بيان للجيش يربك الساحة التونسية.. يساند الرئيس أم يدعم حراك الشارع؟

عالي عبداتي | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

خلق بيان وزارة الدفاع التونسية جدلاً سياسياً في البلاد، بعدما أكد دور المؤسسة العسكرية تجاه الحكم والصراعات السياسية، ما فتح الباب أمام تساؤلات بشأن خلفياته وسياقه.

وأكدت وزارة الدفاع التونسية التزام المؤسسة العسكرية بالحياد واحترام قوانين الدولة، في ظل ما وصفته بـ"محاولات متكررة للزج بها وبقياداتها في التجاذبات والمزايدات".

وقالت الوزارة، في بيان نشرته على موقعها الإلكتروني الخميس 21 مايو/أيار 2026، إن "الجيش الوطني هو جيش جمهوري قائم على الانضباط، ويضطلع بواجب الدفاع عن الوطن واستقلاله ووحدة ترابه، في التزام تام بالحياد واحترام لقوانين الدولة والتراتيب العسكرية".

وأضافت أن هذا الموقف يأتي رداً على ما وصفته بـ"تواتر محاولات الزج بالمؤسسة العسكرية وبقياداتها في التجاذبات والمزايدات، والتشكيك في حيادها واستقلاليتها".

وجاء البيان دون الإشارة بشكل مباشر إلى الأسباب التي فجّرت هذا السجال أو الجهات التي تقف وراءه، غير أن قراءات سياسية ربطته بتصريحات صدرت عن أطراف في المعارضة، في سياق يتسم بتوتر اجتماعي وضغوط اقتصادية متزايدة.

وتاريخياً، لا يملك الجيش التونسي دوراً سياسياً مباشراً؛ إذ تم حصره منذ تأسيس دولة الاستقلال في خمسينيات القرن الماضي في مهامه الدفاعية، مع إبقائه خارج المجال السياسي، ولم يُستدعَ إلى الشارع إلا في حالات استثنائية.

ومن أبرز تلك الحالات التدخل في أوقات الكوارث الطبيعية مثل الفيضانات، أو خلال اضطرابات اجتماعية خرجت عن السيطرة، بينها أحداث 1978 المرتبطة بالاتحاد العام التونسي للشغل، و"ثورة الخبز" بين عامي 1983 و1984.

ويقدم الجيش نفسه كمؤسسة جمهورية محايدة، مشيراً إلى دوره في حماية مؤسسات الدولة خلال مرحلة ما بعد ثورة 2011 وسقوط نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي، مؤكداً أنه لم يتدخل للاستيلاء على السلطة.

في المقابل، تواجه المؤسسة العسكرية انتقادات من بعض أطراف المعارضة، تتعلق بعدم تدخلها في حماية الدستور خلال مرحلة الانتقال الديمقراطي، أو في منع قرارات الرئيس قيس سعيّد في 25 يوليو/تموز 2021، التي شملت تجميد البرلمان المنتخب وحل عدد من الهيئات الدستورية لاحقاً.

"الشرعية الدستورية"

سارعت بعض التحليلات السياسية إلى القول إن بيان الجيش التونسي الأخير جاء رداً على تصريحات الرئيس الأسبق محمد المنصف المرزوقي، الذي دعا إلى إسقاط الرئيس قيس سعيّد والعودة إلى ما وصفه بـ"الشرعية الدستورية"، بما في ذلك إمكانية تدخل المؤسسة العسكرية.

وفي سياق هذه القراءات، نشر المرزوقي تدوينة بتاريخ 21 مايو/أيار 2026، تحدث فيها عن الرئيس قيس سعيّد قائلاً: "إن هذا الرجل الذي يحكم تونس غير شرعي لأنه انقلب على الدستور الذي جاء به إلى السلطة.. غير شرعي لأنه يحكم بدستور لم يصوت عليه إلا عشرة بالمئة من القائمات الانتخابية".

واستطرد: "غير شرعي لأنه زوّر الانتخابات الرئاسية الأخيرة بوضع كل منافسيه في السجن، وإعطاء نفسه النسبة التسعينية، العلامة المسجلة لكل انتخابات مزيفة".

وتابع المرزوقي في تدوينته: "هو أيضاً شخص غير سوي، لا أحد يفهم أنه عندما يتحدث عن محاولات اغتياله المتعددة والمؤامرات الكونية وملايين الأشخاص الذين ينزلون إلى الشوارع تأييداً له، أنه لا يكذب وإنما يهذي على المباشر".

