لماذا يشكل انهيار النظام الإيراني تهديدا استراتيجيا لإسرائيل؟.. صحيفة صينية تجيب

"وكلاء طهران في العراق ولبنان تهديد أكبر لإسرائيل من النظام الإيراني نفسه"
مع استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران منذ 28 فبراير/ شباط 2026، يقترب الشرق الأوسط بأسره من نقطة حرجة قد تؤدي إلى اهتزاز هيكلي شامل في المنطقة.
فمع تزايد المخاطر المرتبطة بانهيار النظام الإيراني، حذر خبراء من أن أي تفكك سريع للمنظومة القائمة سيؤدي إلى فقدان السيطرة على المنشآت النووية والتقنيات الصاروخية، إضافة إلى تمدد شبكات الوكلاء الإقليميين، وهو ما سيضاعف المخاطر الأمنية.
ويرى مقال صيني أنه "في حال فقدان إيران كقطب مواجهة رئيس، فستجد الولايات المتحدة وإسرائيل نفسيهما في وضع يشبه فقدان حلف الناتو لروسيا، أي فقدان القيمة التكاملية أمام بقية الدول".
في هذه الحالة، توقع الباحث في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة فودان، يانغ فوشين، أن "منطقية ذهاب دول المنطقة للتطبيع مع إسرائيل ستتغير، وستعاد صياغة ترتيب التحالفات الإقليمية، بينما قد يعود الملف الفلسطيني ليحتل موقع الصراع المركزي".
وأشار إلى أن "الولايات المتحدة وإسرائيل تراهنان على (حرب خاطفة) تحقق تغييرا منخفض التكلفة للنظام الإيراني، لكنهما لا ترغبان في تحمل أعباء المواجهة الطويلة الأمد".
وبحسبه، فإن "هذه الرؤية الإستراتيجية نفسها قد تكون أكبر عناصر عدم اليقين في المشهد الراهن".

انفلات كامل
وفي حوار موقع "فونكس" مع فوشين، تساءل الموقع الصيني عن تأثير انهيار النظام الإيراني على دول المنطقة، خاصة إسرائيل.
وأجاب الخبير في شؤون الشرق الأوسط: "أولا، يجب أن نوضح أن مسار انهيار النظام الإيراني ليس واحدا، ولا يمكن أن يكون بالضرورة ذلك السيناريو الذي تأمله واشنطن وتل أبيب، أي ظهور فراغ في السلطة، ثم انتقال سلس للقوى الموالية للغرب دون عوائق".
"بل إن أي انهيار محتمل سيكون عملية معقدة مليئة بعدم اليقين وصراعات متعددة الأطراف". وفق قوله.
وأضاف: "إيران دولة تضم نحو 90 مليون نسمة، وتتميز بتركيبة قومية معقدة".
وبالتالي، يقدر أنه "إذا انهارت الحكومة المركزية بسرعة ودخلت البلاد في انقسامات داخلية، فإن أحد أبرز التداعيات سيكون فقدان السيطرة على منشآت نووية ومواد مخصبة وتقنيات صاروخية وتقنيات الطائرات المسيرة".
وحذر من أن "هذه الأسلحة قد تصل إلى أيدي جماعات مسلحة غير حكومية، وهو ما سيؤدي إلى انفلات كامل في الأمن الإقليمي".
علاوة على ذلك، رجح فوشين أنه في هذه الحالة "قد يشكل وكلاء إيران في العراق ولبنان تهديدا أكبر لإسرائيل من النظام الإيراني نفسه".
وأردف: "من زاوية جيوسياسة، فإن سقوط إيران كقوة شيعية رئيسة يشبه فقدان حلف الناتو لروسيا كعدو افتراضي، وبالتالي يفقد قيمته".
وتابع موضحا: "فوجود إيران يعني وجود محور داعم للقضية الفلسطينية، وعدو مركزي للدول العربية السنية، وهو ما يمنح الولايات المتحدة وإسرائيل مبررا لتوحيد المنطقة عبر اتفاقيات مثل اتفاقيات أبراهام وتحالف I2U2 (أميركا والإمارات والهند وإسرائيل)".
واستطرد: "في ظل هذا التوازن، يستطيع اليمين الإسرائيلي بقيادة نتنياهو مواصلة سياسة تفتيت الأراضي الفلسطينية، بينما يبقى حل الدولتين في موقع ثانوي".
"أما إذا أصبحت المنطقة خالية من أي قوة معارضة، وتحوَّلت جميع الأنظمة إلى موالية للغرب وإسرائيل، فإن القضية الفلسطينية ستعود لتتصدر المشهد كتناقض رئيسي". يقول الموقع.
وأكمل: "بل إن بعض الخلافات الثانوية القائمة حاليا، مثل التوتر بين إسرائيل والسعودية، أو بين السعودية والإمارات، أو بين جماعة الإخوان ودول الخليج، قد تتحول إلى صراعات رئيسة".
بصورة عامة، يعتقد فوشين أنه "مع وجود إيران غير مستقرة، فإن الوضع الأمني في الشرق الأوسط قد يصبح أكثر سوءا، بل إن انهيار النظام الإيراني قد يشكل تهديدا إستراتيجيا لإسرائيل".

