عدم مشاركة الحوثيين حتى الآن في الحرب إلى جانب إيران.. تكتيك أم تردد؟

"إذا قرروا الانضمام، فسيكون ذلك عبر خطوات محسوبة ومحدودة"
منذ اندلاع الحرب على إيران، يتساءل كثير من الإسرائيليين عن السبب الذي دفع الحوثيين الذين استهدفوا العمق الإسرائيلي طوال عامين من العدوان على قطاع غزة وكذلك خلال حرب الإثني عشر يوما، إلى التزام الحياد هذه المرة وعدم الانضمام بعد إلى طهران.
في هذا السياق، كشف موقع "القناة 12" العبرية عن تقدير جهات أمنية في إسرائيل بأن إيران هي التي طلبت من جماعة الحوثيين في اليمن التريث وعدم الانخراط في المواجهة في الوقت الراهن.
فخلال المشاورات التي جرت على المستويين السياسي والعسكري في إسرائيل، برز تقييم مفاده أن إيران هي التي طلبت من الحوثيين الانتظار في هذه المرحلة.
وبحسب الموقع، فإن "هذا التقدير شكل مفاجأة لبعض الجهات الأمنية الإسرائيلية، ومع ذلك، لا يزال من الصعب الجزم بما قد تحمله التطورات لاحقا، غير أن التقديرات الإسرائيلية لا تستبعد أن نشهد انضمام الحوثيين إلى المواجهة خلال الفترة القريبة المقبلة".

مؤشرات عدة
وأفادت مصادر عسكرية بصنعاء في 4 مارس/ آذار 2026 لصحيفة "الأخبار" اللبنانية، المقربة من حزب الله، بأن "قيادة الحوثيين تتابع عن كثب مجريات التطورات الإقليمية، وأن قرار الدخول المباشر في المواجهة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى مرتبط بمسار الأحداث على الأرض".
وأضافت هذه المصادر أن الحوثي ترى أن الموقف العسكري الإيراني "أقوى من أي وقت مضى"، لكنها لمّحت في الوقت نفسه إلى أن الحوثيين قد ينخرطون في الصراع الإقليمي إذا تعرضوا لما وصفوه بـ"عدوان وحشي" من قبل الولايات المتحدة أو إسرائيل.
وفي خطاب ألقاه زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي: "في إطار موقفنا المتضامن مع إيران سنعمل من خلال مجموعة من الأنشطة، بما في ذلك تحركات شعبية ومظاهرات".
كما دعا الشعب اليمني إلى الخروج في "مظاهرات جماهيرية واسعة وكبيرة، يشارك فيها الملايين، في صنعاء وفي المحافظات يوم غد".
"وفي الأول من مارس/ آذار 2026، ألقى الحوثي خطابا آخر عبر فيه عن غضبه من اغتيال المرشد علي خامنئي، إلا أنه في كلا الخطابين تجنب إعلان موقف حاسم بشأن نية الجماعة الانخراط في الحرب بشكل مباشر". وفق الموقع.
في المقابل، زعم الموقع أن "قيادات النظام الإيراني التي بقيت على قيد الحياة مارست ضغوطا كبيرة على قيادة حزب الله من أجل فتح النار على إسرائيل، بهدف زيادة الضغط عليها وفتح جبهة إضافية في المواجهة.
ويتفق معهد "مسغاف" مع هذه التقديرات الأمنية؛ إذ يعتقد أن "الامتناع الحوثي لن يصمد، بل قد يتغير قريبا تبعا لمدة الهجوم الأميركي الإسرائيلي المشترك وعمق تداعياته على النظام الإيراني وعلى البيئة الإقليمية".
وبحسب المعهد العبري، "تشير عدة مؤشرات إلى أن الجماعة قد تتجه نحو التصعيد".
وأوضح أن "أول هذه المؤشرات التقارير التي أفادت بأن إيران وجهت الحوثيين للتحرك في منطقة باب المندب والبحر الأحمر، وهو ممر بحري حساس يتمتع بأهمية إستراتيجية عالمية".
وتابع: "من منظور طهران، يمثل هذا المسار أداة ضغط مؤثرة يمكن أن تترتب عليها تداعيات إقليمية واسعة".