وأضاف: "أهم شيء أنه شخص غير كفؤ، والدليل كثرة رؤساء الحكومات والوزراء الذين عينهم وأقالهم في لعب واضح بمصير التونسيين؛ لأن الحكم يتطلب قبل كل شيء استقرار الحكومات لكي تدير الاقتصاد بالحد الأدنى من النجاعة، والنتيجة ما تعرفه تونس في عهده من انهيار الاقتصاد وانهيار المعنويات وانهيار الحريات وانهيار سمعة تونس واستقلالها".

وعليه، قال المرزوقي: "لا يجوز قانوناً وأخلاقاً ووطنية صادقة لضباط الجيش والأمن وموظفي الإدارة وكل المسؤولين أياً كان موقعهم إطاعة رجل يمثل خطراً على تونس".

وأردف: "هم قانونياً وأخلاقياً ودستورياً ووطنياً في حِلّ من إطاعة شخص كهذا، لم يعد يقف معه إلا مخادع أو مخدوع"، مشدداً على أن "واجب كل التونسيين طي هذه الصفحة المأساوية من تاريخنا بأقل الأضرار الممكنة وبالوسائل السلمية المتاحة، حتى لا تنفجر الأمور يوماً ويحصل ما لا يُحمد عقباه".

وختم المرزوقي تدوينته بالتأكيد على أنه “يجب إقالة قيس سعيّد ومحاكمته ووضع حد لما وصفه بالانقلاب، والعودة إلى دستور الثورة، واستئناف بناء الدولة الديمقراطية التي ناضلت من أجلها الأجيال”. مضيفاً: "هذا ما يتطلبه الوضع وما تحتاجه تونس، وكل ما عدا ذلك ترحيل لأزمة ستتفاقم يوماً بعد يوم".

قراءة سياسية

في قراءته للبيان، قال الناشط السياسي التونسي زياد الهاشمي: إن ما صدر عن الجيش التونسي قد يحمل دلالات متعددة، أبرزها احتمالان رئيسان.

وأضاف الهاشمي في حديثه لـ"الاستقلال" أن التفسير الأول يتمثل في أن البيان قد يعكس شعوراً رسمياً بأن "السيل قد بلغ الزبى"، ما يجعل المؤسسة العسكرية تسعى إلى توجيه رسالة مفادها أنها تقف على مسافة واحدة من جميع الأطراف، وأن القرار النهائي بات في يد الشارع.

واستطرد قائلاً: إن هذا الطرح ينسجم مع تأكيد الجيش المتكرر على التزامه بالحياد وعدم الانخراط في أي اصطفاف سياسي، بما يعني أنه لن يتدخل لصالح أي طرف، بل سيبقى في موقع المراقب لتطورات المشهد.

أما المعنى الثاني، بحسب الهاشمي، فيتمثل في احتمال أن يكون البيان قد جاء نتيجة ضغوط مورست على المؤسسة العسكرية لدفعها إلى إصدار موقف يفسَّر على أنه دعم للسلطة القائمة.

واستدرك أن هذا الاحتمال "تراجع بشكل كبير"، وفق تعبيره، في ضوء ردود الفعل الواسعة على مواقع الإعلام والتواصل الاجتماعي، والتي عكست – حسب قوله – حالة من الغضب الشعبي المتصاعد، ومؤشرات على أن النظام يواجه وضعاً سياسياً واقتصادياً بالغ التعقيد.

وختم الهاشمي بالقول: إن "الحالتين تقودان إلى خلاصة واحدة"، مفادها أن البلاد تعيش حالة احتقان شعبي كبير، بالتوازي مع تصاعد مؤشرات القلق داخل السلطة من تطورات المشهد السياسي الحالي.

بيان مقلق

في قراءته لأبعاد البيان الصادر عن وزارة الدفاع التونسية، قال الصحفي التونسي بسام بونني: إن مجرد دخول المؤسسة العسكرية على خط الشأن العام عبر بيان رسمي يُعدّ، في حد ذاته، أمراً مثيراً للانتباه ومصدراً للقلق لدى كثيرين.

