي حامد العبيدي لـ"الاستقلال": إن "المصالح الشخصية تتحكم في معظم زعامات السنة، شأنهم شأن غالبية القوى الأخرى في البلاد، ولذلك يغادرون العراق في أوقات الأزمات، ويعودون إليه عند تقاسم المناصب والمكاسب".

وأضاف أن "محمد الحلبوسي غادر العراق قبل يوم من اندلاع الحرب، ولم يعد حتى الآن، رغم حديثه المتكرر عن الوقوف إلى جانب أهالي المحافظات السنية التي تتعرض لضربات يومية، كما يقدم نفسه زعيما للمكوّن السني بحكم تحقيقه أكبر عدد من المقاعد، لكنه يغادر البلاد عند الأزمات".

ولفت العبيدي إلى أن "خميس الخنجر بدوره لم يوجد بين ناخبيه، واكتفى بإصدار بيانات من خارج العراق، كما فعل خلال اجتياح تنظيم الدولة للمحافظات السنية عام 2014".

وشدد على أن "القادة الحقيقيين تظهر معادنهم في أوقات الشدائد، لا عند توزيع المغانم"، مضيفا أن هؤلاء "يمتلكون مقار إقامة في بغداد، ولو تشكلت الحكومة غدا، لرأيتهم يعودون فورا للمشاركة في اجتماعات تقاسم الوزارات، ثم يغادرون مجددا بعد انتهاء ذلك".

وأكد العبيدي أن "من يوجد اليوم بين أهله وسط ظروف الحرب هو الأحق بأن يُوصف بـ(ابن المكوّن)، لأنه لا يسعى إلى زعامة شكلية، بل يبعث برسالة طمأنة مفادها أن مصيره مرتبط بمصير مجتمعه".

ودعا أبناء المحافظات السنية إلى "التمحيص في اختيار ممثليهم خلال المرحلة المقبلة، والابتعاد عن القيادات التي لا تظهر إلا في مواسم الانتخابات، وتطلق وعودا لا تفي بها، وعلى رأسها البقاء إلى جانب جمهورها في الأزمات".

وفي سياق متصل، وفي خطوة وُصفت بأنها محاولة لإعادة توحيد القرار السني في العراق بعد سنوات من الانقسام، أعلنت القوى السنية الفائزة في البرلمان، في 23 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، تشكيل "المجلس السياسي الوطني"، ليكون مظلة جامعة، على غرار "الإطار التنسيقي" لدى القوى الشيعية.

وأكدت قوى المجلس التي تضم تحالفات "تقدم" و"عزم" و"السيادة" و"الحسم" و"الجماهير"، في بيان التأسيس، سعيها إلى تعزيز العمل المشترك بما يخدم مصالح جمهورها ويرتقي بالأداء السياسي.

ودعت هذه القوى أبناء المكوّن السني إلى دعم هذه الخطوة، مقدرة أنها تمهد لمرحلة جديدة من الاستقرار والبناء.

ويضم "المجلس السياسي الوطني" خمس قوى تمتلك مجتمعة نحو 75 مقعدا في البرلمان، باستثناء قرابة 10 نواب سُنة لا يزالون ضمن ائتلاف "الإعمار والتنمية" بقيادة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، إلى جانب الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني.