الجبهات تشتعل والقيادة تتبدل.. ماذا يجري داخل غرفة حرب الجيش السوداني؟

داود علي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في خطوة مفاجئة تهز المؤسسة العسكرية السودانية، أجرى قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان سلسلة تغييرات جذرية في قيادة الجيش، في أكبر إعادة هيكلة منذ اندلاع الحرب.

هذه التحولات جاءت في وقت تتصاعد فيه المعارك في النيل الأزرق وجنوب كردفان، وسط محاولات الجيش تثبيت مكاسب ميدانية وقطع خطوط الإمداد عن قوات الدعم السريع المتمردة، ما يجعل الخطوة بمثابة رسالة قوية من قمة السلطة العسكرية إلى الداخل والخارج على حد سواء.

بناء غرفة الحرب

أظهرت حركة تعيينات القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، أن المؤسسة العسكرية تتجه نحو قيادة حرب أكثر مركزية وإيقاعًا أسرع.

فانتقال ياسر العطا من موقعه السياسي والعسكري السابق إلى رئاسة الأركان يمنحه سيطرة أكبر على القوات المسلحة، مع تقليص دوره السياسي، وفق رويترز، وهو ما يضع التعيين في خانة إدارة العمليات لا مجرد الخطاب والتعبئة.

ولم يتوقف الأمر عند الشخص، بل شمل إعادة تشكيل كاملة لهيئة القيادة: تعيين عبد الخير عبد الله ناصر درجام نائبًا للإدارة، ومعتصم عباس التوم نائبًا للعمليات، وحيدر علي الطريفي نائبًا للتدريب، وخلف الله عبد الله إدريس نائبًا للإمداد، فيما وصفته صحيفة سودان تريبيون بأنه إعادة بناء لغرفة الحرب، لا مجرد ترقية فردية.

ويأتي هذا التوزيع الجديد للصلاحيات في وقت لم تعد فيه الحرب في السودان تُحسم بالسيطرة على المدن الكبرى فقط، بل بقدرة الجيش على إدارة جبهات متباعدة، التعامل مع الطائرات المسيرة، حماية خطوط الإمداد، وتحريك التعزيزات بسرعة.

وربطت رويترز هذا التعيين مباشرة بإمكانية فتح جبهة جديدة في جنوب شرق النيل الأزرق، ما يجعل القرار إعلانًا عمليًا بأن الجيش يستعد لحرب أطراف أكثر تعقيدًا، لا مجرد معركة رمزية في العاصمة.

على الأرض، تأتي أهم الإشارات العسكرية من جنوب كردفان والنيل الأزرق؛ حيث تمكن الجيش السوداني في 6 أبريل/ نيسان 2026 من إعادة فتح الطريق الرابط بين الدلنج في جنوب كردفان وشمالها، بعد معارك عنيفة مع تحالف الدعم السريع والحركة الشعبية شمال.

ولا يقتصر هذا الإنجاز على كونه تقدماً تكتيكياً، بل يرتبط بخط لوجستي حيوي يربط المدن المحاصرة بعمق الجيش في الشمال، ويعزز قدرة القوات على تحريك التعزيزات والإمدادات.

ويأتي ذلك ضمن جهد مستمر بدأ مطلع يناير/ كانون الثاني 2026 لكسر الحصار عن المدن الرئيسة عبر مسارات وعرة، ما يجعل عملية 6 أبريل حلقة متقدمة في إستراتيجية الجيش لتأمين الممرات الحيوية.

سبق ذلك في 28 مارس/ آذار صد الجيش لهجوم منسق شنه الدعم السريع والحركة الشعبية شمال على الدلنج، مدعوماً بضربات بالطائرات المسيرة والمدفعية الثقيلة استهدفت مراكز صحية ومدارس وأسواقاً.

ورغم سيطرة المهاجمين مؤقتاً على منطقة التكمة شرق الدلنج بنحو سبعة كيلومترات، أعاد الجيش في 6 أبريل فتح الطريق واستعادة السيطرة على الممرات الحيوية.

هذا التسلسل يعكس أن المعارك لا تحدد فقط من يسيطر على بلدة، بل من يمتلك القدرة على الاستمرار في الحرب نفسها، مؤكداً أن السيطرة على الطرق والإمدادات أصبحت عاملاً حاسماً في الحسابات العسكرية السودانية.

محور التحولات

في النيل الأزرق، كانت الصورة أكثر وضوحاً للدوافع وراء إعادة ترتيب القيادة، فبحلول 1 أبريل 2026 وصل أكثر من 10 آلاف نازح من منطقة قيسان الحدودية مع إثيوبيا إلى الروضصيرص، وسط تحركات حشد من قوات الدعم السريع والحركة الشعبية شمال يهدد المنطقة.

