عبد الونيس من اختفاء قسري إلى "اعترافات".. إلهاء المصريين وسط أزمات معيشية

ظهر عبد الونيس مجددًا في قبضة وزارة الداخلية بعد أكثر من 6 أشهر من الاختفاء القسري
في مشهد يعكس عجز السلطة المصرية عن مواجهة أزماتها البنيوية، لجأت وزارة الداخلية إلى بث تسجيل يتضمن اعترافات منسوبة إلى الشاب علي محمود عبد الونيس، في خطوة أثارت موجة غضب وانتقادات، وعدها مراقبون محاولة دعائية لصرف الأنظار عن التدهور المعيشي والاقتصادي.
فبعد أكثر من ستة أشهر من الغياب والاختفاء القسري، ظهر عبد الونيس مجددًا في قبضة وزارة الداخلية، وسط تساؤلات متزايدة بشأن ظروف اختفائه وملابسات تسليمه من خارج البلاد.
وكان عبد الونيس قد اختفى منذ 19 أغسطس/ آب الماضي، عقب سفره من تركيا إلى نيجيريا، وفق ما أفادت به زوجته زينب عبد السلام، التي أكدت انقطاع الاتصال به فور مغادرته، دون تلقي أي معلومات رسمية عن مكان احتجازه أو وضعه الصحي.
ومع مرور الأشهر، تداولت معلومات غير مؤكدة عن وجوده لدى الأجهزة الأمنية المصرية، ما أثار قلقًا متصاعدًا لدى أسرته ومنظمات حقوقية بشأن مصيره.
وفي بيان صادر بتاريخ 29 مارس/ آذار 2026، أعلنت وزارة الداخلية إحباط ما وصفته بمخطط تابع لحركة "حسم" المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، يهدف إلى استهداف منشآت أمنية واقتصادية. وأوضحت أن قوات الأمن داهمت في 7 يوليو/ تموز الماضي وكرًا لعناصر من الحركة بمحافظة الجيزة، مدعية أن اشتباكات وقعت وأسفرت عن مقتل عنصرين واستشهاد مدني وإصابة ضابط.
كما أشارت إلى تتبع ما وصفته بـ"القيادي الهارب" علي محمود عبد الونيس، مؤكدة القبض عليه لاحقًا وتسليمه من نيجيريا، وخضوعه لتحقيقات مكثفة.
وبحسب البيان، تأتي هذه الإجراءات ضمن جهود الدولة لمكافحة الإرهاب ومنع إعادة إحياء العمل المسلح، فيما نشرت الوزارة تسجيلات قالت إنها اعترافات لعبد الونيس، تتضمن مزاعم عن تواصله مع جهات خارجية، وتلقيه تمويلًا، ومشاركته في تجنيد عناصر والتخطيط لهجمات داخل البلاد.
في المقابل، شككت منظمات حقوقية في مصداقية هذه الاعترافات، مقدرة أن صدورها بعد فترة اختفاء قسري طويلة، ودون تمكينه من التواصل مع محامٍ، يثير شكوكًا جدية حول الظروف التي انتُزعت فيها.
وكانت زوجته قد صرَّحت في وقت سابق بأن زوجها "تعرض لتسليم قسري" إلى السلطات المصرية، مؤكدة استمرار احتجازه دون إعلان رسمي عن مكانه أو وضعه القانوني، وحرمانه من التواصل مع أسرته أو محاميه، وهو ما وصفته بانتهاك صارخ لحقوقه الأساسية.
وأضافت أن القضية أثارت قلقًا لدى منظمات حقوقية دولية، حذرت من ترحيله قسرًا من نيجيريا إلى مصر، مقدرة أن ذلك قد يعرّضه لخطر التعذيب أو سوء المعاملة، خاصة في ظل اتهامات ذات طابع سياسي.
كما دعت تلك المنظمات السلطات النيجيرية إلى الالتزام بمبدأ عدم الإعادة القسرية، وضمان حقه في محاكمة عادلة وعلنية.
وفي ديسمبر/ كانون الأول الماضي، أصدرت منظمات حقوقية، بينها "هيومن رايتس إيجيبت" و"مركز الشهاب لحقوق الإنسان"، بيانات حذرت فيها من استمرار إخفائه قسرا. مؤكدة أن تسليمه لمصر يشكل تهديدًا لحياته، في ظل تقارير متكررة عن انتهاكات بحق معتقلين سياسيين.
وأشارت إلى أن القضايا المنسوبة إليه تفتقر إلى ضمانات المحاكمة العادلة، وأن أي إجراءات تعسفية بحقه تمثل خرقًا للقانون الدولي، بما في ذلك اتفاقية مناهضة التعذيب.
في المقابل، اتهمت وزارة الداخلية عبد الونيس بالتورط في عدة هجمات، من بينها استهداف كمين العجيزي بالمنوفية، وتفجير مركز تدريب للشرطة بطنطا، واغتيال اللواء عادل رجائي، إضافة إلى التخطيط لتفجير معهد الأورام، والتواصل مع تنظيم "المرابطون"، والمساهمة في إنشاء معسكرات تدريب مسلحة.
وخلال التسجيل الذي بثّته الداخلية، وجّه عبد الونيس رسائل إلى أسرته وقيادات "حسم"، دعا فيها إلى عدم الانخراط في العنف، محذرًا من عواقبه، ومؤكدًا أهمية الابتعاد عن التطرف.
ويأتي نشر هذا التسجيل في توقيت حساس، عقب حملة أمنية واسعة خلال شهر رمضان استهدفت عناصر من جماعة الإخوان، بالتزامن مع عرض مسلسل "رأس الأفعى" الذي يُروّج لرواية رسمية حول الجماعة.
ويرى مراقبون أن هذا التزامن يعكس محاولة لتمرير رسائل سياسية مزدوجة، تتعلق بإظهار قدرة الدولة على مواجهة التهديدات، وربط الأزمات الاقتصادية والاجتماعية بالإرهاب، بما يتماشى مع الخطاب الرسمي السائد منذ عام 2013.
كما يشيرون إلى أن تكثيف الحملات الأمنية وتوظيف الأدوات الإعلامية يأتي غالبًا في سياقات تتسم بحساسية سياسية أو ضغوط اقتصادية، في ظل إجراءات تقشفية وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يعزز فرضية توظيف هذا الملف لإعادة توجيه الرأي العام.
إلهاء متعمد
وعد ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي التسجيل الذي بثته الداخلية لاعترافات عبد الونيس، بمثابة "بص العصفورة" أو "درج الإرهاب" المفتوح لإلهاء الشعب عن غلاء الأسعار وانقطاع الكهرباء والدولار المرتفع والإجراءات التقشفية، مؤكدين أنه محاولة فاشلة لصرف الأنظار عن فشل النظام في إدارة البلد.
فيلم هابط
واستهجن متابعون عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #الحرية_لعلي_عبد_الونيس #علي_عبدالونيس، #علي_الونيس، #السيسي، #رأس_الأفعى، وغيرها "التمثيل السيئ" في الفيديو ووصفوه بـ"فيلم هندي هابط" أو "مسرحية".
وعدوا ما يفعله النظام المصري دليلاً على ضعفه وامتهانه للكرامة الإنسانية، ووصفوا الداخلية بـ"البلطجية" والنظام بالمستبد الذي يقمع المدنيين العزل بأساليب "عصور حجرية". محذرين من أن مثل هذه الممارسات ستؤدي إلى ثورة شعبية أو وعي متزايد.
شماعة الإخوان
واستنكر ناشطون استخدام "شماعة الإخوان" لتبرير كل فشل اقتصادي أو أمني أو خدمي في مصر، أو كفزاعة جاهز لتغطية فشله في إدارة الدولة وتبرير القمع والفشل المتراكم منذ 2013، ووصفوها بأنها "فزاعة" قديمة يُخرجونها من "الدولاب" كلما حدثت أزمة (مثل انقطاع الكهرباء أو أزمات أخرى)، بدلا من حل المشاكل.