في هذا الإطار، لم يستبعد أن "يعود الحوثيون إلى استهداف السفن التجارية المتجهة إلى إسرائيل أو المرتبطة بها، دون الانجرار بالضرورة إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، وذلك انسجاما مع وقف إطلاق النار المعلن في مايو/ أيار 2025، والذي أوضح الحوثيون أنه لا يشمل إسرائيل".
ويرى المعهد أنه "في ظل الشراكة الإستراتيجية الطويلة بين طهران وصنعاء، والتي مكنت الحوثيين من الاستفادة من الخبرات الإيرانية ومن إمدادات السلاح، قد تجد قيادة الجماعة نفسها مضطرة إلى إظهار دعم ملموس لإيران".
واستطرد: "وحتى إذا لم تنخرط في حرب واسعة النطاق، فمن المرجح أن تختار خطوة رمزية أو محدودة تعكس هذا الالتزام".
من جانب آخر، أشار المعهد إلى أن بعض المحللين يعتقدون "أن الحوثيين قد يستغلون المواجهة الحالية للعودة إلى واجهة المشهد الإقليمي، ولن يكتفوا بدعم رمزي فقط".
وأضاف: "فقد أظهرت المليشيا اليمنية جرأة في السابق، وتعتبر نفسها أحد أبرز مكونات ما يسمى بمحور المقاومة الإيراني، وهو موقع تسعى إلى تعزيزه في ظل انضمام حزب الله اللبناني إلى المعركة، وكذلك في ضوء المشاركة الفورية للمليشيات الموالية لإيران في العراق إلى جانب طهران".
وفي هذا الصدد، ذكر المعهد أن "خبراء أمنيين حذروا من أن الحوثيين استغلوا فترة وقف إطلاق النار في قطاع غزة لتعزيز قدراتهم العسكرية بشكل ملحوظ، والاستعداد لسيناريوهات قتالية مختلفة، بما في ذلك إجراء تدريبات ميدانية برية".
ورغم ادعائه بأن "هجماتهم الصاروخية المتقطعة خلال جولات التصعيد السابقة مع إسرائيل لم تحقق نجاحا يذكر، إذ اعتُرضت الغالبية الساحقة من الصواريخ"، حذر المعهد من أن "هناك مؤشرات على تطور في منظومات التسليح المستخدمة، بما في ذلك استخدام غير مسبوق لصواريخ مزودة برؤوس حربية متشظية".
تقديرات رادعة
مع ذلك، قدر المعهد العبري أن "يواجه الحوثيون أيضا إجراءات رادعة، فإطلاق صواريخ نحو إسرائيل أو استهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر قد يستدعي ردا إسرائيليا أو أميركيا شديد القوة، خاصة إذا وجهت هجماتهم ضد أصول أو قواعد أميركية في الشرق الأوسط".
وتابع: "تدرك قيادة الجماعة جيدا حجم الرد الأميركي، كما ظهر في العملية الجوية البحرية الواسعة ضد الحوثيين في اليمن في مارس/ آذار 2025، ردا على هجماتهم في البحر الأحمر، ومن المرجح أنها لا ترغب في تكرار تلك التجربة".
أما بالنسبة لإسرائيل، فيعتقد المعهد أن "هناك أيضا عامل ردع مهما، يستند إلى تجارب سابقة تضمنت ضربات قاسية للموانئ والبنى التحتية واغتيال قيادات بارزة".
وبحسب رأيه، فإن "اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي في اليوم الأول من الهجوم المشترك ترك أثره الواضح".
وأردف: "مثل هذه الرسالة لا تغيب عن نظر عبد الملك الحوثي، ومن المشكوك فيه أن يغامر بتعريض نفسه لمصير مشابه".
بناء على ذلك، يرى المعهد أن "الحوثيين يقفون أمام معضلة واضحة: بين الولاء الإستراتيجي لإيران والسعي إلى استثمار الحرب لإبراز قوتهم الإقليمية، وبين الحاجة الملحة إلى الحفاظ على بقائهم وتجنب خسائر فادحة".
ورجح أنهم "إذا قرروا الانضمام إلى المعركة، فسيكون ذلك عبر خطوات محسوبة ومحدودة، تسمح لهم بإعلان التضامن وإظهار القوة من دون الانجرار إلى مواجهة طويلة الأمد قد تكلفهم ثمنا باهظا".