قبل ذلك بأيام، وسع التحالف المتمرد عملياته بعد السيطرة على الكرمك، ما جعل قيسان تحت تهديد مباشر، بما يشكل خطراً على الدمازين وخزان الروصيرص. وفي 29 مارس، أعلن الجيش صد هجوم على منطقة الكيلي، بعد أيام من سقوط الكرمك.

هذه المعطيات تجعل الجبهة الجنوبية الشرقية أكثر من مجرد مسرح ثانوي؛ إذ فرضت إعادة ترتيب الأولويات على الجيش.

هنا يصبح تعيين القيادات الجديدة أكثر وضوحاً؛ فالجيش لا يواجه خصماً متراجعاً على جميع الجبهات، بل خصماً يحاول التعويض عن الضغط في دارفور وكردفان بفتح جبهة النيل الأزرق والتقدم مع حلفائه المحليين.

وكشفت وكالة رويترز في 2 أبريل أن الجبهة الجديدة كانت جزءاً من السياق الإستراتيجي الذي أعطى تغييرات القيادة معنى عملياً، فيما أظهر تحقيق نشرته الوكالة في 10 فبراير 2026 أن معسكراً سرياً في إقليم بني شنقول قمز الإثيوبي كان يدرب آلاف المقاتلين لصالح الدعم السريع، وقد عبر مئات منهم الحدود لدعم الجبهة.

هذا يجعل النيل الأزرق محور معركة الإمداد البشري وليس مجرد توغل موضعي.

أما في دارفور، فالتركيز الأكثر حساسية يتعلق بقدرة الجيش على ضرب قلب إمدادات الدعم السريع. تشير المعطيات حتى 7 أبريل إلى أن الإمدادات عبر ليبيا لم تنهر بالكامل، لكنها أصبحت تحت ضغط شديد ومرتبطة بحسابات إقليمية معقدة.

وأشارت تقارير مجلس العلاقات الخارجية الأميركي في 27 أبريل 2025 إلى أن ممر ليبيا صار نقطة محورية للعمليات اللوجستية، فيما يظهر المسار التشادي تعرضه لضغط أكبر، بعد إغلاق تشاد حدودها الشرقية في 23 فبراير 2026 ونشر قوات إضافية عقب هجوم بطائرة مسيرة قتل 17 شخصاً.

هذه التطورات تجعل المسار التشادي أقل استقراراً وأكثر خطورة، ما يصب في مصلحة إستراتيجية الجيش الرامية إلى إضعاف قدرات الدعم السريع لوجستياً وخنقها على الجبهات.

التحول الأكثر أهمية 

قال السياسي السوداني الدكتور إبراهيم عبد العاطي لـ"الاستقلال": إن ما يجرى داخل غرفة الحرب للجيش السوداني يمثل التحول الأكثر أهمية في مسار الصراع خلال هذه المرحلة.

وأوضح عبد العاطي أن "تغيير القيادات العليا وهيئة الأركان، وعلى رأسها تعيين ياسر العطا، ليس مجرد إجراء إداري، بل إعادة تنظيم لمركز القرار العسكري، بما يقلص زمن اتخاذ القرار ويحسن التنسيق بين الجبهات".

وأشار إلى أن هذا التحول يأتي لأول مرة بالتزامن مع تحركات ميدانية تستهدف شريان الإمداد، ما يعكس انتقال الجيش من مجرد إدارة الحرب إلى محاولة إعادة تشكيلها وإستراتيجية حقيقية لتوجيه المعركة.

وأضاف أن "ما يحدث يقوم على تلاقي ثلاثة مسارات رئيسة: إعادة بناء القيادة، تأمين الطرق الحيوية في كردفان، والضغط على خطوط الإمداد القادمة من تشاد، بالتوازي مع تصعيد العمليات في دارفور والنيل الأزرق".

لكنه شدد على أن هذه المرحلة لا تعني الحسم النهائي بعد، موضحًا أن "بعض مسارات الإمداد، خاصة عبر ليبيا، لا تزال قائمة، وجبهة النيل الأزرق تبقى مفتوحة أمام تعزيزات بشرية وعسكرية، ما يمنح الدعم السريع القدرة على المناورة".

وختم عبد العاطي بالقول: إن "الجيش بدأ فعليًا في استهداف نقاط ضعف الدعم السريع، لكن تحويل هذا التقدم إلى حسم نهائي يعتمد على قدرته على استمرارية خنق الإمدادات ومنع إعادة بناء قدرات الخصم عبر الجبهات الطرفية".