توتر مستمر بين الطيب والسيسي.. هل يتم تهميش دور الأزهر في قانون الأحوال الشخصية؟

إسماعيل يوسف | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

بعد فترة من الصمت أثارت انتقادات واسعة في الأوساط المصرية، ودفعت كثيرين لمطالبة شيخ الأزهر أحمد الطيب بالتدخل وحسم الجدل المثار حول مشروع قانون الأحوال الشخصية المعروض على البرلمان، والذي يواجه اعتراضات تتعلق ببنود يرى منتقدون أنها تقيّد الزواج وتفرض غرامات وتتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية، خرج الأزهر أخيرا ليعلن موقفه.

وفي 18 مايو/أيار 2026، نفى الأزهر الشريف، في بيان رسمي، أي دور له في صياغة مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد. مؤكدا أن المشروع لم يُعرض عليه من الأساس حتى الآن، رغم تصريحات سابقة لرئيس لجنة إعداده تحدث فيها عن موافقة الأزهر على نحو 90 بالمئة من مواده.

ولم يقتصر موقف الأزهر على نفي مشاركته في إعداد القانون المثير للجدل، أو عدم عرضه عليه رغم انتقاله إلى البرلمان ومناقشته بعد إحالته من الحكومة، بل حمل البيان تلميحا لافتا إلى تجاهل مشروع متكامل للأحوال الشخصية كانت المؤسسة قد أعدته عام 2019.

وجاء تحرك مشيخة الأزهر بعد تصاعد دعوات شعبية طالبت المؤسسة الدينية بإعلان موقفها من المشروع، وسط توقعات بأن يؤدي أي اعتراض صريح على بعض مواده إلى تجدد التباين بين شيخ الأزهر أحمد الطيب ورئيس النظام الانقلابي في مصر عبد الفتاح السيسي، على خلفية ملفات سابقة ارتبطت بقضايا دينية وتشريعية.

كما أعاد الجدل حول إمكانية تأثير موقف الأزهر على مسار إقرار القانون إلى الواجهة سنوات من التوتر المتقطع بين الرئاسة ومشيخة الأزهر منذ عام 2013، بدأت بخلافات حول مسألة الطلاق الشفهي وتجديد الخطاب الديني.

وبلغت تلك الخلافات ذروتها عام 2019 مع طرح تعديلات قيل إنها قد تمس استقلالية الأزهر عبر نقل صلاحيات تتعلق بآلية اختيار شيخه إلى رئيس الجمهورية، وهي الأزمة التي جرى احتواؤها لاحقا عبر وساطات وتحركات متعددة، غير أن التباينات ظلت حاضرة كلما برزت مشروعات أو ملفات مرتبطة بقضايا الشريعة والهوية الدينية.

لماذا تحرك الأزهر؟

يبدو أن الشرارة التي دفعت الأزهر إلى الخروج ببيان رسمي ينفي علاقته بمشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد جاءت بعد أيام من تصريحات لرئيس لجنة إعداد المشروع المستشار عبد الرحمن محمد، تحدث فيها عن موافقة الأزهر على غالبية مواده.

ففي 13 مايو/أيار 2026، قال رئيس اللجنة: إن الأزهر وافق على ما لا يقل عن 90 بالمئة من مواد مشروع القانون، قبل أن يوضح خلال ظهوره في برنامج "حضرة المواطن" على قناة "الحدث اليوم" أن المواد المستحدثة فقط هي التي لم تُعرض بعد على المؤسسة الدينية.

لكن الأزهر رد بصورة مغايرة تماما؛ إذ أكد في بيان رسمي، تعقيبا على الاستفسارات الواردة إليه بشأن موقفه من مشروع القانون المثير للجدل، أن "مشروع القانون لم يُعرض بعد على الأزهر الشريف، ولم يشارك الأزهر في صياغته بأي شكل من الأشكال".

كما أوضح المركز الإعلامي للأزهر أن المؤسسة سبق أن أعدت تصورا متكاملا لقانون الأحوال الشخصية عبر لجنة من هيئة كبار العلماء والأساتذة المتخصصين، وقدمت مشروعها في أبريل/نيسان 2019. مشيرا إلى أن الأزهر "لا يعلم مدى توافق هذا المقترح مع مشروع القانون المتداول حاليا".

ويرى متابعون أن بيان الأزهر جاء أيضا لقطع الطريق أمام أي انطباع عام يوحي بأن المؤسسة الدينية شاركت في إعداد المشروع أو منحت موافقتها المسبقة عليه، خصوصا مع تصاعد الجدل المجتمعي حول عدد من مواده.

