من النفط والمعادن إلى الطيران.. حرب الشرق الأوسط تشل مفاصل الاقتصاد العالمي

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

تشهد المنظومة الاقتصادية العالمية صدمة متسارعة نتيجة العمليات العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل ضد إيران.

تقارير إعلامية دولية أكدت أن تداعيات الصراع امتدت إلى أسواق الطاقة، والنقل الجوي والبحري، والمواد الخام الصناعية الحيوية، إضافة إلى سلاسل الإمداد العالمية.

فنتيجة تصاعد المخاطر في الملاحة عبر مضيق هرمز، ارتفعت أسعار النفط والوقود، كما ألغيت رحلات جوية على نطاق واسع، الأمر الذي أثّر بشكل مباشر على نقل السلع عالية القيمة.

عواقب كارثية

في الوقت ذاته، عُرقلت إمدادات مواد أساسية مثل الألمنيوم والكبريت والهيليوم، وهو ما انعكس على قطاعات تمتد من الطيران إلى التعدين وصولا إلى صناعة أشباه الموصلات.

وبحسب موقع "سي أر آي" الصيني الحكومي فإن قطاع الطاقة يعد الأكثر عرضة للصدمات المباشرة، فمضيق هرمز يمثل أحد أهم الممرات العالمية لنقل النفط والغاز؛ حيث يمر عبره نحو خُمس الاستهلاك العالمي من النفط وربع تجارة الغاز الطبيعي المسال. 

وتابع: "تسببت الهجمات الأميركية على إيران في توقف عدد كبير من ناقلات النفط عن عبور المضيق، ما أدّى إلى انخفاض الإمدادات اليومية بنحو عشرين مليون برميل".

وقد انعكس تعطل حركة الملاحة بسرعة على أسعار الطاقة، فعلى سبيل المثال ارتفعت عقود خام برنت الآجلة خلال تداولات 9 مارس/ آذار 2026 إلى نحو 119 دولارا للبرميل، وهو أعلى مستوى منذ عام 2022. 

ورغم تراجع السعر في 10 مارس ليغلق عند 88.70 دولارا للبرميل، بانخفاض حادّ نسبته 10.37 بالمئة مقارنة باليوم السابق، إلا أن هذا المستوى لا يزال أعلى بكثير من السعر الذي كان سائدا قبل الهجمات على إيران، والذي بلغ نحو 72 دولارا للبرميل.

وحذّر رئيس شركة “أرامكو” السعودية، أمين ناصر، من أن استمرار إغلاق المضيق قد يقود إلى "عواقب كارثية" على سوق النفط العالمي.

بالتوازي مع ذلك، تأثّر سوق الديزل بشكل أشد، فقد نقلت وكالة "رويترز" عن الخبير الاقتصادي فيليب فيلرغ أن توقف الملاحة في مضيق هرمز قد يعرقل إمدادات تتراوح بين ثلاثة وأربعة ملايين برميل يوميا، أي ما يعادل 5 بالمئة إلى 12 بالمئة من الاستهلاك العالمي. 

وفي هذا السياق، صرَّح مسؤول في شركة تجارة طاقة وسلع مقرها دبي قائلا: "يُعد الديزل أكثر منتجات الطاقة هشاشة في هذه الأزمة؛ إذ يشكل العمود الفقري للنقل العالمي والزراعة والتعدين والأنشطة الصناعية". 

وأضاف أن استمرار نقص الإمدادات قد يؤدي إلى تضاعف أسعار الديزل في الأسواق للمستهلكين.

إلى جانب الطاقة، أوضح الموقع أن "تأثير الصراع امتدّ بسرعة ليضرب منظومة النقل العالمية؛ فقد أشارت تحليلات رويترز إلى أن حركة السفن عبر مضيق هرمز تراجعت بنحو 97 بالمئة منذ اندلاع الحرب".

وبحسبه، أجبرت هذه التطورات العديد من شركات الشحن على تحويل مسارات سفنها عبر رأس الرجاء الصالح في إفريقيا، ما يعني رحلات أطول وتكاليف أعلى، وهو ما يفاقم حالة الاضطراب في الاقتصاد العالمي.

مركز لوجستي

كما نقلت هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" عن مسؤول في إحدى شركات الشحن العالمية أن الارتفاع في تكاليف النقل الناجم عن هذا الصراع سيتم تحميله في نهاية المطاف على العملاء، ومن ثم قد يتحمله المستهلك النهائي.

