التوتر بين باكستان وأفغانستان.. كيف يؤثر على ميزان القوى في آسيا؟

منذ ٤ ساعات

12

طباعة

مشاركة

تشكل المواجهات المتصاعدة بين باكستان وأفغانستان تحولا مهما ومعقدا في المشهد الجيوسياسي لجنوب آسيا؛ إذ تتجاوز تداعياتها حدود الطرفين لتشمل أطرافا إقليمية ودولية أخرى.

فهذا الصراع لا يقتصر على كونه نزاعا محليا محدودا، بل يعكس تنافسات إستراتيجية أوسع وتحولات في ميزان القوى في المنطقة.

وبالنسبة للهند التي تعدّ من أبرز الفاعلين الإقليميين، فإن هذه التطورات تحمل تحديات وفرصا قد تؤثر بشكل مباشر على أمنها ومكانتها في جنوب آسيا.

في هذا السياق، تناولت صحيفة "8 صبح" الأفغانية المعارضة لحركة طالبان الحاكمة بأفغانستان، علاقات كلّ من الهند وباكستان مع أفغانستان خلال العقود الماضية، مع تسليط الضوء على كيفية إدارة التنافس بين البلدين في ظل حكم طالبان.

صراع محموم 

استهلت الصحيفة تقريرها الذي تتخلله ادعاءات عديدة بالإشارة إلى أنّ مسار العلاقات بين باكستان وطالبان أفغانستان على مدى العقود الماضية تشكل تحت تأثير الروابط التاريخية والمصالح الإستراتيجية والأهداف المشتركة.

وأوضحت أن تدخل باكستان في ملف طالبان بدأ منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، عندما برزت الحركة كقوة مؤثرة في مواجهة الحكومة الأفغانية آنذاك.

وأضافت أن الاستخبارات العسكرية الباكستانية لعبت دورا محوريا في دعم طالبان، بصفتها أداة لضمان أمن الحدود الغربية لباكستان وإقامة نظام حليف في كابول.

كما ربطت هذه الإستراتيجية برغبة إسلام آباد في الحد من النفوذ الهندي في أفغانستان الذي تنظر إليه كتهديد مباشر لأمنها القومي.

وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود، شهدت العلاقات بين الطرفين تقلبات واضحة، تراوحت بين التعاون والتوتر، خاصة بعد سقوط كابول وعودة طالبان إلى السلطة عقب انسحاب القوات الأميركية في أغسطس 2021.

إلا أن تصاعد الاشتباكات في الآونة الأخيرة يعكس تحولات أعمق في طبيعة هذه العلاقة، ويكشف عن تزايد قلق باكستان من استقلالية طالبان، إلى جانب التحديات الناتجة عن نشاط الجماعات المسلحة على طول الحدود المشتركة.

وبحسب الصحيفة، تجلّت هذه التوترات في سلسلة من الضربات الجوية والعمليات البرية التي نفذتها القوات الباكستانية ضد مواقع تابعة لطالبان في المناطق الحدودية، والتي تصاعدت بشكل ملحوظ منذ 26 فبراير 2026.

وترى باكستان أن هذه العمليات تأتي في إطار حربها على الإرهاب، مستهدفة شبكات مسلحة تعدها تهديدا لأمنها وسيادتها.

وفي هذا السياق، تتهم إسلام آباد طالبان بإيواء عناصر "طالبان باكستان"، التي تحملها مسؤولية تنفيذ هجمات دامية داخل أراضيها.

في المقابل، تعد طالبان هذه العمليات انتهاكا لسيادة أفغانستان وعملا عدائيا، ما دفعها إلى تنفيذ هجمات انتقامية داخل باكستان، الأمر الذي أدى إلى تصعيد التوتر وتعميق حالة انعدام الثقة بين الجانبين.

وتخلص الصحيفة إلى أن هذا الصراع لا يمكن اختزاله في كونه مواجهة عسكرية فقط، بل يمثل صراعا أيديولوجيا وسياسيا واسع النطاق على النفوذ في المنطقة.

تداعيات عميقة

في خضم هذا النزاع، تبرز الهند كطرف ذي تأثير مباشر ومصالح واضحة؛ إذ تنظر نيودلهي إلى أفغانستان كشريك إستراتيجي مهم وعنصر موازن للنفوذ الباكستاني في المنطقة.

وأشارت الصحيفة إلى أن الهند استثمرت خلال العقدين الماضيين بشكل كبير في مشاريع التنمية داخل أفغانستان، كما قامت بتدريب آلاف الشباب بهدف تعزيز الاستقرار والحد من انتشار الجماعات المسلحة.

وأضافت أن الهند واصلت، خلال السنوات الأربع الماضية عقب انهيار النظام الجمهوري، تقديم مساعدات إنسانية للشعب الأفغاني، شملت الأدوية والمواد الغذائية والمستلزمات الطبية.

