رغم الضربات الأميركية والإسرائيلية.. كيف استطاع النظام الإيراني الصمود؟

"رغم الاغتيالات لم ينهَر الهيكل السياسي للنظام"
مع استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وفشلهما في إسقاط النظام، سلط مقال فارسي الضوء على خطأ شائع رأى أن كثيرا من المراقبين يقعون فيه عند تحليل التطورات السياسية في إيران.
وبحسب صحيفة "جوان أون لاين"، يتمثل هذا الخطأ في "اختزال بنية السلطة في شخص واحد، أو الافتراض بأن النظام قد ينهار بمجرد غياب رأس الهرم".
ووفقا لها، "يستند هذا النوع من القراءة في الغالب إلى مقاربات مبسطة تركز على الأفراد، بينما يغفل البنية المؤسسية المعقدة التي يقوم عليها النظام السياسي".
وأشار المقال إلى أن "فهم ديناميكيات الاستقرار أو التغيير في أي نظام سياسي يتطلب دراسة المؤشرات الموضوعية للسلطة وآليات إعادة إنتاجها".
وبحسب رأيه، فإنه "في حالة إيران، تكشف هذه المؤشرات عن منظومة مؤسسية وأيديولوجية متعددة المستويات، متجذرة بعمق في بنية الدولة والمجتمع".

طابع مؤسسي
وأول هذه المؤشرات يتمثل، وفقا للمقال، في "الطابع المؤسسي لبنية السلطة".
وتابع: "ففي إيران، لا تتركز السلطة السياسية في جهة واحدة، بل تتوزع عبر شبكة من المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، تشمل مؤسسات منتخبة وأخرى معينة، إلى جانب الأجهزة الأمنية والعسكرية والسلطة القضائية، فضلا عن منظومة واسعة من مراكز صنع القرار والسياسات".
وأوضح أن "هذا التوزيع المؤسسي يضمن أن استمرارية النظام (رغم اغتيال المرشد علي خامنئي في 28 فبراير/ شباط 2026) لا تعتمد على شخص بعينه، بل على الأداء الجماعي لمؤسساته المختلفة".
وأشار إلى أن "التجربة التاريخية خلال العقود الأربعة الماضية أظهرت أن الركائز الأساسية للنظام السياسي لم تتعرض لانهيارات هيكلية، بل حافظت على قدرتها على التكيف وإعادة التشكّل في مواجهة الأزمات المتلاحقة".
"أما المؤشر الثاني فيتعلق بالدعم الأيديولوجي والهوياتي للنظام"، يقول المقال.
وأضاف: "فالأنظمة التي تنبثق من ثورات سياسية وفكرية غالبا ما تستمد شرعيتها ليس فقط من أداء مؤسسات الحكم، بل أيضا من سرديتها التاريخية ومنظومة القيم التي تشكل هويتها الجماعية".
ووفق تقديره، فإنه "في مثل هذه الأنظمة، يمكن للضغوط الخارجية أن تؤدي إلى تعزيز التماسك الداخلي؛ إذ غالبا ما يتحول التهديد الخارجي إلى عامل محفز للتضامن الوطني وإعادة إنتاج الشرعية السياسية".
أما المؤشر الثالث فيتمثل في "وجود آليات قانونية ومؤسسية واضحة لنقل السلطة"؛ إذ يرى أن "إمكانية التنبؤ بعملية انتقال السلطة تُعد أحد أهم مؤشرات الاستقرار السياسي في أي دولة".
وإسقاطا على الحالة الإيرانية، أشار إلى "وجود أطر قانونية محددة تنظم انتقال السلطة، الأمر الذي يقلل من احتمالات حدوث فراغ سياسي أو اضطراب مؤسسي".
وأضاف: "وبناء على ذلك، فإن أي تغيير قد يحدث في قمة هرم السلطة لا يعني بالضرورة حدوث انقطاع إستراتيجي في بنية النظام".
