شطر الجنوب نصفين والليطاني فاصل حدودي.. خطة إسرائيل في لبنان بعد الحرب

إسماعيل يوسف | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في ظل احتمالات توصل الولايات المتحدة إلى اتفاق مع إيران لوقف الحرب مستقبلا، خاصة مع ربط طهران أي تسوية بوقف العدوان على لبنان، تبدو إسرائيل في سباق مع الزمن لفرض أمر واقع ميداني في جنوب البلاد.

وتتجه تل أبيب إلى تسريع خططها العسكرية بهدف توسيع نطاق سيطرتها جنوب نهر الليطاني، بما يتيح لها رسم حزام أمني أعمق داخل الأراضي اللبنانية، يعزز من قدرتها الدفاعية ويغير معادلات ما بعد الحرب.

هذه الخطة لم تعد ضمن دائرة التكهنات، بل أعلنها قادة الاحتلال بشكل صريح، وتعكس في جوهرها نمطا عملياتيا يقترب من نموذج التدمير الواسع الذي شهدته مناطق حدودية في قطاع غزة. وقد لخّص وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس هذا التوجه بعبارة حاسمة: "لن تبقى منازل أو سكان حتى نهر الليطاني".

ويبدو أن أحد أبرز دوافع هذا التصعيد هو التحول في أداء "حزب الله" خلال الحرب الحالية؛ إذ لم يكتفِ بالدفاع، بل بادر إلى الهجوم، منفذا ضربات متكررة نالت تل أبيب ومناطق قريبة من الحدود اللبنانية، بالتوازي مع عمليات تهجير طالت إسرائيليين، ردا على نزوح ما يقارب مليون لبناني من الجنوب جراء العمليات العسكرية الإسرائيلية.

في المقابل، يكشف المشهد الداخلي اللبناني عن انقسام حاد يتخذ أبعادا سياسية وطائفية مقلقة. فهناك فريق حكومي يرفض انخراط "حزب الله" في الحرب إلى جانب إيران، ويطعن في شرعيته، في حين يقف فريق سياسي وشعبي آخر إلى جانب "المقاومة"، مقدرا أن مشاركتها قد تعزز موقع لبنان التفاوضي في أي تسوية مقبلة.

وتعكس هذه الانقسامات تعقيدات إضافية أمام أي مسار سياسي محتمل؛ إذ تشير صحيفة "هآرتس" في تقرير نشرته في 25 مارس/ آذار 2026 إلى أن التوترات الطائفية تعمّق الأزمة. فالمسيحيون، الذين يمثلهم الرئيس جوزاف عون، والسنة، الذين يمثلهم رئيس الوزراء نواف سلام، لا يبدون استعدادا للدخول في مفاوضات مع إسرائيل دون توافق مع الشيعة، الذين يمثلهم رئيس البرلمان نبيه بري.

وفي المقابل، لا يبدو نبيه بري مستعدا للمخاطرة بخسارة دعم قاعدته الشعبية، خصوصا في ظل نزوح أعداد كبيرة من الشيعة من مناطقهم نتيجة الهجمات الإسرائيلية، ما يجعل أي قرار سياسي محكوما بتوازنات داخلية شديدة الحساسية.

أهدف الخطة

اكتسبت الخطة الإسرائيلية زخما متسارعا في ظل تصاعد الضغوط الداخلية، خاصة بعد خروج رؤساء بلديات في المناطق الحدودية الشمالية بانتقادات حادة للحكومة، على خلفية العجز عن وقف الهجمات الصاروخية وتأمين السكان.

ففي مشهد لافت، ظهر رئيس بلدية مستوطنة "مرغليوت" الحدودية إيتان دافيدي وهو يبكي على الهواء مباشرة، معبرا عن غضبه من فشل الجيش في حماية المستوطنات، وموجها انتقادات قاسية للقيادة السياسية بقوله: "لا توجد دولة خلفنا".

كما شن رئيس بلدية "كريات شمونة"، أفيحاي شتيرن، هجوما لاذعا على الحكومة في 25 مارس/ آذار 2026، متهما إياها بالتقصير في حماية سكان المدينة القريبة من الحدود اللبنانية، وقال: "هذه هي المرة الأولى التي نخسر فيها مدينة في دولة إسرائيل. يوجد اليوم فقط 10 آلاف يهودي في كريات شمونة، وإذا استمر هذا الوضع شهرا آخر، فلن يبقى سوى 10 أشخاص، هم من لا يستطيع المغادرة".

