مناورات أكثر مرونة.. ماذا تغير في أسلوب حزب الله العسكري خلال الحرب الأخيرة؟

حزب الله لا يُبدي استعدادا للقبول بوقف إطلاق النار بسهولة
أعلنت إسرائيل شن عملية برية في جنوب لبنان، ووصفت العملية بأنها مجرد "إجراءات دفاعية متقدمة" و"تحركات محدودة وهادفة".
لكن موقع "سوهو" الصيني يرى أن "الواقع على الأرض أوضح من التصريحات، إذ دخلت القوات الإسرائيلية بالفعل الأراضي اللبنانية، في عملية تبدو أنها غير محدودة".
ويرى أن "الأمر الأكثر إثارة للقلق لم يكن مجرد بدء التحرك البري، بل التصريح الذي أدلى به وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، حين أعلن أن الهدف هو تحويل القرى الحدودية في جنوب لبنان إلى "منطقة أنقاض" على غرار ما حدث في غزة.
وبحسب تقديره، فإن "هذا التصريح لم يكن مجرد عبارة عابرة، بل يعكس توجها واضحا يقوم على إزالة البنية التحتية العسكرية لحزب الله، وقطع خطوط عودته، وإعادة تشكيل الجنوب ليصبح منطقة عازلة أكثر عمقا".

إعادة تشكيل
واستهل الموقع تقريره قائلا: "يظن البعض أن التوغل البري يمثل بداية جديدة، لكن الواقع أن إسرائيل كانت قد بدأت منذ نحو أسبوعين في استهداف مواقع حزب الله داخل لبنان بشكل متواصل".
وشملت هذه الضربات العاصمة بيروت، وجنوب لبنان، ومواقع قيادية تابعة لحزب الله، إلى جانب منشآت عسكرية، حيث لم تتوقف العمليات القتالية.
وفي هذا السياق، ينظر الموقع إلى "التقدم البري الحالي كامتداد لمرحلة سابقة من الضربات الجوية التي مهدت الطريق لسيطرة ميدانية فعلية".
ووفق التقرير، فإن "هذا التطور يجعل من الصعب النظر إلى ما يجري بوصفه مجرد (مشكلة حدودية)".
وأردف: "الجمع بين الغارات الجوية والتقدم البري يكشف أن الهدف الإسرائيلي يتجاوز تدمير بعض المواقع الأمامية، ليصل إلى إعادة رسم معادلة السيطرة على الحدود".
"وكانت ترتيبات وقف إطلاق النار السابقة تتضمن بالفعل بندا يقضي بنزع سلاح حزب الله، إلا أن هذه البنود بقيت حبرا على ورق، ولم تتحول إلى واقع فعلي على الأرض"، يقول الموقع.
وأكمل: "ورغم تكرار الاتفاقات، لم يختف وجود حزب الله، كما لم تتراجع التهديدات على الحدود".
ومن هذا المنطلق، يبدو أن إسرائيل -وفق تحليله- "تتبنى الآن مقاربة مختلفة، تقوم على أن الاتفاقات وحدها غير كافية لضبط الوضع، وأن الحل يكمن في فرض وجود ميداني مباشر، يهدف إلى إبعاد الأفراد والأسلحة عن المناطق الحدودية بشكل كامل".
وتابع: "والأهم من ذلك أن التطورات بعد الثاني من مارس/ آذار 2026 لم تعد محصورة بالساحة اللبنانية فقط، بل عادت لترتبط مباشرة بإيران".
واستطرد: "فبعد الضربات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد طهران، عاد حزب الله، الذي كان يُعتقد أنه قد يتريث مؤقتا، إلى الانخراط مجددا في مسار التصعيد".
ويرى التقرير الصيني أنه "في المرحلة الحالية، لا تكمن الأهمية في التصريحات السياسية بقدر ما تكمن في المعطيات الميدانية، وعلى رأسها خط نهر الليطاني".
ومع دراسة إسرائيل لتوسيع نطاق عملياتها ليشمل كامل المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، يقدر أن "التطورات اكتسبت بعدا أكثر خطورة".
وأوضح مقصده: "فنهر الليطاني لا يعد مجرد موقع جغرافي عادي، بل يمثل في سياق الصراع في جنوب لبنان خطا فاصلا حاسما، تُقاس عليه حدود التقدم العسكري، ونقاط التوقف، وكذلك مدى القدرة على تفكيك البنية العسكرية لحزب الله بشكل واسع".
ولفت إلى أنه "لم يسبق لإسرائيل أن دفعت قواتها إلى ما بعد هذا الخط، لذلك ظل السؤال حول "هل ستصل العمليات إلى نهر الليطاني" معيارا أساسيا للحكم على مستوى التصعيد".
