بعد خسائرها المليارية.. هكذا ستشكل دول الخليج علاقاتها مع أميركا والصين

"ما حدث لا يعني أن أميركا ستتخلى عن شراكاتها في مجال الطاقة مع دول الخليج"
أدّى العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران إلى إحداث اضطراب غير مسبوق في إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال عالميًا في التاريخ الحديث.
فقد كان نحو 20% من إمدادات النفط العالمية و20% من صادرات الغاز الطبيعي المسال تمر عبر مضيق هرمز قبل العدوان.
إلا أنه خلال مارس/آذار 2026، انهار تدفق النفط والغاز عبر المضيق، ليتراجع إلى متوسط يومي لا يتجاوز 5% من مستوياته المعتادة.
وسعى كلٌّ من السعودية والإمارات إلى تحويل مسارات شحنات النفط الخام، غير أن الخطوط والقنوات البديلة لا تستطيع تعويض هذا النقص، فضلًا عن كونها نفسها عرضة للمخاطر، وفقًا لمقال نشرته مجلة "فورين أفيرز" الأميركية.

خسائر لسنوات
وقالت الباحثة كارين يونغ: إن "الأضرار التي لحقت بمنشأة رأس لفان، مركز تصدير الغاز الطبيعي المسال الرئيس في قطر، جراء الهجوم الإيراني في 18 مارس/آذار، تعني أن أكبر منتج للغاز الطبيعي المسال عالميا قد يواجه تراجعا في طاقته الإنتاجية لسنوات مقبلة".
لكن آثار الحرب على قطاع الطاقة تتجاوز بكثير إغلاق مضيق هرمز ورأس لفان. وكما أشار الرئيس التنفيذي لـ "مؤسسة البترول الكويتية"، الشيخ نواف الصباح، فإن هذه الاضطرابات تُحدث أثرا متسلسلا.
فحتى لو جرى التوصل إلى وقف إطلاق النار غدا، فإن إعادة تفعيل التأمين على ناقلات النفط بأسعار مقبولة قد يستغرق شهورا. بحسب المقال.
كما يجب تفريغ النفط الخام من المخازن للسماح بإعادة تشغيل المضخات قبل أن تتمكن مصافي وقود الطائرات والديزل من استئناف عملياتها، وبالتالي إعادة تنشيط إنتاج المواد البتروكيماوية الأساسية.
وأضافت يونغ أن "التاريخ يقدم أمثلة مقلقة على المدة التي قد تستغرقها هذه العملية المتكررة؛ فقد شنت جماعة الحوثي هجمات على الملاحة في البحر الأحمر أواخر عام 2023، ولكن على الرغم من وقف إطلاق النار، لا يزال المرور عبر الممر المائي أقل بنسبة 60 بالمئة من مستويات ما قبل عام 2023".
واستغرقت شركة "توتال إنيرجيز" أربع سنوات لاستئناف أعمال البناء في مشروعها للغاز الطبيعي المسال في موزمبيق بعد هجوم كبير بالقرب من الموقع عام 2021، نفذته جماعات مسلحة.
وتابعت: "تواجه دول الخليج حالةً عميقة من الضبابية الاقتصادية، ما سيُعيد تشكيل طريقة تعاملها مع بعضها البعض ومع إيران وإسرائيل والولايات المتحدة لسنوات قادمة".
واستدركت يونغ: "لكن هذه الحرب كشفت أيضا عن مدى إلحاح حاجة الولايات المتحدة إلى تحديث نهجها تجاه دول الخليج فيما يتعلق بالطاقة".
وخلال عهد الرئيس دونالد ترامب تحديدا، تعاملت واشنطن مع هذه الدول بوصفها مجرد مصادر للطاقة، بدلا من عدها شركاء متزايدي الأهمية في تأمين أسواق النفط والغاز، ودعم التحول نحو الطاقة المتجددة. بحسب المقال.
وصرّح ترامب بأنه في حال إنهاء الحرب مع إيران، ستكتفي الولايات المتحدة بحماية دول الخليج "عن بُعد"، دون أن يتخلى عن دعوته للسعودية لاستخدام طاقتها الفائضة لتلبية الطلب الأميركي والعالمي على النفط.