وفي هذا السياق، أوضحت خبيرة إدارة سلاسل الإمداد في كلية هانكن للاقتصاد في فنلندا، سارة شيفلين، أن "ما يُميّز هذه الأزمة هو أنها تضرب مركزا لوجستيا عالميا فائقا يربط في الوقت ذاته بين النقل البحري والجوي".

وأضافت: "تعتمد سلاسل الإمداد الحديثة على شبكة من المراكز المحورية، وأي خلل يصيب أحد هذه المراكز الحيوية سينعكس مباشرة على شبكة النقل العالمية بأكملها".

في قطاع الطيران، أوضح الموقع أنه "لطالما شكّلت منطقة الشرق الأوسط مركزا محوريا لحركة النقل العالمية، فمدينتا دبي في الإمارات والدوحة في قطر لا تعدان فقط من أبرز مراكز الطيران الدولية، بل تمثلان أيضا عُقدتي ربط أساسيتين للتجارة بين آسيا وأوروبا وإفريقيا".

وذكرت وكالة "رويترز" أن "عدة دول في الشرق الأوسط أغلقت مجالها الجوي مؤقتا، ما أدى إلى حالة من الفوضى الشديدة في مركزي الطيران الرئيسين في دبي والدوحة". 

وأشارت التقارير إلى أنه "منذ اندلاع الصراع، أُلغيت نحو 40 ألف رحلة جوية، فيما تقطعت السبل بعشرات الآلاف من المسافرين في المطارات، في واحدة من أكبر حالات الاضطراب التي يشهدها قطاع الطيران العالمي منذ جائحة كورونا".

وتابع الموقع: "رغم استئناف التشغيل بشكل محدود في بعض المطارات، مثل مطار دبي، فإن عدد الرحلات لا يزال أقلّ بكثير من مستوياته الطبيعية، كما أن العمليات التشغيلية لا تزال تعاني من عدم الاستقرار".

ولفت إلى أن "تأثير الإلغاءات الواسعة للرحلات لا يقتصر على حركة المسافرين فحسب، بل يمتد سريعا إلى منظومة اللوجستيات العالمية".

وأشار الموقع إلى أن "هذا الوضع يؤثر بشكل مباشر على سلاسل توريد السلع عالية القيمة والحساسة للوقت، مثل الأدوية، والمكونات الإلكترونية، والمنتجات الغذائية الطازجة، والتي تعتمد بدرجة كبيرة على النقل الجوي".

وفي الوقت ذاته، ذكر أن "تكاليف تشغيل شركات الطيران تشهد ارتفاعا متسارعا؛ إذ يعد وقود الطائرات ثاني أكبر بند إنفاق بعد تكاليف العمالة، وقد شهدت أسعاره في بعض المناطق ارتفاعا ملحوظا منذ اندلاع الصراع، ما يزيد من الضغوط المالية على القطاع".

إمدادات المعادن

في السياق ذاته، أشار الموقع إلى أنه "سرعان ما امتدت تداعيات الحرب إلى سلاسل إمداد المعادن؛ حيث إن تعطل الشحن أدى إلى صعوبة تصدير الألومنيوم المنتج في الشرق الأوسط، ما دفع أسعار الألومنيوم في بورصة لندن للمعادن إلى أعلى مستوياتها منذ أربع سنوات".

كما ارتفعت العلاوات السعرية على الألومنيوم الفعلي في كل من أوروبا والولايات المتحدة إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات.

وتشير البيانات إلى أن منطقة الخليج تمثل نحو 8 بالمئة من إمدادات الألومنيوم العالمية، وقد بدأت شركة ألمنيوم قطر بالفعل في إغلاق بعض خطوط الإنتاج، فيما أعلنت شركة ألمنيوم البحرين تعليق عمليات الشحن بسبب تعطل النقل.

من جانب آخر، أشار الموقع إلى أن "إمدادات الكبريت، وهو منتج ثانوي لعمليات تكرير النفط والغاز، تشهد نقصا حادا، لا سيما أن منطقة الخليج تستحوذ على نحو 45 بالمئة من صادرات الكبريت العالمية".

