حرب الشرق الأوسط.. ما انعكاساتها على العلاقات الإيرانية الإفريقية؟

منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

بينما تستعر الحرب في الشرق الأوسط بين طهران وحزب الله اللبناني من جهة وبين الاحتلال الإسرائيلي وواشنطن من جهة أخرى، تمتد التداعيات إلى القارة السمراء.

فإيران التي تقيم علاقات دبلوماسية مع 22 دولة إفريقية، انخرطت خلال السنوات الماضية في تعاون اقتصادي وعسكري مع العديد من دول القارة.

في السياق، سلط موقع "دويتش فيله" الضوء على طبيعة هذه العلاقة في مقال بعنوان: لماذا تأتي حرب إيران في توقيت غير مناسب لإفريقيا؟

وتناول المقال الألماني انعكاسات التصعيد في الشرق الأوسط بالنسبة للعلاقات بين إيران والقارة الإفريقية، وخاصة دول الساحل، من الناحية الاقتصادية والسياسية والعسكرية.

توقيت غير مناسب 

وأشار المقال في مطلع حديثه إلى أن "تاريخ العلاقات بين إيران وإفريقيا يعود إلى القرن السادس عشر من التقويم الميلادي، حين ازدهرت التجارة عبر المحيط الهندي".

وتابع: "ومع ستينيات القرن العشرين، قام الشاه محمد رضا بهلوي بتحديث التعاون مع الدول الإفريقية وتوسيعه".

وأردف: "وبعد الثورة الإسلامية عام 1979، واصل روح الله الخميني هذه العلاقات، وهي مستمرة حتى اليوم".

وبحسب المقال، "تأتي هذه الجهود الإيرانية في سياق تعزيز شراكاتها الإستراتيجية والاقتصادية والعسكرية والأمنية والدينية والعلمية والأكاديمية مع الدول الإفريقية، وذلك في إطار محاولتها الالتفاف على العقوبات الدولية".

واستطرد: "في هذا السياق، يلعب تصدير المعرفة التكنولوجية والصناعية دورا بالغ الأهمية، ففي عام 2025، شهد حجم التجارة بين إيران وإفريقيا ارتفاعا ملحوظا، إذ زادت الصادرات الإيرانية بنسبة 85 بالمئة مقارنة بعام 2024".

إلا إن المقال لفت في الوقت ذاته إلى أن "هذا النمو انطلق من قاعدة منخفضة، بلغت حوالي مليار دولار".

في المقابل، "تستقبل إيران عددا كبيرا من الطلاب الأفارقة في جامعاتها، وتبني شراكات تقنية وثقافية مع دول القارة، إضافة إلى نشاطها في المجالات الإنسانية والصحية".

اقتصاديا، يرى المقال أن حرب إيران تأتي في "توقيت غير مناسب للقارة الإفريقية، فقد استفادت كثير من الدول المثقلة بالديون أخيرا من ضعف الدولار وانخفاض أسعار الفائدة، لكن هذه المكاسب باتت مهددة".

وتابع موضحا: "فالحرب تعطل حركة التجارة العالمية، وتجبر السفن على سلوك الطريق الأطول والأكثر تكلفة حول رأس الرجاء الصالح بدلا من قناة السويس، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، خصوصا في مجالي الطاقة والغذاء".

واستشهد الموقع بنيجيريا، إذ ارتفعت أسعار الوقود في محطات التزويد بنسبة 14 بالمئة خلال أسبوع واحد فقط من الحرب.

إضافة إلى ذلك، "يُخشى من تداعيات اقتصادية وخسائر في الوظائف بالنسبة للأفارقة العاملين في الخارج، ومن بينهم أكثر من 400 ألف كيني يعملون في دول الخليج، وحوالي 200 ألف إثيوبي في الإمارات وحدها".

ويتفق مع هذا الرأي صحيفة "دير شتاندارد" الألمانية التي رأت أن "التحويلات المالية من المغتربين قد تتعرض لضغوط بسبب الحرب، لا سيما وأنها شهدت زيادة هائلة في السنوات الأخيرة، وتجاوزت بكثير المساعدات التنموية التقليدية".