وتعكس هذه التصريحات حجم التحول الميداني؛ إذ يبلغ عدد سكان "كريات شمونة" نحو 24 ألف نسمة وفق إحصاءات نهاية 2023، إلا أنها تحولت مطلع 2026 إلى ما يشبه "مدينة أشباح" بعد نزوح معظم سكانها جراء القصف المتواصل، ولم يتبق فيها سوى نحو 10 آلاف أو أقل.

في المقابل، جاء هذا التصعيد بعد تحول لافت في أداء “حزب الله” الذي كان قد شهد تراجعا ملحوظا خلال الأشهر السابقة، إثر خسارة عدد من قادته وتعرضه لانتكاسات متتالية، فضلا عن استمراره في تلقي ضربات وعمليات اغتيال إسرائيلية دون رد يذكر لمدة قاربت 15 شهرا، رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار.

غير أن هذا المسار انقلب بشكل مفاجئ مع إعلان الحزب، في 2 مارس/ آذار 2026، دخوله الحرب إلى جانب إيران، ردا على اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي.

ولم يقتصر التحول على مجرد الانخراط في المواجهة، بل تجسد في تصعيد عسكري غير مسبوق؛ حيث أظهر الحزب قدرة هجومية لافتة في مواجهة الجيش الإسرائيلي. ففي يوم واحد فقط، 25 مارس 2026، أطلق أكثر من 100 صاروخ باتجاه وسط إسرائيل، ضمن 22 هجوما متواصلا، ما أسفر عن مقتل 3 جنود وإصابة 15 آخرين.

وفي اليوم ذاته، نفذ "حزب الله" 87 هجوما ضد قوات إسرائيلية في جنوب لبنان، وهو أعلى رقم يعلنه في تاريخه، كما كثف استهدافه للآليات العسكرية، معلنا ضرب 21 دبابة وجرافتين من طراز D-9، مع تأكيد تدمير 6 دبابات بشكل كامل، ليرتفع إجمالي ما أعلن تدميره إلى 55 دبابة وجرافة منذ بدء المواجهات الأخيرة.

وتأتي هذه العمليات في سياق محاولة واضحة لعرقلة التقدم البري الإسرائيلي ومنع تنفيذ خطة تهدف إلى شطر جنوب لبنان وفرض واقع ميداني جديد.

في المقابل، تعكس التصريحات الصادرة عن القيادة العسكرية الإسرائيلية حجم التحديات التي تواجهها؛ إذ أقر رئيس الأركان بصعوبة الوضع الميداني، محذرا من تصاعد الضغط على القوات ونقص الموارد البشرية.

وفي ضوء هذه المعطيات، برز داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ما يوصف بـ"خيار غزة"، والذي يقوم على تدمير الصف الأول من القرى والمنازل في جنوب لبنان، إلى جانب استهداف الجسور والبنية التحتية التي تربط شمال وجنوب نهر الليطاني، تمهيدا لفرض سيطرة عسكرية على المنطقة الواقعة جنوب النهر وتحويلها إلى منطقة عازلة.

تفاصيل الخطة

وفق تصريحات قادة الاحتلال السياسيين والعسكريين، تقوم الخطة الإسرائيلية على شطر جنوب لبنان إلى نصفين شرق وغرب نهر الليطاني، بهدف توسيع مناطق السيطرة من خمس نقاط حدودية كانت تحت الاحتلال قبل اتفاق وقف النار في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، وتمتد حالياً لتشمل نحو 80 كيلومتراً من الحدود اللبنانية الإسرائيلية، مقارنة بما كان يعادل نحو 20 كيلومتراً سابقاً.

ويتمثل الهدف المعلن لتل أبيب في إنشاء "منطقة عازلة" تمنع مقاتلي حزب الله من الاقتراب من الشمال الإسرائيلي، بحسب ما نقلت وكالة "رويترز" في 26 مارس/ آذار 2026. وتخطط إسرائيل لاحتلال ما يقرب من 10 بالمئة من مساحة جنوب لبنان، مع تحديد نهر الليطاني كـ"خط الأمن الشمالي"، وفق تصريحات المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي، إيفي ديفرين.