وأضاف بونني في تصريح لصفحة "بوليتكات" بتاريخ 22 مايو/أيار 2026 أن السياسة الاتصالية لوزارة الدفاع التونسية بُنيت تاريخياً على ما وصفه بـ"عقيدة التراكم"، التي تقتصر على الإعلانات المرتبطة بالمنح، والصفقات، والمناورات الإقليمية، ومهام حفظ السلام، إضافة إلى التدخل في حالات الكوارث الطبيعية.

وأشار إلى أن التاريخ الحديث لم يسجل سوى استثناءات محدودة خرجت فيها القيادة العسكرية عن صمتها، أبرزها ما أعقب سقوط نظام زين العابدين بن علي، حين برز اسم رئيس الأركان السابق رشيد عمار في مناسبتين: الأولى لتهدئة الشارع، والثانية لإعلان مغادرته الحياة العسكرية احتجاجا على محاولات التدخل السياسي في شؤون الجيش.

وانطلاقاً من ذلك، يرى بونني أن العبارات الواردة في البيان الحالي لم تُنتقَ بشكل عشوائي، متوقفاً عند مصطلح "التجاذبات"، الذي يُستخدم عادة داخل منظومة الحكم أكثر من كونه توصيفاً خارجياً.

كما لفت إلى غياب أي إشارة، تصريحاً أو تلميحاً، إلى رئيس الدولة بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو ما عده نقطة دالة في قراءة السياق.

ويرى أن غياب معطيات ميدانية أو تطورات طارئة تبرر صدور البيان في هذا التوقيت يزيد من مستوى الغموض، حتى في ظل وجود دعوات سابقة من بعض الناشطين لتدخل الجيش، والتي لم تعد – بحسب تقديره – ملحّة في اللحظة الراهنة.

وأضاف: "هذا السياق الغامض يفرض أسئلة جوهرية حول توقيت البيان والجهة المستهدفة به، ما يدفع للاعتقاد بوجود تطورات مهمة تجري في كواليس السلطة، لتكون الخلاصة أن أهمية البيان تكمن في مجرد صدوره وفي طبيعته المبهمة".

وعند تفكيك ما وصفه بـ"النوايا العميقة" وراء البلاغ العسكري، رأى بونني أن الخطوة تتجاوز مجرد "التوضيح" لتأخذ طابعاً سياسياً، كاشفة عن تصدع في بنية منظومة الحكم الحالية بقيادة قيس سعيّد.

وأضاف: "يبدو أن قيادة الجيش استشعرت حجم الورطة التاريخية الناتجة عن انخراطها أو صمتها أمام أحداث 25 يوليو/تموز 2021، وما رافق ذلك من توظيف سياسي ومحاصرة للمؤسسات الدستورية".

ورأى أن البيان يمثل محاولة لإعادة تموضع المؤسسة العسكرية أمام الرأي العام الداخلي والدولي، وتقديم نفسها كجهة محايدة بعد أن تأثرت صورتها، وفق تعبيره، بسياقات الحكم الأخيرة.

وختم بالقول إن البيان يعكس، من وجهة نظره، مؤشرات على تململ داخل المؤسسة العسكرية من مسار السلطة الحالية، في ظل ما وصفه بأزمة اقتصادية واختناق سياسي غير مسبوق تشهده البلاد.

دلالات إستراتيجية

أكد الأميرال المتقاعد كمال العكروت أن ما وصفه بـ"النصف غير المرئي" من البيان الصادر عن وزارة الدفاع التونسية يحمل دلالات إستراتيجية عميقة تتجاوز صياغته الظاهرة.

وذكر العكروت، وفق ما نقل موقع "تونس وان" بتاريخ 22 مايو/أيار 2026، أن بيان وزارة الدفاع لم يأتِ في فراغ، بل صدر في سياق تزامن مع موجة من الاحتقان السياسي التي شهدتها منصات التواصل الاجتماعي منذ منتصف مايو/أيار 2026.

ورأى الأميرال المتقاعد أن مبادرة وزارة الدفاع بنشر هذا البيان تُعد شكلاً من "الاتصال الإستراتيجي" الضروري في فترات الأزمات، بما يهدف إلى توضيح المواقف وتثبيت الرسائل الأساسية للمؤسسة العسكرية.

وأوضح العكروت أن صياغة البيان اتسمت بالرصانة والهدوء، وتجنبت أي لغة انفعالية، مع التركيز على المرتكزات الثابتة للمؤسسة العسكرية التونسية، وفي مقدمتها "الروح الوطنية"، و"العطاء بلا مقابل"، و"إعلاء المصلحة الوطنية العليا".