بل ونوهت إلى أن "نسبتها تصل إلى 20 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، في بعض الدول الإفريقية".

من جانب آخر، رجحت الصحيفة أن "الإمارات، التي تعد من أكبر المستثمرين في القارة الإفريقية، قد توقف بعض مشاريعها الحالية".

يورانيوم النيجر 

وعقّب الباحث والأكاديمي في جامعة مارادي بالنيجر، سليفو نوهو جانغورزو، بالقول إن حضور إيران في إفريقيا أقل من حضور دول مثل فرنسا أو ألمانيا، لكنه ليس غائبا.

وتابع: "ومن خلال هذه السفارات، تنسج علاقات في مجالات عدة، خصوصا الاقتصاد، كما تنظم بانتظام منتديات ولقاءات بين إيران وإفريقيا".

وأكمل "دويتشه فيله": "ومع تراجع النفوذ الغربي، ولا سيما الفرنسي، في دول الساحل، استغلت طهران الفرصة لتعزيز علاقاتها مع دول تحالف الساحل (مالي، بوركينا فاسو، النيجر)".

وأردف: "ففي نهاية فبراير/ شباط 2026، استقبل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير دفاعه عزيز ناصر زاده وزير الدفاع البوركيني الجنرال سيليستين سيمبوري، حيث ناقش الطرفان تعزيز الشراكة في المجال الأمني".

كما زار رئيس وزراء النيجر علي الأمين زين طهران في يناير/ كانون الثاني 2024

أما في السودان، فأشار الموقع إلى أنه "فبعد أن تجنبت الخرطوم طويلا أي اتصال مع إيران مراعاة لموقف السعودية، عادت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين مع اندلاع الحرب السودانية عام 2023".

ورافق إعادة افتتاح السفارة الإيرانية احتفالات كبيرة، وسرعان ما حصل السودان على طائرات مسيّرة إيرانية.

"وفي حرب تيغراي في إثيوبيا، وردت تقارير عن شراء الحكومة المركزية في أديس أبابا طائرات مسيّرة إيرانية"، وفق ما أفاد به المقال.

وأبرز الموقع علاقة إيران بالنيجر، قائلا: "تتهم الولايات المتحدة وإسرائيل وعدة دول أخرى إيران بالسعي لتخصيب اليورانيوم بهدف إنتاج قنبلة نووية".

ولفت إلى أنه "إذا صح هذا الاتهام، فإن سوق اليورانيوم في النيجر قد يكون موضع اهتمام لطهران".

في هذا السياق، ذكر أنه "منذ أن قررت النيجر الانفصال عن شركة أورانو الفرنسية العملاقة في مجال الطاقة النووية، ظهرت تكهنات بأن البلاد قد تسعى لبيع اليورانيوم لإيران".

"لكن حتى الآن لم يحدث ذلك"، بحسب الصحفي والكاتب النيجري سيديك أبّا، رئيس المركز الدولي لدراسات وتأملات الساحل.

وقال أبّا: "صحيح أن إيران أبدت اهتماما باليورانيوم النيجري، وهناك تكهنات تربط ذلك بطموحات نووية، لكن في الوقت الراهن لا توجد علاقات اقتصادية مكثفة بين نيامي وطهران في هذا المجال".

"مع ذلك، ثمة تعاون تكنولوجي وعسكري قائم بالفعل بين إيران والنيجر، فنيامي تشتري طائرات مسيرة إيرانية"، بحسب أبا. 

وتحذو دول إفريقية أخرى حذوها: "لا يُسلّط الكثيرون الضوء بما فيه الكفاية على تخصص إيران في مجال الطائرات المسيرة".

"واليوم، نعلم أن العديد من الدول الإفريقية ترغب في اقتناء هذه المعدات، لا سيما تلك التي تواجه الإرهاب"، يقول أبّا.

وأضاف: "يتم شراء نسبة كبيرة من الطائرات المسيرة من تركيا، لكن بعض الدول تتجه أيضا إلى إيران".

