استهداف قبرص ودخول تركيا.. هل تمتد حرب إيران إلى شرق المتوسط؟

"السيناريو الأمثل هو أن يبقى الهجوم على قاعدة أكروتيري حادثا معزولا"
يشكل الهجوم على قاعدة “أكروتيري” في قبرص الرومية، مطلع مارس/آذار 2026 -رغم عدم وقوع إصابات وحدوث أضرار محدودة- ذروة التصعيد التي اقتربت من الحدود الجغرافية لأوروبا في إطار الحرب المستمرة في الشرق الأوسط.
وجاء هذا الهجوم ضمن إستراتيجية الانتقام التي تنتهجها طهران؛ إذ تستهدف حاليا إسرائيل والبنى التحتية العسكرية الأميركية في مختلف أنحاء الخليج، ردا على الهجوم الأميركي-الإسرائيلي المشترك.
وبحسب السلطات القبرصية والمخابرات البريطانية، فقد أُطلقت الطائرة المسيرة التي ضربت الجزيرة من لبنان.
ووقع الهجوم على قاعدة "آكروتيري" التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، والتي تشكل مع قاعدة "ديكيليا" ما يُعرف بمناطق القواعد السيادية البريطانية في الخارج.
وقد جرى أخيرا تخصيصهما للاستخدام الأميركي مع التأكيد على أن هذا الاستخدام يقتصر حصرا على العمليات الدفاعية.
وفي تقرير له، حلل معهد “تحليل العلاقات الدولية” (IARI) الموقف الأوروبي من الحرب الجارية، معتقدا أن الهجمات على قبرص جرس إنذار للاتحاد الأوروبي.

التحليل القانوني
وقال المعهد: "من المفيد في البداية استعراض الإطار القانوني. أولا، تقدم معاهدة لشبونة ما يُعرف بـ"شرط الدفاع المتبادل"؛ إذ تنص المادة 42، الفقرة 7 على أنه:
"في حال تعرض أي دولة عضو لهجوم مسلح على أراضيها، يتعين على الدول الأعضاء الأخرى تقديم العون والمساعدة بالوسائل كافة المتاحة لديها، بما يتوافق مع المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، على ألا يخل ذلك بالطابع الخاص لسياسة الأمن والدفاع لبعض الدول الأعضاء".
بالإضافة إلى ذلك، تنظم المادة 222 من معاهدة عمل الاتحاد الأوروبي (TFUE) ما يُعرف بـ"شرط التضامن"، الذي يفرض على الدول الأعضاء واجب تقديم المساعدة الجماعية إذا تعرضت إحدى الدول لهجوم إرهابي أو لكوارث.
وبموجب هذا الشرط، يمكن لدول الاتحاد الأوروبي أن تتصرف جماعيا وتتعاون فيما بينها، وتمنع التهديدات الإرهابية على أراضي الدول الأعضاء، وتقدم المساعدة لدولة عضو أخرى تواجه صعوبات.
وقد أُنشئ صندوق التضامن الأوروبي عام 2002 كأداة تمويل عمليات الحماية المدنية، ويمكن تفعيله بناءً على طلب الدولة المتضررة.
ثانيا، تكتسب المادة 5 من معاهدة شمال الأطلسي (الناتو) أهمية كبيرة؛ إذ تنص على أن "الأطراف اتفقت على أن أي هجوم مسلح على دولة أو أكثر منها في أوروبا أو أميركا الشمالية سيُعد هجوما مباشرا على جميع الأطراف".
"وبالتالي يتفقون على أنه إذا وقع مثل هذا الهجوم، فإن كل طرف، في إطار ممارسة حق الدفاع المشروع، الفردي أو الجماعي، المعترف به في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، سيساعد الطرف أو الأطراف المتعرضة للهجوم، ويتخذ فورا بشكل فردي وبالتنسيق مع الأطراف الأخرى الإجراءات التي يراها ضرورية".
"بما في ذلك استخدام القوة المسلحة، لاستعادة الأمن والحفاظ عليه في منطقة شمال الأطلسي. ويجري إعلام مجلس الأمن فورا بكل هجوم من هذا النوع وجميع التدابير المتخذة نتيجة له. وتستمر هذه التدابير حتى يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لاستعادة السلام والأمن الدوليين".
كما تنص المادة 4 من معاهدة الناتو على إمكانية إجراء مشاورات إذا رأت إحدى الدول أن أمنها أو سلامة أراضيها أو استقلالها السياسي مهدد.
ثالثا، وبموجب القانون الدولي الإنساني، هناك واجبات على الدول عامة لتقديم المساعدات الإنسانية، إذ تحدد المادة 23 من الجزء الرابع من اتفاقية جنيف شروط تقديم المساعدة للمدنيين.