كما حمل البيان رسالة ضمنية مفادها أن للأزهر رؤية تشريعية سابقة في الملف، وأن المشروع الحكومي المطروح ليس بالضرورة امتدادا مباشرا لما سبق أن قدمته المؤسسة.

وأعاد هذا الجدل إلى الواجهة واحدة من أبرز محطات التباين السابقة بين مؤسسة الرئاسة والأزهر، وتحديدا خلال احتفالية عيد الشرطة في يناير/كانون الثاني 2017، عندما طُرحت قضية "الطلاق الشفهي" مع دعوات إلى عدم الاعتراف به إلا إذا تم توثيقه رسميا، وهو ما رفضته هيئة كبار العلماء.

وخلال الاحتفال حينها، وجّه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي حديثه إلى شيخ الأزهر أحمد الطيب بالعبارة التي أثارت اهتماما واسعا آنذاك: "تعبتني يا فضيلة الإمام".

وعقب بيان الأزهر، عاد الجدل إلى الشاشات التلفزيونية؛ إذ استضاف الإعلامي أحمد موسى، في برنامجه على قناة "صدى البلد"، المستشار عبد الرحمن محمد للرد على نفي الأزهر.

وأكد الأخير مجددا أن إعداد المشروع تم بالتنسيق مع الأزهر، مشيرا إلى أن المؤسسة كانت قد أرسلت بالفعل مشروعها إلى وزارة العدل عام 2019، وأن لجنة الصياغة أجرت تعديلات عليه، قبل أن تتقدم الوزارة عام 2021 بمشروع آخر تضمن نحو 194 مادة.

وأوضح أن مشروع الحكومة يضم بابا خاصا بالولاية على النفس، وأن الأزهر اقترح تعديلات على عدد محدود من المواد، مضيفا أن اللجنة أخذت بالملاحظات التي وردت إليها وأدخلت تعديلات إضافية.

كما أقر بأن مشروع القانون سيُعرض على الأزهر لاحقا بعد انتهاء مناقشاته البرلمانية، مقدرا أن المشروع الحالي يمثل صيغة توافقية بين ما قدمته وزارة العدل والمقترحات السابقة.

وخلال النقاش ذاته، علّق الدكتور عباس شومان، الأمين العام لهيئة كبار العلماء بالأزهر، على الجدل المثار، مؤكدا أن بيان الأزهر لم يكن موجها ضد أي مؤسسة، وإنما هدفه توضيح موقف الأزهر للرأي العام.

وقال: إن المؤسسة “لم تتسلم حتى الآن مشروع القانون ولم تُبد رأيها فيه”. موضحا أن الأزهر كان قد شكل لجنة ضمت علماء وفقهاء وممثلين عن جهات قضائية ومؤسسات معنية، وعملت قرابة عام كامل لإعداد مشروعها الخاص.

وأضاف أن المشروع المتداول حاليا "ليس مشروع الأزهر"، وأن تصوير الأمر على أنه نتاج مشاورات مشتركة يضع المؤسسة تحت ضغط غير مبرر.

وتداولت أوساط إعلامية لاحقا روايات غير مؤكدة تفيد بأنه بعد هذا السجال التلفزيوني جرى التواصل مع ممثلين عن الأزهر لإرسال نسخة من مشروع القانون، إلا أنه لم يصدر تأكيد رسمي بشأن ذلك.

مواد غريبة

تتركز أبرز المواد المثيرة للجدل في مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد للمسلمين في مصر حول ملفات الحضانة والرؤية والاستضافة وفسخ الزواج والطلاق للضرر، إلى جانب الرسوم والإجراءات المرتبطة بالزواج والطلاق.

ومن أكثر البنود التي أثارت نقاشا واسعا ما يتعلق بإمكانية فسخ الزواج خلال الأشهر الستة الأولى؛ إذ يمنح المشروع الزوجة حق اللجوء إلى القضاء لفسخ العقد إذا ثبت تعرضها لتدليس أو إخفاء معلومات جوهرية من جانب الزوج.

وتنص المادة السابعة (فقرة ب) على أنه: "يحق للزوجة فسخ عقد الزواج قضائيا خلال مدة لا تتجاوز ستة أشهر من تاريخ العقد إذا ثبت أن الزوج ادعى لنفسه صفات غير حقيقية وتزوجته على هذا الأساس، بشرط عدم وجود حمل أو إنجاب".

ويشمل ذلك، بحسب التفسيرات المتداولة، حالات إخفاء المؤهل الدراسي أو طبيعة المهنة أو معلومات أساسية قد تؤثر في استمرار الحياة الزوجية.