وأكدت يونغ أن مطالب ترامب المتكررة لدول الخليج بالاستثمار في قطاع الطاقة الأميركي تنطوي على افتراض ضمني بأن هذه الدول مطالبة بقبول قدر محدود من الأمن مقابل أعباء مالية أكبر.
غير أن المقال يرصد أن منتجي النفط في الخليج يغيرون نظرتهم إلى الطاقة. فلم يعد الاعتماد على النفط لتحقيق الأمن إستراتيجية مجدية. وفق المقال.

الخليج يغير سياساته
وإدراكا منها لضرورة تنويع اقتصاداتها ومصادر الطاقة لديها، عملت دول الخليج على أن تصبح لاعبا محوريا على امتداد سلسلة القيمة في قطاع الطاقة، مستثمرةً في التكرير والتخزين والإنتاج، ومشاركةً في مشاريع الطاقة المتجددة والنفط والغاز حول العالم.
فمثلا، حوّلت السعودية إنتاجها المحلي من الكهرباء لتوفير النفط للتصدير، بينما تُشيّد الرياض وأبو ظبي بعضا من أكبر مشاريع الطاقة الشمسية في العالم.
وشهد الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي في دول الخليج نموا مطردا، بما في ذلك قطاع البتروكيماويات، فضلا عن قطاعات السياحة والضيافة والتعدين والذكاء الاصطناعي والخدمات المالية، وفق المقال.
وأضافت الباحثة: "بغضّ النظر عن كيفية انتهاء الحرب، من المرجح أن تُسرّع دول الخليج المنتجة للنفط جهودها لتنويع اقتصاداتها والاضطلاع بدور أكبر في سلاسل إمداد الطاقة العالمية".
وستسعى هذه الدول -وفق المقال- إلى إيجاد شركاء، وعلى رأسهم الصين، ممن يرون مستقبل الطاقة لا يقتصر على كمية النفط أو الغاز التي تمتلكها الدولة فحسب. وستفعل ذلك سواءً بوجود الولايات المتحدة، أكبر منتج للنفط والغاز في العالم، أو بدونها.
وقالت يونغ: إن "إدارة ترامب تُسيء فهم إستراتيجية الصين في مجال الطاقة. فبكين لا تسعى لبناء "دولة الكهرباء" في مواجهة "دولة البترول" الأميركية. بل على العكس، تعمل الصين في الوقت نفسه على تعزيز إنتاجها المحلي من الوقود الأحفوري وتسريع استخدامها وتصديرها للطاقة النظيفة".
وتُعد الصين بالفعل منتجا رئيسيا للنفط والغاز؛ إذ تُنتج يوميا نفس كمية النفط التي كانت تُنتجها الإمارات قبل الحرب الإيرانية. وقد سمح تبنيها للسيارات الكهربائية والطاقة المتجددة بتقليص اعتمادها بشكل مطرد على واردات النفط والغاز، بما في ذلك من الشرق الأوسط.
لكن هذا لا يعني أنها ستتخلى عن شراكاتها في مجال الطاقة مع دول الخليج -بحسب تأكيد المقال- بل إنها تُغير طبيعة هذه الشراكات من خلال السعي إلى استثمارات متبادلة في الطاقة النظيفة.
وقد استثمرت كيانات صينية رؤوس أموال وخبرات فنية في مشاريع الطاقة المتجددة في منطقة الخليج، لا سيما في عام 2019، عندما استحوذ صندوق طريق الحرير على حصة 49 بالمئة في شركة "أكوا باور" ومقرها الرياض، أكبر شركة لتحلية المياه في العالم وأحد أبرز منتجي الطاقة الشمسية في الشرق الأوسط.
وقد دعمت هذه الشراكة التوسع الكبير في استخدام الطاقة الشمسية، بما في ذلك مجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية في دبي، أحد أكبر مشاريع الطاقة المتجددة في العالم.
كما أرست شركة "مصدر"، ذراع الإمارات لتطوير الطاقة المتجددة المملوكة للدولة، علاقةً تكاملية مع مستثمرين صينيين حكوميين وسلاسل توريدهم؛ إذ تعاونت مع شركتَي "غولدويند" و"باور تشاينا" الصينيتين لإنشاء مزرعة زرافشان لطاقة الرياح، أكبر مشروع منفرد لطاقة الرياح في آسيا الوسطى.