اجتماع ثلاثي
وبحسب المعهد الإيطالي، فإن الهجوم على القاعدة في قبرص يعدّ فريدا من الناحية القانونية، فهو من جهة، استهدف هدفا عسكريا بريطانيا على أراضٍ بريطانية، ومن جهة أخرى، وقع جغرافيا على جزيرة تابعة لدولة عضو في الاتحاد الأوروبي، ما يترتب عليه تبعات على كامل الإقليم.
وبالتحديد، لا تستطيع قبرص، لكونها ليست عضوا في الناتو، تفعيل المادة 5، التي يمكن للندن وحدها تفعيلها على أقصى تقدير، ومع ذلك، ونظرا لمحدودية الهجوم والتقديرت السياسية، يبدو من غير المرجح تفعيل هذا الحق، وفق التقرير.
ويبدو من الأنسب اللجوء إلى شرط الدفاع الأوروبي المتبادل، رغم أن تفعيله رسميا صعب، نظرا لأن الهجوم وقع على أراضٍ بريطانية، أي خارج الاتحاد الأوروبي.
وقال المعهد: "على أي حال، يبقى الوضع حاليا تحت السيطرة، ولم تُفعّل قبرص أي بروتوكول رسمي لطلب التضامن".
وأضاف: "تحتل قبرص موقعا معقدا على الساحة الجيوسياسية؛ فهي أولا ليست عضوا في حلف الناتو لكنها عضو في الاتحاد الأوروبي، وثانيا تقع جغرافيا قبالة لبنان، وهذا تحديدا ما يجعل القوى الإقليمية تنظر إليها كبنية تحتية غربية إستراتيجية".
وأردف: "نُفّذ الهجوم على القاعدة البريطانية، وهو يمثل، إلى جانب كونه ردّا على موافقة بريطانيا على استخدام قواعدها العسكرية، رسالة واضحة للعالم الغربي".
"وقد انعقد على إثر ذلك اجتماع ثلاثي في قبرص جمع بين مسؤولين في فرنسا وقبرص واليونان، حيث أكد إيمانويل ماكرون قائلا: "عندما تُهاجم قبرص، تُهاجم أوروبا"، فيما ناشد الرئيس القبرصي نيكوس كريستودوليدس، الاتحاد الأوروبي لتعزيز الأمن في المنطقة.
ونشرت عدة دول، من بينها فرنسا وإيطاليا وألمانيا واليونان والمملكة المتحدة، أولى سفنها للدفاع الجوي والبحري لتعزيز المراقبة في قبرص.
وتندرج هذه التعبئة ضمن إستراتيجية أوسع، إذ يدرس الاتحاد الأوروبي في الوقت نفسه إمكانية تعزيز مهمة "أسبيديس"، وهي المهمة البحرية بين مضيق هرمز وقناة السويس التي أُنشئت عام 2024 لحماية حركة التجارة.
إضافة إلى ذلك، أعلنت تركيا في 9 مارس عن نشر طائرات (إف-16) في شمال قبرص. ولا يُعدّ هذا الإجراء -وفق التقرير- مجرد رد فعل على إيران، بل هو أيضا وسيلة من تركيا لتأكيد وجودها في المنطقة.
ويرى المعهد أن السيناريو الأمثل هو أن يبقى الهجوم على قاعدة "أكروتيري" الجوية حادثا معزولا.
وقد أكد الرئيس القبرصي، عدم رغبته في المشاركة بأي عملية عسكرية، مع حرصه على حماية السكان، مشيرا في الوقت نفسه إلى صعوبة توفير ملاجئ مناسبة لهم.
وفي أسوأ الأحوال -وفق وصف المعهد- ربما تواصل إيران شنّ هجمات عشوائية بمشاركة جهات خارجية، وقد تستغلّ ثغرات في شبكات الدفاع التابعة لحلف الناتو والاتحاد الأوروبي.
وختم بالتأكيد على أن الهجوم على قاعدة "أكروتيري" بمثابة جرس إنذار، يسلط الضوء من جهة على هشاشة البنى التحتية الغربية في البحر المتوسط، ومن جهة أخرى قد يعيد إشعال بعض التوترات القائمة مسبقا، بما في ذلك العلاقات بين تركيا وقبرص الرومية نفسها.


