وقد أثار هذا النص انقساما واسعا؛ إذ يرى منتقدون أنه قد يحول الأشهر الأولى من الزواج إلى ما يشبه "فترة اختبار" تفتح الباب أمام ارتفاع معدلات الانفصال المبكر، بينما يرى مؤيدوه أنه يوفر حماية قانونية للزوجة في حالات التدليس والخداع.

كما أثار تعديل ترتيب الحضانة جدلا آخر، بعدما وضع المشروع الأب في المرتبة الثانية مباشرة بعد الأم، خلافا للترتيب المعمول به سابقا، وهو ما دفع بعض المدافعين عن حقوق المرأة إلى التحذير من انعكاساته على أوضاع الحضانة.

وفي ملف الطلاق، أثارت مواد تنظيم إجراءات التطليق نقاشا واسعا، خاصة ما يتعلق بإلزام الزوج الراغب في الطلاق، خلال السنوات الأولى من الزواج، بسلوك مسار قضائي ومحاولات للصلح قبل استكمال الإجراءات الرسمية.

ويتضمن المشروع كذلك تنظيما لقضايا "الطلاق للضرر" و"الخلع"، مع مقترحات تتعلق بحماية الحقوق المالية للزوجات وإنشاء آليات دعم وصناديق مالية للتعامل مع المستحقات بعد الانفصال.

ومن النقاط التي أثارت خلافا أيضا تنظيم مسألة الزواج الثاني؛ إذ يضع المشروع إجراءات تتعلق بإخطار الزوجة الأولى وإبلاغها، وهو ما يراه مؤيدون ضمانة لحماية الحقوق، بينما يعده معارضون تقييدا لأحكام التعدد.

كما عاد ملف الطلاق الشفهي إلى الواجهة، في ظل اتجاه المشروع إلى تعزيز التوثيق الرسمي للإجراءات، رغم تمسك الأزهر في مواقف سابقة بأن الطلاق الشفهي يقع شرعا متى استوفى شروطه، حتى لو لم يتم توثيقه.

ويعود الجدل حول القانون إلى سنوات سابقة؛ إذ كان الأزهر قد قدم مشروعا متكاملا للأحوال الشخصية عام 2019، بينما اتجهت الدولة لاحقا إلى تشكيل لجنة قانونية لإعداد مشروع آخر.

وتزامن ذلك مع نقاشات مجتمعية وإعلامية واسعة حول قوانين الأسرة والأحوال الشخصية، كان من بينها الجدل الذي أثاره مسلسل فاتن أمل حربي وما صاحبه من مطالب بإعادة النظر في بعض القوانين المنظمة للعلاقات الأسرية.

وفي مايو/أيار 2022، تحدث رئيس النظام الانقلابي عبد الفتاح السيسي عن الحاجة إلى تطوير قانون الأحوال الشخصية، مقدرا أن شكل المجتمع والأسرة يمثل مسؤولية مشتركة بين مؤسسات الدولة.

وبعد موافقة الحكومة على المشروع وإحالته إلى البرلمان في أبريل/نيسان 2026، أوضح وزير العدل أن القانون استحدث ملحقا لعقد الزواج يتضمن بنودا اختيارية تتعلق بمسكن الزوجية والاتفاقات المالية، مع منحها قوة تنفيذية قانونية.

كما نص المشروع على تنظيم وثيقة تأمين للزوجة يقدمها المقبل على الزواج ضمن الإجراءات الجديدة.

وفي خضم هذا الجدل، برزت مقارنات بين آلية إعداد قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، التي جرت بالتنسيق مع الكنائس، وبين مسار إعداد مشروع قانون المسلمين، ما أثار نقاشات حول طبيعة المرجعيات الدينية وحدود مشاركتها في التشريعات المتعلقة بالأحوال الشخصية.

أين ذهب مشروع الأزهر 2019؟

في خضم الجدل الدائر حول مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد، أعاد بيان الأزهر الأخير فتح ملف مشروعه الذي سبق أن أعده عام 2019، وسط تساؤلات حول مصيره وأسباب عدم الأخذ به في الصيغة الحكومية الحالية.

وكان الأزهر قد أكد في بيانه أنه قدّم بالفعل مشروعًا متكاملًا للأحوال الشخصية في أبريل/نيسان 2019، أعدّته لجنة من هيئة كبار العلماء والأساتذة المتخصصين، ضمن رؤية تهدف إلى توحيد وتنظيم قوانين الأسرة وتقليل النزاعات وضمان حقوق المرأة والأطفال.