"بعبارة أخرى، حتى في حال غياب القيادة العليا، فإن استمرارية السياسات العامة تبقى مرتبطة بالشبكة المؤسسية والخطابية التي تشكل العمود الفقري للنظام، وليس بشخص واحد فقط"، بحسب قوله.
وذكر المقال أن العامل الرابع "يتعلق بمنظومة الأمن الإقليمي وقدرات الردع، فقد عملت إيران على مدى سنوات طويلة على بناء شبكة من أدوات الردع والعلاقات الإقليمية التي أصبحت جزءا أساسيا من معادلة قوتها الإستراتيجية".
وبحسبه، فإن "هذه القدرات لم تُبن بوصفها سياسات فردية مرتبطة بقيادة محددة، بل جاءت نتيجة تراكم طويل من التوافقات المؤسسية والإستراتيجية داخل مؤسسات صنع القرار".
لذلك، يعتقد أن "أي تغيير في القيادة لا يعني بالضرورة تحولات جوهرية في التوجهات الأمنية العامة للدولة".
تكيف بنيوي
وأخيرا، "يرتبط المؤشر الخامس بالمرونة الاجتماعية في مواجهة الأزمات، فقد واجه المجتمع الإيراني خلال العقود الماضية تحديات جسيمة، من بينها حرب طويلة، وعقوبات اقتصادية واسعة النطاق، وضغوط دولية متواصلة".
ومع ذلك، يرى المقال الفارسي أن "هذه الظروف أفرزت نوعا من التكيف البنيوي داخل المجتمع والدولة على حد سواء".
وأردف: "تظهر هذه التجربة التاريخية أن النظام السياسي والاجتماعي في إيران يمتلك قدرة ملحوظة على امتصاص الصدمات والتكيف معها دون أن يؤدي ذلك إلى انهيار ركائزه الأساسية".
انطلاقا من هذه المعطيات، يتضح -وفق المقال- أن تحليل مستقبل إيران السياسي ينبغي أن يركز على البنية المؤسسية للنظام، لا على الأفراد.
وأضاف: "فالأنظمة السياسية المعقدة، لا سيما تلك التي نشأت من تحولات اجتماعية وثورية عميقة، تميل عادة إلى إعادة إنتاج نفسها من داخل مؤسساتها".
وبالتالي، خلص إلى أن "التغيير في قمة هرم السلطة لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير في الأسس الإستراتيجية التي يقوم عليها النظام".
علاوة على ذلك، لفت المقال إلى أن "التجربة التاريخية للجمهورية الإيرانية تؤكد أن الركائز الأساسية لنظامها السياسي ظلت محافظة على استمراريتها رغم التحديات الداخلية والخارجية".
وشدد على أن "أي محاولة للتنبؤ بمستقبل التطورات السياسية في إيران دون أخذ المؤشرات المؤسسية والأيديولوجية والأمنية والاجتماعية في الحسبان تبقى أقرب إلى مقاربة تحليلية متأثرة بسياقات الصراع المعلوماتي أو ما يُعرف بالحرب المعرفية".
"في ضوء ذلك، فإن استدامة النظام السياسي الإيراني لا يمكن فهمها من خلال التركيز على دور الفرد وحده، بل ينبغي البحث عنها في عمق بنيته المؤسسية، وطبيعته الأيديولوجية، وشبكة الإستراتيجيات المتراكمة التي تدعمه"، يقول المقال.
واستطرد: "إن استمرار هذا النظام يقوم على منظومة مترابطة من المؤسسات والمرجعيات الفكرية والدعم الاجتماعي، وليس على محور شخص واحد".

تفوق إيراني
في المقابل، وخلافا لحرب الأيام الاثني عشر التي يرى المقال أن إيران "احتاجت وقتها إلى عدة أيام لاستعادة التوازن الميداني ثم تحقيق تفوق نسبي في ساحة المواجهة".