ووفقا له، "يكتسب هذا النقص أهمية خاصة نظرا لاستخدام الكبريت على نطاق واسع في العديد من الصناعات، بما في ذلك الأسمدة، والمواد الكيميائية، ومعالجة المعادن، وصناعة أشباه الموصلات، ما يهدّد بحدوث اضطرابات متسلسلة في عدد كبير من القطاعات الصناعية الحيوية".

وأضاف: "تُستخدم أحماض الكبريتيك أيضا في عمليات الإذابة المعدنية؛ حيث تدخل في فصل واستخراج موارد مثل النحاس والنيكل واليورانيوم، ما يعني أن شح الإمدادات قد يمتد تأثيره إلى قطاع معالجة المعادن عالميا".

وذكرت صحيفة "فايننشال تايمز" أن نحو 3 ملايين طنّ من إنتاج النحاس السنوي في جمهورية الكونغو الديمقراطية يعتمد على تقنية الإذابة باستخدام حمض الكبريتيك.

في هذا الصدد، نقل الموقع عن أحد المستثمرين في قطاع التعدين قوله: إن "تعطل إمدادات الكبريت سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف إنتاج النحاس في إفريقيا".

كما أفاد التقرير الصيني بأن "نحو 75 بالمئة من الكبريت المستخدم في العمليات الصناعية يأتي من الشرق الأوسط، ما قد يدفع بعض منتجي النيكل في إندونيسيا إلى خفض إنتاجهم".

وأردف: "تعد إندونيسيا أكبر منتج للنيكل في العالم، وبالتالي فإن أي تغير في إنتاجها قد ينعكس بشكل مباشر على سوق النيكل العالمية".

ضغوط متزايدة

بموازاة ذلك، تعرضت صناعة الأسمدة لضغوط ملحوظة؛ إذ تستحوذ هذه الصناعة على نحو 60 بالمئة من الطلب العالمي على الكبريت.

ومع تراجع الإمدادات وتعطل النقل، ارتفعت أسعار اليوريا -مركب كيميائي نيتروجيني يُستخدم على نطاق واسع في صناعة الأسمدة- إلى نحو 700 دولار للطن، بزيادة تقارب 45 بالمئة مقارنة بمستويات ما قبل اندلاع الصراع.

الأمر الذي دفع بنك "سكوشيا بنك" الكندي إلى التحذير من أن "استمرار شح الإمدادات قد يشكل تهديدا قصير الأجل للأمن الغذائي العالمي".

وامتد تأثير الحرب لقطاع آخر حيوي، وهو قطاع أشباه المواصلات؛ فقد أشار الموقع إلى أن "صناعة أشباه الموصلات تعدّ من أكثر الصناعات استهلاكا للطاقة".

وأضاف: "مع ارتفاع أسعار النفط والغاز، بدأت شركات تصنيع الرقائق تواجه ضغوطا متزايدة على التكاليف، في وقت تتصاعد فيه مخاطر نقص المواد الكيميائية الأساسية اللازمة للإنتاج".

وأوضح التقرير أن "كبرى شركات تصنيع الرقائق تعتمد خلال عملياتها على كميات كبيرة من المواد الكيميائية التي تمر عبر مضيق هرمز، ومن بين هذه المواد، يُستخدم حمض الكبريتيك في تنظيف الرقائق، بينما يُستخدم الهيليوم في تبريد المعدات الحيوية في خطوط الإنتاج".

وتابع: "تشير البيانات إلى أن صناعة أشباه الموصلات تستهلك نحو خُمس الطلب العالمي على الهيليوم، في حين يأتي نحو ثلث الإمدادات العالمية من هذا الغاز من قطر".

بناء عليه، قدر التقرير أنه "في حال استمرار تعطل النقل في منطقة الخليج، فإن تكاليف إنتاج الرقائق التي شهدت بالفعل ارتفاعا خلال عام 2025، مرشحة لمزيد من الزيادة".

فضلا عن ذلك، تعتمد صناعة الرقائق على مواد أخرى مثل البروم الذي يستخدم على نطاق واسع في عمليات النقش الكيميائي لرقائق السيليكون. 

ويعد البحر الميت أحد أهم مصادر البروم في العالم؛ حيث تتولى شركات إسرائيلية إنتاجه، وهو ما يعني أن "استمرار التوترات في المنطقة قد يهدد هذه الإمدادات، مما يضيف عبئا جديدا على تكاليف صناعة أشباه الموصلات عالميا"، وفق التقرير.