وبرزت أصوات تدافع عن فترة حكم الإخوان (2012-2013)، وتذكر إيجابياتها مثل خدمات ميدانية (كنس الشوارع، توصيل أنابيب البوتاجاز إلى المنازل)، وتؤكد أن الإخوان لم يسرقوا أو ينهبوا، وأن إسقاط حكمهم جاء بسبب مؤامرات خارجية أو لتبرير فشل النظام الحالي، وأن "اخلع عباية الإخوان" تعبير يعكس تآكل هذه الشماعة.
وطأة التعذيب
وطالب مصريون بإسقاط النظام برئاسة عبدالفتاح السيسي، واتهموه باستخدام التعذيب والتهديد باغتصاب الأهل والعرض أو الصعق بالكهرباء لانتزاع كلمات مكتوبة مسبقا، واستدلوا على ذلك بتصريحات الشاب المصري محمود الأحمدي للقاضي خلال جلسة محاكمته التي كشف فيها عن تعرضهم للتعذيب.
والأحمدي أحد المتهمين التسعة الذين أُعدموا في قضية اغتيال النائب العام المصري هشام بركات في فبراير/شباط 2019، وواجهه القاضي حسن فريد باعترافاته المسجلة بارتكاب الجريمة، فأجابه الأحمدي بأن تلك الاعترافات انتُزعت تحت وطأة التعذيب الشديد بالكهرباء.
وقال جملته التي أصبحت "تريند" لاحقاً: "اديني صاعق كهرباء وأنا أخلي أي حد في القاعة يعترف إنه قتل السادات" (في إشارة إلى استحالة صمود أي شخص أمام التعذيب بالكهرباء واعترافه بأي شيء يُملى عليه). مضيفا في الجلسة ذاتها: "إحنا اطحنّا كهرباء.. معانا كهرباء تقضي مصر 20 سنة".
غياب العدالة
واستنكر صحفيون وحقوقيون غياب منظومة العدل والعدالة الحقيقية في مصر منذ الانقلاب العسكري عام 2013، ووصفوا المنظومة الأمنية والقضائية بأنها مختلة وتُستخدم لتصفية حسابات سياسية، مستدلين بتصاعد الإخفاء قسرا، والتعذيب، وغياب المحاكمات العادلة.
وحثوا على عدم الثقة في أي فيديوهات أو اعترافات صادرة عن المعتقلين، مؤكدين أن المنظومة بأكملها خارج إطار القانون والحقوق منذ الانقلاب، وأن الإخفاء والتعذيب وتلفيق التهم والإجبار على الاعتراف تحت وطأة التعذيب أو المساومة أو الضغط بذوي المعتقلين- أصبحوا نمط السلطة.
ورأى مركز الشهاب لحقوق الإنسان، أن التطورات في قضية علي عبد الونيس تثير تساؤلات جوهرية حول ملابسات توقيفه خارج البلاد ومدى قانونيتها، وكيفية نقله أو تسليمه إلى السلطات المصرية، ومدى توافر ضمانات المحاكمة العادلة، ومصداقية الاعترافات المنشورة في ظل غياب الشفافية.
وشدد على أن أي اعترافات تصدر في ظروف احتجاز غير معلومة أو بمعزل عن العالم الخارجي تظل محل شك قانوني وحقوقي، خاصة مع تكرار التقارير بشأن استخدام التعذيب لانتزاع الاعترافات.
وطالب المركز بالكشف الفوري عن كافة ملابسات توقيف ونقل عبد الونيس، وضمان سلامته الجسدية والنفسية، وتمكينه من التواصل مع أسرته ومحاميه، واحترام معايير المحاكمة العادلة وفق القوانين الدولية، داعيا المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية إلى متابعة القضية عن كثب واتخاذ ما يلزم لمنع أي انتهاكات.


















