لماذا لن تنهار إيران وأميركا لن تكترث إذا استخدمت إسرائيل النووي؟

"حتى إذا اندلعت مواجهة نووية بين إسرائيل وخصومها في المستقبل، فإن الأميركيين لن يتدخلوا"
تحت عنوان "لماذا لن تنهار إيران ولن تهتم الولايات المتحدة؟"، كتب “تيموفي بورداشيف” مدير برنامج نادي فالداي الروسي مقالا بصحيفة "فزغلياد" حول الأسباب التي تجعل انتصار واشنطن في الحرب على طهران "احتمالا منخفضا".
وقال بورداشيف: إن السياسة الدولية هي مجال تتفاعل فيه الجغرافيا والثقافة، فالموقع الجغرافي للدولة هو العامل الأكثر أهمية في تحديد إستراتيجيتها في العالم، ومن هنا نشأ مجال الفكر السياسي المعروف بالجيوسياسة.
وفي المرتبة الثانية من حيث الأهمية لطبيعة السياسة الخارجية للدول تأتي الثقافة بمعناها الواسع: أي مجموع المعتقدات والممارسات التي يحدد الناس على أساسها حدود الممكن، ويبتكرون من خلالها الأشكال والرموز للتواصل مع الشعوب الأخرى.

شكوك كبيرة
وبحسب الكاتب، "تعد الحرب التي أشعلتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في 28 فبراير/ شباط 2026، مثالا واضحا على تفاعل هذين المصدرين لسلوك الدول في سياستها الخارجية".
وأضاف: "فكل طرف رئيس يتصرف وفقا لتصوراته الخاصة عما هو ضروري لبقاء دولته وما هو غير مهم".
ووفقا له، فإن "فهم هذه المعادلة ضروري لتجنب الأوهام بشأن السياسة الحالية والمستقبلية لكل من واشنطن وطهران".
وفصّل بورداشيف في شرح فكرته: "هناك اعتقاد شائع بأن الإخفاقات والنجاحات المشكوك فيها في أفغانستان والعراق وليبيا أضرت كثيرا بالمصالح الأميركية؛ لأنها أسهمت في زيادة التهديد الإرهابي، وتعزيز حالة عدم الاستقرار، وتراجع القدرة على التنبؤ بمسار التطورات الإقليمية".
وأردف: "لا خلاف أن هذه التجارب لم تجلب أي خير لشعوب تلك الدول ولا للمنطقة بأسرها".
واستدرك: "لكن من الخطأ الجسيم الاعتقاد أن الاستقرار طويل الأمد أو الفوضى الكاملة في الشرق الأوسط يمثلان أهمية جوهرية للولايات المتحدة، أو أن تهديدها بهذا الأمر سيؤثر فيها".
وعزا ذلك قائلا: "الولايات المتحدة التي تقع على بُعد آلاف الكيلومترات من الشرق الأوسط وآسيا الوسطى لا يعنيها في الحقيقة الوضع القائم هناك، وذلك ببساطة لأن هذا الوضع لا يمكنه التأثير في أمن الدولة الأميركية أو بقائها".
ووفق رأيه، فإن "الأهمية الحقيقية بالنسبة للأمريكيين تتعلق فقط بالأوضاع في ما يوصف بــ"الخاصرة الرخوة" الخاصة بهم، أي منطقة البحر الكاريبي".
واستشهد على ذلك بالقول: "فقد وضعت أزمة الصواريخ الكوبية، في أكتوبر/ تشرين الأول 1962، العالم على حافة حرب نووية؛ لأن الاتحاد السوفيتي خلق للمرة الأولى في التاريخ تهديدا مباشرا لبقاء الولايات المتحدة".
واستطرد: "ومن أجل مثل هذا الخطر كان الأميركيون مستعدين فعلا لخوض حرب شاملة".
أما بقية العالم، فيرى أنه "لا يشكل بالنسبة لواشنطن سوى ساحة لتطبيق الدبلوماسية، حتى لو لم يحققوا أرباحا مالية كبيرة".
"فالدولة الأميركية لا تواجه تهديدا وجوديا، ولديها موارد جيدة داخلية، لذلك تنظر النخبة الأميركية إلى النزاعات العالمية بوصفها مجالا لتوظيف السياسة والدبلوماسية". بحسب قوله.
أضرار تكتيكية
ويعتقد بورداشيف أنه "في مثل هذه اللعبة، يمكن للولايات المتحدة الجمع بين المصالح السياسية والتجارية".
وإسقاطا على الحرب الحالية، قال: "من الناحية السياسية، تسعى أميركا على الأرجح إلى إخراج الخصم الرئيس لإسرائيل في الشرق الأوسط من المعادلة لفترة طويلة، ما يسمح لها بتهدئة الوضع مؤقتا، وتمكين الحكومات العربية الحليفة من تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع إسرائيل، والاعتراف بتفوقها العسكري الذي لا يمكن أن يستمر دون الدعم الأميركي".
أما من الناحية الاقتصادية، فيقدر أن "النخبة الأميركية تستطيع تحقيق مكاسب من هذا التوازن المؤقت بين العرب وإسرائيل، إضافة إلى تقليص فرص روسيا والصين والهند، وهي القوى المنافسة الإستراتيجية الكبرى".
مع ذلك، يرى بورداشيف أن "مدى استمرارية هذه المكاسب على المدى الطويل ليس ذا أهمية كبيرة في الواقع".
وأرجع ذلك لسببين؛ "الأول: لأن التفكير السياسي في الغرب لا يتجاوز عادة بضعة أشهر، وهو ما ينطبق على الإدارة الأميركية التي تقترب من انتخابات الكونغرس (نوفمبر/ تشرين الثاني 2026)".
"وثانيا، لأن السياسة طويلة الأمد هي في النهاية مجموع الانتصارات أو الإخفاقات التكتيكية".
وعليه، يقدر الخبير الروسي أن "إلحاق ضرر تكتيكي بروسيا والصين يعد أكثر أهمية لواشنطن من حل أي قضية خارجية أخرى بشكل جذري".
وتابع: "فهناك اعتقاد أن تراكم الانتصارات الصغيرة يعزز قدرة الولايات المتحدة على الصمود أمام ضغوط موسكو وبكين ونيودلهي، وحتى أمام تطلعات الشعوب نحو الحرية".
ويعتقد بورداشيف أن "الأميركيين غير قادرين على عكس هذا الاتجاه، لكن إذا نجحوا في إضعاف إيران بصورة كبيرة فقد يضيفون خطا دفاعيا جديدا إلى خطوطهم الدفاعية".
وأردف: "أما إذا انهارت هذه البنية خلال عشرة أو خمسة عشر عاما، فإن الإدارة الأميركية الحالية لا تكترث لذلك".
بل إنه ذهب إلى القول إنه "حتى إذا اندلعت مواجهة نووية بين إسرائيل وخصومها في المستقبل، فإن الأميركيين لن يتدخلوا، بل سيكتفون باستقبال بعض اللاجئين الأثرياء".
"أما السمعة في السياسة الدولية فلا تشكل لهم وزنا كبيرا، ولو كانت كذلك لابتعدت عنهم الدول منذ زمن بعيد". وفق تحليله.
بناء على ذلك، أشار إلى أن "الولايات المتحدة ترى أن الخطر الوحيد الجدي عليها يتمثل في هزيمة عسكرية ساحقة وسريعة مع خسائر كبيرة، وهو أمر غير مرجح بسبب الفارق الواضح في القدرات".