في الوقت نفسه، دعا المعهد إسرائيل "الاستعداد لاحتمال أكثر خطورة، يتمثل في أن يقرر الحوثيون خوض مغامرة كبيرة والانضمام إلى القتال كلاعب رئيس في محور المقاومة".

التقدير الأميركي
بالانتقال إلى التقديرات الأميركية حول فرص مشاركة الحوثيين في الحرب، أشار موقع “القناة 12” العبرية إلى أن "جهات أميركية تقدر أن جماعة الحوثي تستعد لاحتمال الانخراط في الحرب، وقد تقدم على ذلك إذا شعرت بأن النظام الإيراني يقترب من الانهيار".
وبحسب تصريحات مسؤول غربي رفيع للموقع فإنه "إذا قرر الحوثيون المشاركة في المعركة فمن المرجح أن يركزوا هجماتهم على إسرائيل وعلى طرق التجارة البحرية، وهما هدفان اعتادوا استهدافهما خلال العامين الماضيين".
في المقابل، لا يُرجح -وفقا لهذه التقديرات- أن يهاجم الحوثيون أهدافا أميركية في المنطقة، فمنذ مارس/ آذار 2025 وحتى مايو/ آيار 2025، نفذت واشنطن عملية عسكرية واسعة في اليمن، قصفت خلالها عددا كبيرا من أهداف الجماعة، قبل أن يتم التوصل لوقف إطلاق نار تعهد الحوثيون في إطاره بوقف تعطيل طرق التجارة البحرية.
واستدرك الموقع: "غير أنهم أكدوا في الوقت ذاته أن هذا الاتفاق لا يشمل إسرائيل، وبالتالي لا يتضمن التزاما بعدم مهاجمتها".
كما توقع المصدر أن الحوثيين لن يستهدفوا السعودية، في ضوء التفاهمات التي تم التوصل إليها بين الطرفين عقب سنوات من القتال.
وأوضحت الباحثة البارزة بمعهد واشنطن، أبريل لونغلي، في حديث للموقع أن "الحوثيين عندما يكونون جاهزين، فسيبدأون هذه المعركة في البحر الأحمر وضد إسرائيل، فهذه نقطة الانطلاق المثلى بالنسبة لهم، وهي مصدر قوتهم الإضافي".
وتقدر المتخصصة في شؤون الحوثيين أن "السبب الرئيس لعدم تدخل الحوثيين حتى الآن يعود إلى أنهم لا يملكون القدرة على تقديم إضافة عسكرية مؤثرة لإيران، التي تمتلك قوة عسكرية أكبر بكثير وأكثر تفوقا".
"وبناء على ذلك، لا يحقق الحوثيون فائدة حقيقية من الانضمام إلى الحرب في هذه المرحلة، في حين أنهم قد يتعرضون في المقابل لضربات قاسية من إسرائيل والولايات المتحدة إذا قرروا الانخراط في القتال"، بحسب تحليلها.
وفي هذا الإطار تقول باربرا ليف التي شغلت حتى عام 2025 منصب مساعدة وزير الخارجية الأميركي وكانت مسؤولة أيضا عن ملف اليمن، في حديث مع الموقع: "إنهم يعانون نقصا في الأموال ونقصا في الإمدادات التي يحصلون عليها من إيران".
وأضافت: "لا يزالون ينتظرون على الهامش لأنهم يريدون أن يروا إلى أي اتجاه ستتطور الأمور".
وتابعت ليف: "لا أصفهم بأنهم خائفون؛ لأن لديهم ذهنية متمردة، لكنهم لا يريدون أن تُوجه إليهم قوة النيران الهائلة الموجودة في المنطقة. إنهم ببساطة ينتظرون".
ووفقا لتقديرها، فإن "الحوثيين يدركون حجم القوة العسكرية المنتشرة في المنطقة، ولا يرون فائدة واضحة من الانضمام إلى الحرب في الوقت الراهن".
وتابعت: "مثل إيران تماما، هم ليسوا انتحاريين، بل يتصرفون بحسابات دقيقة".