في هذا الإطار، يعتقد التقرير أنه "إذا ما تحول الهدف فعلا إلى السيطرة على كامل المنطقة الواقعة جنوب الليطاني، فإن الأمر لن يقتصر على تطهير القرى الحدودية، بل سيمتد إلى إزالة مواقع حزب الله، ومستودعاته، وشبكات نشاطه البشري في تلك الرقعة بأكملها".
واستطرد: "عند هذه النقطة، لن يكون الحديث عن (عمليات محدودة)، بل عن أكبر تقدم بري إسرائيلي في لبنان منذ حرب عام 2006".
واسترسل: "إذا ما مضت إسرائيل في التقدم حتى الليطاني، فإن الحدود لن تبقى مجرد خط فاصل، بل ستتحول إلى (حزام أمني) جديد يعاد رسمه بالقوة".
وتؤكد المعطيات الميدانية هذا التحليل، فقد "دفعت إسرائيل بثلاث فرق مدرعة وفرقتين مشاة إلى الحدود، ومع انطلاق المواجهة مع إيران قبل شهر، بدأت بالفعل عمليات توغل محدودة عبر الخط الحدودي، كما جرى استدعاء المزيد من قوات الاحتياط، لتضاف إلى القوة البرية والغطاء الجوي المستمر".
ويشدد التقرير أن "هذه العناصر مجتمعة - المدرعات، والمشاة، والاحتياط، والغارات الجوية- تعكس أن ما يجري لم يعد مجرد اختبار أو مناورة، بل استعداد لعملية واسعة النطاق".

تحول تكتيكي
وأشار التقرير إلى "عامل مشترك بين إسرائيل وحزب الله يزيد من صعوبة احتواء التصعيد، يتمثل في غياب الثقة بجدوى أي وقف لإطلاق النار".
وتابع: "فمن جانب إيران، خلصت التقديرات بعد ما سُمي بـ (حرب الاثني عشر يوما) إلى أن وقف إطلاق النار لا يعني بالضرورة تحقيق الأمن، وأن الولايات المتحدة وإسرائيل قد تعاودان الهجوم في أي وقت".
"في المقابل، ترى الولايات المتحدة وإسرائيل أن الضربات السابقة لم تحسم المسألة، وأن القدرات الصاروخية الإيرانية وبنيتها السياسية لا تزال قائمة، وأن وقف إطلاق النار ليس نهاية للصراع بل مجرد توقف مؤقت".
وبحسب تقدير الموقع، فإن "هذا التباين في التقديرات، القائم على انعدام الثقة المتبادل، انتقل بالكامل إلى الجبهة الشمالية لإسرائيل، فحزب الله لا يُبدي استعدادا للقبول بوقف إطلاق النار بسهولة، لعدم ثقته في أن الولايات المتحدة وإسرائيل ستلتزمان به".
انطلاقا من ذلك، لم يعد الحزب يركز، بحسب التقرير، على الخطاب السياسي بقدر ما يركز على القدرات الميدانية الفعلية.
ووفقا تقديراته، "لا يزال حزب الله يمتلك نحو 25 ألف قطعة من الذخائر، تشمل صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، إضافة إلى طائرات مسيرة متوسطة المدى".
وتابع: "تسببت هذه القدرات بالفعل في إلحاق أضرار ملموسة بشمال إسرائيل، حيث أدت إلى إجلاء أعداد كبيرة من السكان وتعطيل الحياة اليومية والأنشطة الاقتصادية لفترات طويلة".
واستدرك: "غير أن حجم الترسانة ليس العامل الحاسم وحده، بل أسلوب استخدامها هو ما سيحدد مسار المرحلة المقبلة".
وأوضح مقصده: "ففي الجولة السابقة من المواجهات، تعرضت البنية القيادية العليا لحزب الله لضربات سريعة، كما كُشف ودُمر عدد كبير من المواقع الثابتة قرب الحدود، ما أضعف فعالية التكتيكات التقليدية".
وأردف: "فالمواقع الثابتة، ومنصات الإطلاق الدائمة، وشبكات الأنفاق المستقرة، باتت أهدافا سهلة نسبيا أمام قدرات الاستطلاع الجوي والطائرات المسيرة الإسرائيلية، وبمجرد تشغيل منصات الإطلاق، تصبح عرضة للاستهداف الفوري من الجو".
ولهذا، رجح التقرير الصيني أن "يتجه حزب الله خلال المواجهة الحالية إلى تغيير نهجه، بالانتقال من الدفاع الثابت إلى أساليب أكثر مرونة تعتمد على الحركة والمناورة".
وأضاف أن "بعض التسريبات أشارت إلى توجه واضح نحو تقليل الاعتماد على المواقع الثابتة، واعتماد انتشار أكثر تشتتا، مع تقليص زمن الظهور، بما يجعل مواقع الإطلاق وإيقاع العمليات أكثر صعوبة في الرصد والاستهداف".