غير أن المؤسسة الدينية أوضحت في الوقت نفسه أنها لا تعلم مدى توافق هذا المشروع مع القانون المعروض حاليًا على البرلمان، ما أعاد طرح سؤال جوهري: هل جرى تجاهل المشروع الأزهر أم استبداله؟

وبحسب ما يتداوله الجدل الدائر، فإن مشروع الأزهر الذي أُنجز عام 2019 جاء نتيجة عمل لجنة شُكلت منذ عام 2017، وضمّ نحو 192 مادة تناولت مختلف ملفات الأسرة، من الزواج والطلاق إلى الحضانة والنفقة والرؤية، في محاولة لصياغة قانون موحد بديل عن تعدد النصوص المتفرقة.

لكن المشروع، وفق ما تشير إليه تصريحات ومداولات لاحقة، لم يدخل حيز التشريع، وسط إشارات إلى خلافات مؤسسية داخل الدولة حول بعض الملفات الحساسة، وعلى رأسها الطلاق الشفهي وتنظيم العلاقة الزوجية، وهي قضايا ظلّت محل نقاش متكرر بين مؤسسات دينية ورسمية.

ويُنظر إلى بيان الأزهر الأخير بصفته إشارة غير مباشرة إلى أن مشروعه لم يُؤخذ به أو لم يُدرج ضمن الصياغة النهائية للقانون الحكومي، رغم أنه كان يفترض أن يشكّل مرجعية رئيسة في هذا الملف، بتقدير طبيعة القضايا المرتبطة مباشرة بأحكام الشريعة الإسلامية.

وفي المقابل، تتصاعد التساؤلات حول ما إذا كان المشروع قد جرى تجاوزه بالكامل لصالح صياغة حكومية جديدة، أم أنه ما يزال مطروحًا كمرجعية موازية لم تُفعّل بعد داخل البرلمان.

ويفتح هذا التباين الباب أمام جدل أوسع حول آلية صناعة التشريعات الأسرية في مصر، وحدود العلاقة بين المرجعيات الدينية والمؤسسات التشريعية، خاصة في القوانين ذات الحساسية الاجتماعية والدينية العالية.

تصريحات قوية

في ذروة الجدل حول حدود دور الأزهر في التشريع، خرج شيخ الأزهر أحمد الطيب بتصريحات حاسمة رفض فيها التقليل من مكانة المؤسسة الدينية في ملفات الأحوال الشخصية، مؤكداً أن الحديث في القوانين المستندة إلى الشريعة “لا يجوز أن يُترك لمن هبّ ودبّ”.

وقال الطيب، في تصريحات لجريدة “صوت الأزهر” بتاريخ 10 أبريل/نيسان 2019، إن المؤسسة أعدّت مشروع قانون الأحوال الشخصية “انطلاقاً من واجبها الشرعي ودورها الدستوري في هذا المجال”، مشدداً على أن الأزهر لا يتدخل في الشأن التشريعي من باب الترف، بل من منطلق اختصاصه الديني.

وأضاف أن القضايا المرتبطة بالأسرة في الإسلام—من زواج وطلاق وميراث—“لا يصح أن يُفتي أو يُشرّع فيها إلا أهل العلم المتخصصون”، مقدرا أن إقصاء الأزهر عن هذا الملف يتعارض مع ما يقره الدستور والعرف الديني في البلاد.

وأشار الطيب إلى أن مشروع القانون الذي أعده الأزهر يمثل في نظره واجباً علمياً وشرعياً، وليس مجرد رأي استشاري، مؤكداً أن “العامة لا تقبل أن يُقنن لها من لا علم له بأحكام شريعتها”.

وفي سياق متصل، حظي المشروع بدعم عدد من الفقهاء ونواب البرلمان وخبراء قانونيين، الذين رأوا أن الأزهر هو الجهة الأكثر تأهيلاً للبت في القوانين ذات الصلة المباشرة بالشريعة، متسائلين عن جدوى تجاهل رأيه في هذا الملف الحساس.

ويأتي ذلك في ظل استمرار الجدل الذي رافق ما عُرف بـ“تجديد الخطاب الديني” منذ عام 2015، وما تبعه من نقاشات حادة حول قضايا مثل الطلاق الشفهي؛ حيث دعت أطراف رسمية إلى تقييده بالتوثيق، في مقابل تمسك الأزهر بوقوعه شرعاً بمجرد النطق به.

كما تعود هذه السجالات إلى تاريخ أقدم من التدخلات المتبادلة بين المؤسسة الدينية والسلطة التنفيذية في قوانين الأسرة، من قانون 1979 المعروف إعلامياً بـ“قانون جيهان”، إلى قانون 2000 المرتبط بإدخال نظام الخلع، وصولاً إلى المشروع الحالي الذي يثير خلافاً متجدداً حول المرجعية النهائية في تشريع الأحوال الشخصية.