أثر نفسي
في سياق هذه المعطيات، تساءل الموقع: إذا كانت هذه الضربة تحمل تداعيات سلبية على إسرائيل والولايات المتحدة، فما التقديرات التي دفعت إلى شنها؟ وإلى أي مدى تعرضت إيران للضعف؟
ورد الباحث في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة فودان: "إسرائيل أوضحت منذ البداية أن هذه العملية هي (ضربة وقائية)، وبالتالي فإن هدفها الأدنى يتمثل في تفكيك القدرات الهجومية المحتملة لإيران وإرادتها في الهجوم".
وأضاف أن "هذا يشمل تفكيكا منظوميا لسلسلة كاملة بدءا من أعلى القيادة العسكرية، وصولا إلى البنية التحتية العسكرية المحلية، ومستودعات الصواريخ، والمنشآت النووية، ومعاهد البحوث العسكرية، وغيرها".
وأردف: "أما الهدف الأعلى المعلن فهو إعادة إحياء الرأي العام الغاضب في إيران الذي ظهر قبل عدة أشهر خلال العاصفة السياسية الداخلية، وتحقيق تغيير النظام دفعة واحدة، وإنشاء حكومة علمانية موالية لأميركا وإسرائيل".
"وبالتالي تفكيك ما كان يعرف بـ(محور المقاومة) الذي أجبر إسرائيل على القتال في سبع جبهات". بحسب التقرير.
فيما يتعلق بحجم الخسائر الإيرانية، يرى فوشين أن "الوضع غير مطمئن، ففي يونيو/ حزيران 2025 فقدت إيران عددا من منظومات الدفاع الجوي، وتعرضت منشآت نووية لهجمات بقنابل خارقة للتحصينات، إضافة إلى خسائر في صفوف كبار القادة العسكريين". ووفق تحليله، فإن "هذه الضربة جاءت لتعمق تلك الثغرات".
وحول تصور إسرائيل لشكل النظام الذي تأمل أن يظهر في إيران، قال فوشين: "أعتقد أن لديها خطتين في ذهنها".
وتابع حديثه: "إذا تحقق هدف تغيير النظام، فهي تريد حكومة جديدة تعترف بشرعية إسرائيل كدولة ذات سيادة، وتفتح الباب أمام تعاون اقتصادي قائم على تبادل التكنولوجيا والتمويل مقابل الطاقة الإيرانية، بما يعيد نموذج التعاون الذي كان قائما قبل الثورة الإسلامية".
أما إذا لم يتحقق التغيير المنشود، فيقدر أن "إيران تحت أقصى ضغط من سياسة (الضرب للحث على التفاوض) ستكون دولة مقيدة تماما باتفاقيات نووية وصاروخية وعقوبات شاملة، لا تملك القدرة أو الإرادة لدعم وكلائها الخارجيين لتهديد أمن إسرائيل".
تقدير مبالغ
وفي الجزء الأخير من المقابلة، تساءل الموقع: هل من الممكن تحقيق "نصر سريع منخفض التكلفة"؟ وما مدى جدوى الرؤية الإستراتيجية للولايات المتحدة وإسرائيل؟
وأجاب فوشين: "أرى أن توقعات الولايات المتحدة وإسرائيل والدول العربية متشابهة، فالدول العربية، خاصة دول الخليج، بلا شك ترحب بإضعاف إيران، لكنها تخشى بشدة تصاعد الحرب، خصوصا إذا تحولت إلى صراع طويل الأمد".
وأردف: "يمكننا بالفعل ملاحظة تصاعد ردود الفعل الإيرانية التي أصبحت صعبة السيطرة، مثل حظر الملاحة بمضيق هرمز، واستهداف مدن كبرى في الخليج مثل الدوحة ودبي والرياض".
"الأمر الذي يقوّض صورة هذه الدول كمراكز للطاقة والمال والسياحة، وهو ما لا ترغب الدول الخليجية في حدوثه، ولذلك يشاطرون إسرائيل الرغبة في تحقيق تغيير سريع للنظام بعد نصر سريع". بحسب رأيه.
ولا يختلف الحال مع الحسابات الأميركية؛ إذ يعتقد أن "واشنطن لا تريد الانجرار إلى حرب شاملة جديدة في الشرق الأوسط، فهي تحاول تجنب الحاجة لإرسال قوات برية".
أما الحديث عن "اقتصار العمليات على غارات جوية واسعة النطاق مع مراحل محددة من القصف الدقيق، على أمل أن يقوم المعارضون الداخليون الإيرانيون بترتيب الأمور لاحقا"، فعده الباحث "تقديرا مبالغا فيه".
وعليه، خلص إلى أن "رغبة الولايات المتحدة وإسرائيل في تحقيق تغيير سريع للنظام عبر (حرب خاطفة) منخفضة التكلفة، دون تحمل خسائر كبيرة في الأرواح والمصالح، تبدو أقرب إلى الوهم منها إلى الواقع".