وبحسب المقال، تخلق هذه الاستثمارات المتبادلة ترابطا إستراتيجيا متصاعدا؛ إذ تحصل الصين على شركاء موثوقين وأسواق لتصدير تقنيات الطاقة النظيفة، فيما تُسرّع دول الخليج تحولها الطاقي وتؤمّن موطئ قدم في قطاعات النمو غير النفطية.

فشل أميركي
في غضون ذلك، أخفقت الولايات المتحدة في إدراك هذه الفرص الجديدة أو اغتنامها، لا سيما في منطقة الخليج. وقد سعت إدارة ترامب إلى استقطاب استثمارات خليجية في قطاع إنتاج الغاز الأميركي.
إلا أن هذه الاتفاقيات تفتقر إلى استثمارات أميركية مماثلة في مشاريع الطاقة التي تقودها دول الخليج؛ إذ لا تمتلك الولايات المتحدة صندوق ثروة سيادياً يمكنه توجيه هذه المبادرات أو دعمها.
وقد استحوذت الصين على نحو 20% من صادرات البتروكيماويات لدول مجلس التعاون الخليجي عام 2023، ومن المرجح أن تُنتَج هذه المواد محلياً مستقبلاً. وفق تقييم يونغ.
وبحسب المقال، تراهن شركات النفط الخليجية المملوكة للدولة على الاستثمار المشترك في إنشاء مجمعات بتروكيماوية داخل الصين، خاصة أن الطلب على البتروكيماويات سيظل مرتفعاً لفترة طويلة حتى بعد تراجع الطلب على النفط الخام.
كما تعمل الصين على إنشاء مصانع للألواح الشمسية في كل من السعودية والإمارات، دعماً لأهدافهما في مجال الطاقة المتجددة، ومساهمةً في بناء صناعات بديلة عن النفط.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، التزمت واشنطن بالتعاون مع الرياض في مشاريع الطاقة النووية المدنية، لكنها تفتقر إلى إستراتيجية مماثلة تهدف إلى بناء قدرات صناعية محلية أو نقل التكنولوجيا إلى دول الخليج الساعية لتنويع اقتصاداتها. بحسب يونغ.
في المقابل، تتبنى الصين نموذجاً تجارياً يمنح دول الخليج دور الشريك المستفيد، مع توجه نحو منح الموردين الأميركيين مزايا في المناقصات النووية. ويعكس هذا النهج ثقة بقدرات دول الخليج المستقبلية ومكانتها في الاقتصاد العالمي، وهي ثقة لا تبدو الولايات المتحدة شريكاً كاملاً فيها.
وترى الباحثة أن الحرب مع إيران كشفت هذا القصور في تقدير الدور المحوري الذي سيضطلع به الخليج ضمن منظومة الطاقة العالمية مستقبلاً.
فقد جعلت الضربات الأميركية والإسرائيلية اقتصادات دول الخليج عرضةً لردود انتقامية إيرانية، في وقت تواصل فيه واشنطن تقييم أضرار الحرب وفق معيار ضيق يتمثل في أسعار النفط، بدلاً من استيعاب تداعياتها الأوسع على دور الخليج بصفته مشغّلاً ومطوراً لمنظومة الطاقة عالمياً.
وأوضحت الباحثة أن هذا الواقع يفرض، على المدى القريب، أن تتوقف واشنطن عن الإضرار بصناعة الطاقة الشمسية الأميركية عبر استهداف سلاسل توريدها المرتبطة بالصين.
وأضافت أنه يتعين عليها أيضاً البحث عن آفاق جديدة للتصنيع والتقدم التكنولوجي، سواء داخل الولايات المتحدة أو في دول الخليج، وفق ما ورد في المقال.
كما ستُفرز هذه الحرب لحظة مفصلية في تحديد كيفية تقاسم التكنولوجيا النووية الأميركية مع دول المنطقة، بحسب المقال.
وفي هذا السياق، تجد واشنطن نفسها أمام خيارين: إما أن تدع إستراتيجيتها في مجال الطاقة تغرق في خضم الصراع مع التهديد الإيراني المتصاعد، أو أن تتبنى مساراً استشرافياً يتطلع إلى المستقبل.