"وهكذا، وبينما كانت القوات الإسرائيلية في السابق تواجه أهدافا ثابتة نسبيا، فإن تحول حزب الله إلى العمل بوحدات صغيرة متحركة سيجعل التقدم البري أكثر تعقيدا، حيث تصبح المواجهات أكثر تفرقا، وأقل وضوحا، وأكثر قابلية للظهور المفاجئ"، وفق الموقع.
وبحسبه، "ظهرت بالفعل مؤشرات على استخدام صواريخ مضادة للدروع لاستهداف دبابات إسرائيلية بشكل مباشر، ما يدل على أن حزب الله يسعى إلى نقل الاشتباك إلى مسافات أقرب وعلى تماس مباشر مع القوات البرية".
واستطرد: "في الجولة السابقة من المواجهة، مهدت الضربات الجوية المكثفة الطريق أمام القوات البرية الإسرائيلية، حيث دُمر العديد من المواقع قبل وصولها، ما حدّ من المواجهات المباشرة".
أما في حال نجاح حزب الله في تطبيق "تكتيكات أكثر حركة ومرونة"، فيتوقع التقرير أن "طبيعة المواجهة قد تختلف هذه المرة، ولن تبقى على النمط الأحادي الذي طغى على الجولة الماضية".

ضغوط كبيرة
وتطرق التقرير إلى "عامل آخر يتمثل في الطائرات المسيّرة (FPV)، وقد بدأت هذه الفئة من الأسلحة بالظهور مؤخرا في الساحة العراقية، بل ظهرت مؤشرات على وجود نماذج موجهة بالألياف الضوئية".
وتعد هذه الطائرات مركبات غير مأهولة مزودة بكاميرا تنقل بثا حيا وعالي الجودة إلى نظارات فيديو أو شاشة خاصة يرتديها الطيار، مما يمنحه تجربة طيران غامرة وكأنه داخل قمرة القيادة.
وتتميز بقدرتها على المناورة العالية والسرعة والتحليق في مسارات ضيقة، إضافة إلى تكلفتها المنخفضة، مما جعلها شائعة في العمليات العسكرية الاستطلاعية والقتالية.
ولم يستبعد التقرير أن يلجأ حزب الله لاستخدام هذه الطائرات: "تؤكد التجارب أن انتشار التكنولوجيا لا يتوقف عند حدود جغرافية معينة، ولا يتباطأ لمجرد اختلاف ساحات القتال".
وتابع: "فعدم لجوء حماس أو حزب الله سابقا إلى استخدام هذه الوسائل على نطاق واسع لا يعني أنها لن تصبح جزءا أساسيا من المواجهات في المرحلة المقبلة".
ونوه إلى أنه "في حال استخدام هذه الطائرات بكثافة، وبتكلفة منخفضة، وعلى نحو مستمر، فإنها قد تفرض ضغوطا كبيرة على الخطوط الأمامية".
ووفقا له، "تكمن خطورتها الأساسية في غياب وسائل اعتراض فعالة ورخيصة وقابلة للتوسع على نطاق واسع في الوقت الراهن".
وأضاف أنه "مع تزايد أعدادها، تصبح الأيام الأولى من استخدامها هي الأخطر".
وخلص إلى أنه "سواء بالنسبة لإسرائيل، أو للقوات الأميركية المنتشرة في العراق وسوريا، فإن مواجهة استخدام واسع النطاق لهذه الطائرات لن تكون مهمة سهلة".
في المحصلة، يرى التقرير أنه "مع تطور هذه الجولة من الصراع، بدأت ملامح قواعد المعركة في الظهور تدريجيا: الطرف الذي يتكبد خسائر أكبر يكون عادة أسرع في تعديل تكتيكاته، لأنه يدرك أن الاستمرار بالأساليب القديمة يعني استمرار الخسارة".
وتابع: "في المقابل، يميل الطرف الذي يحقق تفوقا نسبيا إلى التباطؤ في التكيف، اعتمادا على نجاح الأساليب السابقة".
وبناء على هذا المنطق، يعتقد أن "التغيير الأبرز في المدى القصير قد لا يكون مرتبطا بحجم التعزيزات العسكرية الإسرائيلية، بل بما إذا كان حزب الله سيبادر إلى إظهار أنماط تكتيكية جديدة على الأرض".
واختتم قائلا: "عندما تتحول الحرب إلى مسعى لتحقيق (حسم كامل)، فإن هامش التهدئة يضيق بشكل متسارع، فصوت القصف في جنوب لبنان قد يبدو وكأنه مجرد اضطراب على الحدود، لكنه في الواقع يعكس اهتزازا أوسع يمتد إلى مجمل المشهد في الشرق الأوسط".

