غير أن موقع "زيتو" في 24 مارس/ آذار 2026 يشير إلى أن هذا التصعيد يعكس طموحا أوسع وأطول أمداً، يعود إلى خطة تعرف باسم "إسرائيل الكبرى"، والتي أيدها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وتهدف إلى توسيع السيطرة الإسرائيلية لتشمل أجزاء من فلسطين التاريخية، بالإضافة إلى مناطق من سوريا ومصر ولبنان والأردن.

وانطلقت الخطة عملياً في الرابع من مارس/ آذار 2026، عندما أمرت إسرائيل سكان المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني بمغادرة منازلهم، وذلك بعد يومين من دخول حزب الله المواجهة وإطلاق صواريخ على الأراضي الإسرائيلية.

وتشمل الخطة الإسرائيلية تدمير الصف الأول من المنازل في جنوب الليطاني، ودفع السكان إلى الانتقال شمال النهر، مع احتلال كامل المنطقة حتى الحدود الإسرائيلية. ولضمان قطع أي روابط بين شمال وجنوب النهر، أجبرت إسرائيل نحو مليون لبناني على النزوح، ودمرت خمسة من أصل ستة جسور رئيسة تعبر فوق نهر الليطاني، الذي يقسم مناطق الجنوب اللبناني إلى نصفين.

ويهدف تدمير الجسور إلى تعطيل خطوط إمداد حزب الله، وفصل القرى الجنوبية عن بعضها البعض، وجعل نهر الليطاني بمثابة الحد الفاصل بين إسرائيل ولبنان، في محاولة لتثبيت السيطرة الإسرائيلية على جنوب النهر.

ولا تعد هذه المرة الأولى التي تستخدم فيها إسرائيل سياسة تدمير الجسور خلال الحروب على لبنان، ففي حرب صيف 2006 قصفت إسرائيل 97 جسراً ومعبراً في مناطق مختلفة من البلاد، بما فيها مناطق بعيدة عن الجبهة الجنوبية المباشرة.

ويمتد نهر الليطاني شرقاً من البحر الأبيض المتوسط، على بعد نحو 30 كيلومتراً شمال الحدود مع إسرائيل، وتمثل الأراضي الواقعة جنوب النهر حوالي 8 بالمئة من مساحة لبنان الكلية.

وقبل اندلاع الحرب مجدداً، كانت الحكومة اللبنانية قد أنهت المرحلة الأولى من خطة نزع السلاح في جنوب الليطاني، على أن تبدأ المرحلة الثانية في المناطق الواقعة جنوب النهر، على مسافة نحو 60 كيلومتراً من الحدود الإسرائيلية وحوالي 40 كيلومتراً جنوب بيروت، وهو ما رفضه حزب الله رفضاً قاطعاً.

"غزة ثانية" في لبنان

وفق تصريحات قادة الاحتلال، يبدو أن الهدف الإسرائيلي هو خلق ما يمكن وصفه بـ"غزة ثانية" في جنوب لبنان، من خلال إبادة وإفراغ نحو 10 بالمئة من مساحة الجنوب، وإقامة منطقة احتلال تمتد من الحدود الإسرائيلية حتى نهر الليطاني.

وأكدت القناة 14 الإسرائيلية، في 25 مارس/ آذار 2026، أن خطط تل أبيب تشمل السيطرة على نحو 8 كيلومترات إضافية من الحدود الدولية، ما يمثل حوالي 10 بالمئة من مساحة لبنان. وصرح وزير الحرب الإسرائيلي، "يسرائيل كاتس"، بأن الجيش الإسرائيلي يعمل في لبنان وفق نموذج "رفح وبيت حانون"، في إشارة إلى البلدتين اللتين دمرتهما القوات الإسرائيلية في غزة وأفرغتهما من سكانهما تقريباً.

وفي منشور مقتضب على منصة "إكس"، شدّد كاتس على أن سياسة إسرائيل في لبنان تقوم على عدم السماح ببقاء منازل أو سكان حتى نهر الليطاني، لإبعاد حزب الله عن خط المواجهة.