وشدد على أن الموقف الصريح من "الحياد والاستقلالية" يهدف إلى ترسيخ عقيدة الجيش التونسي بوصفه "جيشاً جمهورياً" لا ينحاز إلا لمؤسسات الدولة الشرعية ولسلطان القانون.

وأضاف أن من أبرز الرسائل الإستراتيجية الموجهة إلى الساحة السياسية هو وضع حد لأي محاولات لإقحام المؤسسة العسكرية في الحسابات الحزبية أو الصراعات السياسية.

وأشار إلى أن البيان يحمل أيضاً رسالة طمأنة للمجتمع، مفادها أن القوات المسلحة تظل ركيزة أساسية لضمان استقرار الدولة واستمرارية مؤسساتها.

كما أوضح أن هناك رسالة داخلية موجهة للمؤسسة العسكرية نفسها، هدفها تعزيز الانضباط وحماية الصفوف من أي تأثيرات أو تجاذبات سياسية خارجية.

واختتم العكروت بالإشارة إلى أن البيان يعيد التذكير بـ"هوية" الجيش التونسي بوصفه مؤسسة ملتزمة بالدستور ومؤسسات الدولة، بعيدة عن الاصطفاف السياسي. مؤكداً أن هذه العقيدة العسكرية هي ما يجعل من الجيش التونسي "صمام أمان" في فترات الأزمات.

قراءة أجنبية

نشرت صحيفة Il Foglio الإيطالية، المقربة من تيار رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، مقالاً لافتاً حول بلاغ وزارة الدفاع التونسية؛ إذ لم تنسبه إلى الوزارة كما جرى تداوله رسمياً، بل قالت: إن البلاغ صدر مباشرة عن رئيس أركان جيش البر محمد الغول.

ووفق الصحيفة، فإن الغول وجّه رسالة واضحة إلى الرئيس قيس سعيّد مفادها: "نحن في خدمة الوطن والدولة ولسنا في خدمة أشخاص أو صراعات سياسية".

ورأى المقال أن هذه القراءة تمثل تطوراً غير مسبوق. مشيراً إلى أن المؤسسة العسكرية التونسية كسرت صمتها التقليدي للمرة الأولى منذ سنوات، عبر التأكيد على استقلالية الجيش وحياده وابتعاده عن التجاذبات السياسية.

كما لفت إلى أن غياب أي إشارة مباشرة إلى الرئيس داخل البلاغ، مقابل التركيز على مفهوم "الجيش الجمهوري" والخضوع لقوانين الدولة، أثار تساؤلات حول الرسائل السياسية الكامنة في مضمونه.

وربط المقال هذا التطور بالسياق السياسي والاقتصادي الذي تعيشه تونس. معتبراً أن المؤسسة العسكرية تسعى إلى تثبيت موقعها التقليدي كمؤسسة وطنية بعيدة عن الصراعات السياسية.

وتعيش تونس، بحسب المقال، منذ التحولات السياسية التي أعقبت إجراءات 25 يوليو/تموز 2021، حالة من التوتر السياسي، مع تركّز السلطات في يد الرئيس قيس سعيّد، في ظل اتهامات من المعارضة بتراجع المسار الديمقراطي وتقييد عمل المؤسسات.

وفي هذا السياق، شهدت العاصمة التونسية في 16 مايو/أيار 2026 مسيرة حاشدة تحت شعار "الشعب جائع والحبس شبعان"، في إشارة إلى تفاقم الأوضاع الاجتماعية وازدياد الاحتقان الشعبي.

وردد المحتجون شعارات تعكس عمق الأزمة الاجتماعية، من بينها "شغل حرية كرامة وطنية" و"يا مواطن يا مقموع زاد الفقر زاد الجوع"، وسط مشاركة فئات واسعة من المواطنين.

من جهتها، قالت جبهة الخلاص الوطني المعارضة: إن المسيرة جاءت رفضاً لسياسات القمع والتضييق والتفقير، مقدرة أنها تعمّق الأزمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في البلاد.

وشددت الجبهة على أن توحّد قوى المعارضة هو السبيل لكسر مناخ الخوف وفتح أفق سياسي جديد يعيد لتونس مسارها الديمقراطي.

الكلمات المفتاحية