ورأى أن "المعطيات الحالية تشير إلى أن مسار المواجهة الراهنة مع العدو الصهيوني المدعوم أميركيا قد اتخذ اتجاها مختلفا منذ بدايته".
فوفق تقديره، "توحي التطورات الميدانية المتلاحقة بأن إيران استطاعت، في وقت مبكر من هذه المواجهة، فرض معادلة ردع جديدة انعكست في تراجع قدرة العدو على تحقيق أهدافه المعلنة".
وتابع: "تُظهر القراءة الشاملة لمسار الأحداث حتى الآن أن ميزان الصراع يميل لصالح إيران، وهو ما يمكن توضحيه من خلال عدة مؤشرات".
وذكر هذه المؤشرات مشيرا إلى أنه "رغم النجاح التكتيكي الذي حققه العدو في اغتيال بعض القيادات والقادة العسكريين، فإنه لم يتمكن من تحقيق أي إنجاز إستراتيجي، إذ لم ينهَر الهيكل السياسي للنظام، كما تم الحفاظ على بنية قوة الدفاع الإيرانية، بل وتعزز التماسك الوطني في مواجهة العدو".
وفي الوقت نفسه، ذكر أن "خطة العدو الهادفة إلى إثارة الفوضى داخل البلاد، فشلت، إذ لم تنجح محاولاته في زعزعة الاستقرار الداخلي".
وعلى الصعيد الإقليمي، أفاد بأن "القواعد الأميركية في المنطقة تعرضت لضربات أدت إلى تدميرها، في وقت تبدو فيه الولايات المتحدة وكأنها تتجه إلى تقليص حضورها العسكري والابتعاد عن ساحة المواجهة".
في المقابل، أشاد بسلاح الجو الإيراني قائلا: "تمكنت الدفاعات الجوية من إسقاط طائرات هيرميس المسيّرة وطائرات مقاتلة أميركية في الكويت".
وهو ما أدى -بحسبه- إلى "تحقيق توازن نسبي في المجال الجوي، الأمر الذي يعني أن إحدى أبرز نقاط الضعف التي واجهتها إيران خلال حرب الأيام الاثني عشر قد جرى تداركها جزئيا".
وأضاف: "كما أن الضربات الصاروخية الإيرانية، التي أقر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتأثيرها، أسفرت عن توجيه ضربات مؤلمة للكيان الصهيوني، رغم أن أحد الشروط التي وضعها العدو لتحقيق نجاحه كان منع إيران من إطلاق صواريخها".
وأردف: "فقدت جبهة العدو قدرتها على الدفاع الفعّال في مواجهة الهجمات الإيرانية، الأمر الذي أتاح لإيران القدرة على استهداف أي نقطة تريدها".
ولفت إلى أن "إيران تمكنت من تدمير عدة منظومات دفاع جوي أميركية متطورة في المنطقة، كما شهدت الأراضي المحتلة تطورا مشابها في هذا المجال".
ومن ناحية أخرى، "أسهمت يقظة أصحاب البصيرة في الميدان في إفشال مخطط العدو لإثارة الفوضى داخل البلاد، رغم استمرار الغارات الجوية وعمليات اغتيال القيادات العسكرية".
بناء عليه، يرى أن "أهم رهانات العدو على زعزعة الداخل الإيراني قد تحولت إلى حالة من اليأس".
فضلا عن ذلك، "نجحت إيران في توسيع نطاق الحرب على المستوى الإقليمي، وهي مستعدة لتصعيدها إذا لزم الأمر".
واستطرد: "وفي مواجهة هذا الواقع، دعا الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى وقف إطلاق النار، غير أن إيران رفضت هذا الطرح".
وفي المحصلة، قدر المقال أن "القدرة الوطنية على الصمود لم تتراجع في مواجهة العدو، بل على العكس، ازداد الشعب والمسؤولون والقوات المسلحة إصرارا وحزما على مواصلة المواجهة، رغم استمرار الهجمات، مؤكدين عزمهم على المضي في المواجهة".
