وحول تداعيات الحرب على العلاقة بين طهران والقارة السمراء، قال: "قد تؤدي الحرب إلى إبطاء أو حتى وقف بعض ديناميكيات التعاون بين إيران وإفريقيا، لأن النظام الإيراني مضطر إلى تركيز معظم موارده على إدارة الأزمة في الشرق الأوسط".

شيعة إفريقيا

من زاوية أخرى، تطرق "دويتشه فيله" إلى المجتمعات الشيعية في إفريقيا، حيث قال أستاذ الجامعة سليفو نوهو جانغورزو، إن "المجال الثقافي، ولا سيما الديني، يلعب أيضا دورا مهما، فبفضل المجتمعات الشيعية تتمتع إيران بحضور راسخ في إفريقيا".

وتتركز المجتمعات الشيعية بشكل رئيسي غرب إفريقيا، في دول مثل غينيا والسنغال والنيجير ونيجيريا، إضافة إلى بعض بلدان شرق إفريقيا. 

علاوة على ذلك، أشار إلى المقال إلى أن "التنافس الديني بين السعودية ذات الغالبية السنية وإيران ذات الغالبية الشيعية ينعكس أيضا على القارة الإفريقية، إذ تستفيد طهران من المؤسسات الثقافية والمنح الدراسية والشبكات المحلية لنشر أفكارها".

وفي مالي، حيث يشكل المسلمين أكثر من 95 بالمئة من السكان، أدان الإمام شوالا بايايا حيدرة المقرب من طهران، في تصريح لـ"دويتشه فيله" اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار قادة النظام، قائلا: "نشهد حرب عدوان. إنه جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية". 

وأضاف: "إن قتل خامنئي ليس عملا عظيما. كانت أميركا ستبدو عظيمة لو تمكنت من منع إيران من إطلاق الصواريخ. لكن إيران ما زالت تطلق الصواريخ متى وأينما تريد".

كما أعرب الإمام السني أيوب توري من مالي عن تضامنه مع الشعب الإيراني، قائلا: "من الذي منح أميركا، التي تمتلك أسلحة نووية، الإذن بصنعها؟ وهذا يقود إلى استنتاج أنها شرطي العالم وسيدة العالم وأن على الآخرين أن يتبعوها. لم يعد الأمر هيمنة فحسب، بل أصبح أشبه بقانون الغاب".

وفيما يتعلق باحتمال امتداد الصراع في الشرق الأوسط إلى إفريقيا، أشار المقال إلى أن "بعض المواقع الإستراتيجية في القرن الإفريقي تقع ضمن مدى الصواريخ الإيرانية، ولا سيما في جيبوتي حيث توجد قواعد بحرية أميركية وفرنسية".

وأضاف أن "هذه القواعد تقع على بعد نحو 160 كيلومترا فقط من اليمن، حيث يمتلك الحوثيون، بدعم من إيران، ترسانة من الصواريخ والطائرات المسيرة".

على الجانب الآخر، نوهت صحيفة "دير شتاندارد" الألمانية إلى أن "الولايات المتحدة تملك القدرة على فرض عقوبات مالية على دول أو بنوك أو شركات تتعامل مع طهران، وذلك عبر ما يُعرف بالعقوبات الثانوية".

وتابعت: "فكل من يتاجر مع إيران يواجه خطر الاستبعاد من النظام المالي الأميركي وفقدان الوصول إلى التعاملات بالدولار".

وقدرت الصحيفة أنه "نظرا لأن جزءا كبيرا من التجارة العالمية والتدفقات المالية الدولية يتم عبر الدولار، فإن مجرد التهديد بمثل هذه العقوبات يترك أثرا كبيرا بالفعل".

واستطردت: "في النهاية، لا يزال من غير الواضح متى ستنتهي الحرب، وما موازين القوى التي ستسود في إيران بعد ذلك، وما النتائج الملموسة التي قد تترتب على إفريقيا، وهو ما سيكشفه تطور الأحداث".