بسياسات ترامب وحرب إيران.. هل تستعيد روسيا مكانتها كقوة نفطية عظمى؟

"أزمة الطاقة العالمية الحالية تصب في مصلحة روسيا"
أدت الحرب ضد إيران إلى تقارب روسيا والولايات المتحدة، وتعزيز التحالف الطاقي بين موسكو وبكين، بالمقابل وضع هذا الصراع أوكرانيا في مأزق، وجعل النفط الخام الروسي الخيار الوحيد للعديد من الدول.
وقالت صحيفة "بوبليكو" الإسبانية: إن قصف الولايات المتحدة لجزيرة خرج الإيرانية في 21 مارس/ آذار 2026، مركز 90 بالمئة من صادرات النفط الخام الإيرانية، يسلط الضوء على اتخاذ هذا الصراع الإقليمي بعدا آخر، وتحوله إلى حرب طاقة عالمية.

خطر حقيقي
وفي خضم الفوضى التي أحدثها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الشرق الأوسط، تستعيد روسيا دورها كقوة عظمى في إنتاج وتصدير المواد الهيدروكربونية، وهو ما يمثّل ضربة لمحاولات أوروبا عزل الكرملين على خلفية غزو أوكرانيا.
ورأت الصحيفة أن الهجوم على أكبر محطة شحن نفطية في إيران، رغم إصرار البنتاغون على قصف مناطق عسكرية في خرج وليس المصانع والأحواض، يمثل تصعيدا عسكريا سيزيد من صعوبة نقل النفط من الخليج العربي، ويؤجج أزمة عالمية محتملة نتيجة الانخفاض الحاد في إمدادات الهيدروكربونات.
وأشارت إلى أن “هذا الصراع قد أدى إلى ارتفاع سعر النفط الخام بنسبة 37 بالمائة خلال الأسبوعين الماضيين، متجاوزا مئة دولار للبرميل، مع وجود خطر حقيقي لمزيد من الارتفاع في الأسعار”.
وترى الصحيفة أن إستراتيجية ترامب الحربية المتقلبة، وتزايد قلق أميركا بشأن التضخم والخسائر الاقتصادية الناجمة عن الصراع، وعجز البيت الأبيض عن هزيمة النظام الإيراني على المدى القريب، وإصرار إسرائيل على إنهاء التهديد الإيراني بشكل جذري؛ ليست إلا عوامل تجعل من الصعب للغاية تحديد موعد التوصل إلى هدنة".
وفي ظل هذه الظروف، تعد خطوة ترامب لتخفيف العقوبات الأميركية على قطاع النفط الروسي خطوة بالغة الأهمية، وهي إجراء يعزز العلاقة المتوترة بين البيت الأبيض والكرملين منذ توليه الرئاسة الأميركية في يناير/ كانون الثاني 2015.
وأشارت بوبليكو إلى أن ترامب قرر رفع الحظر المفروض على استيراد النفط الروسي العابر لمدة شهر، مما يسمح ببيعه دوليا، بهدف خفض التكلفة العالمية للنفط الخام.
واستطردت: “في الحقيقة، يعد هذا القرار بمثابة صفعة للاتحاد الأوروبي، الذي كان مصمما على عزل روسيا اقتصاديا بسبب غزوها لأوكرانيا”.
وبشكل عام، يعزز قرار ترامب اقتصاد الحرب الروسي، الذي بات بإمكانه راهنا بيع نفطه دون اللجوء إلى ثغرات قانونية كاستخدام ناقلات تحمل أعلاما أخرى أو إنشاء أسطول وهمي للنقل.
وفي الواقع، ينطوي قرار ترامب على عدة جوانب إيجابية لصالح الروس، أولها ضمان تعويض انخفاض صادرات النفط الروسية، وفق صحيفة "بوبليكو".
الحاجة للنفط
وأوضح الكرملين، أن أزمة الطاقة العالمية الحالية تصب في مصلحة روسيا.
وقال المتحدث باسم الرئاسة الروسية، ديمتري بيسكوف: إن "السوق واسعة للغاية، وهناك العديد من الجهات المهتمة بشراء النفط الروسي".
وأشار إلى أنه في الوقت الراهن، "لا يمكن للبنية التحتية العالمية للطاقة الاستغناء عن تدفق كميات كبيرة من النفط الروسي.. هذا النفط الخام الروسي ضروري وسيساعد على استعادة استقرار كبير.. هكذا يعمل الاقتصاد"، على حد تأكيد بيسكوف.
وأضافت الصحيفة أن “قرار ترامب كان متوقعا؛ لأن وزارة الخزانة الأميركية منحت الهند أيضا حق الوصول إلى النفط الخام الروسي المخزن في ناقلات لمدة شهر، وحاليا، أصبح هذا الإجراء عالميا، ويظهر بوضوح تام مدى تقارب ترامب مع بوتين”.
واسترسلت: “من جانب آخر، موقف موسكو مفاجئا؛ حيث لم تتجاوز الاحتجاج الرسمي على الهجمات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران”.
واستدركت: “لكن إذا نظرنا إلى الجانب الآخر من القضية، نجد أن هذا الهدوء قد سمح لترامب برفع بعض العقوبات المفروضة على روسيا، ما جعلها منقذة لبعض الدول التي قيدت إمداداتها من الخليج”.
وقالت الصحيفة: “بشكل عام، يعود هذا الإجراء بالنفع على موسكو، ويساعد اقتصادات الدول المرتبطة ارتباطا وثيقا بالولايات المتحدة، كالهند وحتى الصين، ويعزز العلاقة القائمة بين ترامب وبوتين، والتي قد تكون بالغة الأهمية في المستقبل”.