كما عملت على تدريب مئات النساء في مجال ريادة الأعمال، وفتحت أسواقها أمام المنتجات الزراعية الأفغانية برسوم جمركية منخفضة أو معدومة.

في المقابل، فرضت باكستان حظرا على استيراد الفواكه والخضراوات الطازجة من أفغانستان، ما تسبّب في خسائر مالية كبيرة للمزارعين والتجار الأفغان.

وترى الصحيفة أن تداعيات المواجهة بين طالبان وباكستان تحمل أبعادا أمنية واقتصادية وجيوسياسية عميقة بالنسبة لجنوب آسيا، خاصة للهند؛ إذ تؤثر في توازن القوى الإقليمي ومصالح نيودلهي الإستراتيجية.

وحذرت من أن هذه التوترات قد تزيد من حالة عدم الاستقرار في أفغانستان، وتخلق فراغات يمكن أن تستغلها جماعات متطرفة مثل تنظيم الدولة الإسلامية في خراسان والقاعدة، إضافة إلى مقاتلين أجانب، ما يشكل تهديدا مباشرا لأمن دول المنطقة، بما فيها الهند.

كما أشارت إلى أن هذه المواجهات قد تؤدي إلى تصعيد التنافس غير المباشر بين الهند وباكستان داخل أفغانستان، ما يجعل هذا البلد ساحة رئيسة للصراع على النفوذ بين الطرفين.

فبينما تسعى باكستان إلى استخدام طالبان للسيطرة على أفغانستان بوصفها منطقة عازلة إستراتيجية، تدعم الهند قيام دولة أفغانية مستقرة للحد من النفوذ الباكستاني.

وفيما يتعلق بتداعيات ذلك على الهند، أوضحت الصحيفة أن تصاعد العنف يزيد من خطر تسلل الجماعات المسلحة عبر الحدود.

كما لفتت إلى أن نيودلهي طالما اتهمت الجيش الباكستاني وأجهزته الاستخباراتية بدعم جماعات مسلحة تعمل ضد مصالحها.

وعلى الصعيد الاقتصادي، فإن استمرار الصراع يهدد مشاريع النقل والتجارة الإقليمية التي تعتمد عليها الهند، مثل ممر النقل الدولي شمال–جنوب وميناء تشابهار في إيران، وهما عنصران حيويان لوصول الهند إلى أفغانستان وآسيا الوسطى.

ويؤدي استمرار عدم الاستقرار في أفغانستان إلى تعريض هذه المشاريع للخطر، ويحد من قدرة الهند على تعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي.

كما أن التحولات في موازين القوى قد تؤثر في مواقف الهند الدبلوماسية تجاه أفغانستان؛ إذ قد تؤدي الخلافات داخل طالبان وتوتر علاقاتها مع باكستان إلى إعادة تشكيل نظرة الحركة إلى الهند، وهو ما سينعكس على مصالح نيودلهي بعيدة المدى.

إدارة التنافس

وترى الصحيفة أن هذه التعقيدات تفرض على الهند صياغة سياساتها ضمن بيئة شديدة التعقيد، بما يحقق توازنا بين مصالحها في أفغانستان وتقديرات الأمن المرتبطة بباكستان، إلى جانب التعامل مع الدور المتغير لطالبان.

كما تعكس هذه التطورات التحديات المستمرة في إدارة التنافس بين الهند وباكستان، وهو التنافس الذي يشكل إلى حد كبير ملامح البيئة الأمنية في جنوب آسيا.

وفي مواجهة هذا الواقع، تعتمد الهند على تكثيف جهودها الدبلوماسية مع أفغانستان ودول آسيا الوسطى، وتعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب، إلى جانب دعم مشاريع البنية التحتية الإقليمية للحد من تداعيات التوترات.

وفي المحصلة، يشير التقرير إلى أن التوترات بين طالبان وباكستان تعكس طبيعة التنافسات الجيوسياسية التاريخية والتحديات الأمنية العميقة في جنوب آسيا.

وبالنسبة للهند، فإن هذه التطورات لا تثير مخاوف أمنية فحسب، بل تفتح أيضا المجال لتعزيز دورها ونفوذها داخل أفغانستان.

ويؤكد التقرير أن فهم هذا الصراع يتطلب إدراكا دقيقا للتفاعلات المعقدة بين الروابط التاريخية والمصالح الإستراتيجية والأولويات الأمنية لمختلف الأطراف.

ويختتم بالإشارة إلى أن استمرار هذه التطورات سيؤثر بشكل كبير على استقرار المنطقة، وقد يسهم في إعادة تشكيل المشهد الجيوسياسي لجنوب آسيا في المستقبل.