هامش المناورة
من جهتها، تعتقد لونغلي "أنهم يستعدون للتحرك"، وقالت: "لقد تعرضوا لضربات قاسية من الولايات المتحدة وإسرائيل، وفقدوا جزءا من قدراتهم وكذلك جزءا من قيادتهم. وقد رحّبوا بوقف إطلاق النار لأنه منحهم فرصة لإعادة تنظيم صفوفهم، وهم لا يزالون في هذه المرحلة حتى الآن".
وبحسبها، فإن "ورقة الضغط الأساسية لدى الحوثيين تتمثل في قدرتهم على إغلاق مضيق باب المندب، ولذلك من المرجح أن تتركز أي أنشطة عسكرية في تلك المنطقة".
كما لفتت إلى أن "الرأي العام في اليمن أكثر تأييدا للهجمات ضد إسرائيل منه لدعم حرب تهدف إلى حماية إيران، وهو ما يجعل إسرائيل هدفا محتملا أيضا".
وأكدت لونغلي على "وجود تيارات مختلفة داخل الجماعة، أحدها أقرب إلى إيران، وآخر يميل إلى النزعة الوطنية اليمنية ويتقارب مع السعودية".
ومع ذلك، تعتقد أن "القرار النهائي سيبقى بيد عبد الملك الحوثي، زعيم الجماعة، فيما ستتبع بقية التيارات نهجه".
وأضافت: "من ناحية الرأي العام، من الأسهل بكثير للحوثيين أن يقولوا أنهم يتحركون من أجل فلسطين وليس من أجل الدفاع عن إيران، فالدفاع عن إيران ليس خطابا يحظى بتأييد واسع داخل اليمن".
واستطردت: "إنهم يحاولون الحفاظ على أكبر قدر ممكن من هامش المناورة".
وفي السياق نفسه، ذكر الموقع أن وكالة أنباء إيرانية أفادت بأن الحوثيين وجهوا رسالة إلى دول الخليج مفادها أنهم سينضمون إلى القتال إذا قررت هذه الدول مهاجمة إيران.
من جانبه، يعتقد مراسل صحيفة "يديعوت أحرونوت" رون بن يشاي أن "قرار واشنطن تعزيز قواتها في المنطقة من خلال إرسال حاملة الطائرات (جورج دبليو بوش) إلى الشرق الأوسط، برفقة قوة مهام تتألف من ثلاث مدمرات صواريخ موجهة، يأتي في إطار مواجهة الحوثيين".
وقال: إن "الهدف الفوري من هذا التحرك هو ردع الحوثيين، فمن أجل مواجهتهم، أرسل البنتاغون حاملة (جيرالد فورد) مع مجموعة مهامها عبر قناة السويس، وهي تتمركز حاليا في البحر الأحمر قبالة الحوثيين".
وتابع: "والرسالة من كل هذه التحركات واضحة: هذه هي طريقة القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) والإدارة الأميركية لإبلاغ الحوثيين: لا تقدموا على ذلك".
علاوة على ذلك، يرى بن يشاي أن انتشار حاملة "جورج دبليو بوش" في المنطقة يشير إلى "عزم الولايات المتحدة إدارة حرب طويلة الأمد حتى الوصول إلى استسلام كامل من جانب الإيرانيين".
وفسر ذلك قائلا: “فوجود ثلاث مجموعات مهام حول ثلاث حاملات طائرات يمنحها القدرة على خوض حرب ممتدة دون إنهاك مفرط للقوات، مع تنفيذ عملية سحق منهجية لكل القدرات داخل إيران وإضعاف البنية التحتية للنظام، بما يؤدي في نهاية المطاف لخروج الجماهير إلى الشوارع للتظاهر”.
من جانب آخر، يقدر بن يشاي أن "الأميركيين -من خلال نشر حاملة (جورج دبليو بوش)- يسعون إلى إعادة حركة ناقلات النفط في مضيق هرمز، التي تراجعت بنسبة 95 بالمئة مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، وذلك لتفادي ارتفاع أسعار النفط".
وأضاف أنهم "بعد تدميرهم الأسطول البحري الإيراني، ما زالت هناك مخاطر من الصواريخ الساحلية والزوارق السريعة".
واستطرد: "لهذا أعلن الأميركيون أنهم سيرافقون الناقلات في المضيق، وسيتحملون تكاليف الزيادة في رسوم التأمين التي ارتفعت بشكل كبير خلال الحرب".

