مصالح متقاطعة
ومنذ بداية الحرب، أتاح ارتفاع أسعار النفط الخام لروسيا جني 150 مليون دولار.
وبحسابات بسيطة، إذا ارتفع سعر خام الأورال بأكثر من 70 دولارا للبرميل، فقد تجني روسيا ما يقارب خمسة مليارات دولار في مارس 2026.
ويعد هذا الارتفاع في سعر النفط بمثابة انفراجة واضحة لعجز الموازنة العامة الروسية المتفاقمة، لا سيما أن هذا النفط المفرج عنه يمكن بيعه بسعر أعلى مما كان يباع به سابقا لحلفائها الصينيين والهنود.
وأكد كيريل ديميترييف، مبعوث الكرملين للشؤون الاقتصادية وتطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة، على الأمر نفسه قائلا: "الطاقة الروسية لا غنى عنها للتخفيف من حدة أكبر أزمة طاقة في العالم".
وأضاف ديميترييف أن واشنطن "تدرك هذه الحقيقة: فدون النفط الروسي، لا يمكن لسوق الطاقة العالمي أن يبقى مستقرا".
وبحسب الصحيفة، قوبل الإجراء الذي أعلنته وزارة الخزانة الأميركية باستياء في أوروبا، فقد رفض الاتحاد رفع العقوبات، مقدرا أنه "يؤثر على أمنها".
كما رفض رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، فكرة أن زيادة تدفق النفط الخام إلى سوق الطاقة العالمية سيؤدي إلى استقرار أكبر في الأسعار.
وقالت "بوبليكو": إن “الشوكة في خاصرة النخبة الأوروبية الحاكمة هي أن تستفيد موسكو من مواصلة مهاجمة أوكرانيا، وهي حرب تبنتها بروكسل وتعدها أكثر أهمية بالنسبة لها من العاصفة التي تندلع في الشرق الأوسط والتي تشكل تعديدا عالميا أسوأ بكثير من الغزو الروسي للبلد الأوروبي”.
وأضافت أنه “في ظل هذه الأوضاع، يشعر الاتحاد الأوروبي بقلق بالغ إزاء هذا الدعم الذي يقدمه ترامب لروسيا، والذي يسلط الضوء على حقيقة مفادها أن واشنطن قد تخلت عمليا عن الحرب في أوكرانيا، وأنها مهتمة فقط بضمان عدم عرقلة موسكو لخططها في أجزاء أخرى من العالم، مثل فنزويلا أو إيران أو كوبا مستقبلا".


