من جهته، قال وزير المالية الإسرائيلي القومي المتطرف، بتسلئيل سموتريتش: "يجب أن يكون نهر الليطاني حدودنا الجديدة مع لبنان، تماماً كما الخط الأصفر في غزة ومنطقة العازلة وقمة جبل الشيخ في سوريا".

وبموجب هذه الخطة، أرسل جيش الاحتلال عدة فرق لغزو الجنوب اللبناني، مع اتباع سياسة محو المنازل وتهجير السكان وإفراغ المنطقة لصالح الاحتلال، بما يشمل تدمير الجسور الحيوية وقطع أوصال الجنوب لضمان عدم وصول إمدادات حزب الله.

وأشارت صحيفة "يديعوت أحرونوت" إلى أن إسرائيل تسعى إلى معالجة "ملف حزب الله" عبر الدولة اللبنانية، وأن تفجير الجسور يمثل رسائل ضغط على حكومة بيروت للتحرك وفرض السيطرة على سلاح الحزب بعد عدّه غير مشروع.

ورغم هذه الخطط، يعرقل حزب الله تنفيذها حتى الآن، بعد تصدّيه الناجح للهجمات الإسرائيلية منذ بداية المواجهة في مارس 2026.

ويعكس ذلك استمرار الصراع على الأرض، مع تباين التوجهات الإسرائيلية بين الضغوط السياسية والرهانات العسكرية، خاصة في ضوء احتمال إبرام اتفاق بين واشنطن وطهران يفرض وقف العدوان على لبنان.

ويرى محللون إسرائيليون أن تل أبيب قد تستمر في الحرب على لبنان بعد أي اتفاق أميركي-إيراني، بهدف نزع سلاح حزب الله وتوسيع منطقة العازلة.

وأوضحت أورنا مزراحي من معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب لوكالة "رويترز" في 26 مارس 2026، أن الجيش الإسرائيلي يسعى إلى كسب وقت إضافي في لبنان بعد أي وقف لإطلاق النار مع إيران، وأن أي حل تفاوضي مع حزب الله قد يكون الخيار الأخير.

وفي السياق ذاته، أشار الباحث في مجموعة الأزمات الدولية، يوست هيلترمان، إلى أن إسرائيل تريد "البقاء في لبنان كما فعلت في غزة"، وربما يمدد نتنياهو الحرب لأهداف سياسية، معتمداً على موقف الولايات المتحدة تجاه استمرار مشاركتها في النزاع.

وتُظهر الوقائع التاريخية أن الجيش الإسرائيلي كان مترددا في السابق في التوغل جنوب نهر الليطاني، بسبب تجربته المريرة بين 1982 و2000، عندما فقد مئات الجنود في مواجهات مع المقاومة اللبنانية.

  • في عام 1978، غزت إسرائيل جنوب لبنان وأقامت منطقة احتلال بدعم مليشيا محلية تعرف باسم "جيش جنوب لبنان".
  • عام 1982، توسع الاحتلال وصولاً إلى بيروت، ثم انسحب عام 1983 مع بقاء قوات في الجنوب، قبل أن يوسع الاحتلال المنطقة عام 1985 بعمق نحو 15 كيلومتراً، إلى أن تفككت قوات "جيش لبنان الجنوبي".
  • في عام 2000، انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان بعد ضغط مستمر من حزب الله، منهية 22 عاماً من الاحتلال المباشر.
  • عام 2006، عبر حزب الله الحدود الإسرائيلية، مما أدى إلى حرب استمرت خمسة أسابيع تضمنت ضربات إسرائيلية مكثفة على معاقل الحزب والبنية التحتية الوطنية.
  • منذ 2023، دخل الحزب حرب إسناد غزة، ومع اتفاق وقف النار في 2024، أبقت إسرائيل قواتها على خمسة تلال في جنوب لبنان.

هذه الخلفية التاريخية تبرز أن أي محاولة إسرائيلية لخلق "غزة ثانية" في لبنان ستواجه تحديات عسكرية وسياسية كبيرة، مع استمرار مقاومة حزب الله وقدرته على تقويض خطط الاحتلال.