فوضى مستبعدة
في المقابل، يعتقد الخبير الروسي أن إيران "في وضع جيوسياسي مختلف، فقد كانت دائما في وضع هش تاريخيا".
فقد عانت البلاد من غزوات مدمرة أربع مرات في تاريخها: مرتين من الشرق، ومرة من الجنوب، ومرة من الغرب، كما أن عدد الهزائم المرة في تاريخ إيران أكثر من عدد الانتصارات المجيدة".
وهو ما يرى أنه "شكل ثقافة الجمهورية الإسلامية السياسية كدولة مرنة لكنها شديدة الصلابة تاريخيا".
وحول السيناريوهات المستقبلية للحرب، قال بورداشيف: "لا يمكننا الجزم الآن بمدة استمرار الصراع أو مصير طهران".
مع ذلك، ذكر أنه "بالنظر إلى اختيار الولايات المتحدة للسيناريو العسكري في الوقت الراهن، فإن واشنطن واثقة إلى حد كبير من أن أي مقاومة محتملة لن تُكبّدها خسائر فادحة".
واستطرد: "من الحكمة عدم الاستهانة بالقدرات التحليلية والاستخباراتية لخصومنا في مجال يوجدون فيه بكثافة وفعالية منذ عقود".
في الوقت ذاته، أشار الخبير الروسي إلى أن "الشيء الوحيد الذي يتفق عليه المتخصصون في إيران والحضارة الفارسية هو الاحتمال المنخفض لانهيار مؤسسات الدولة هناك، أو أن تغرق البلاد في الفوضى".
وفسر ذلك قائلا: "فعلى مدى أكثر من 2500 سنة، لم تعرف الدولة الإيرانية حدوث ما يُعرف بــ (زمن الفوضى)، كما حصل في التاريخ الأوروبي أو الروسي أو الصيني".
مضيفا: "إيران هي حضارة سياسية متكاملة للغاية؛ حيث يمكن أن يتغير الحكام، ويمكن للغزاة الأجانب الدخول، لكن حروب (الكل ضد الكل) لا تحدث".
وفق تلك المعطيات، شكك بورداشيف من أن "تتحول إيران -حتى في حال وقوع سيناريو مأساوي بالنسبة لحكومتها- إلى وضع مشابه لسوريا أو العراق أو ليبيا".
فهي، وفق تحليله، لن تصبح مصدر تهديد مباشر لجيرانها، بما في ذلك أصدقاء وحلفاء روسيا في آسيا الوسطى.
وأشار إلى أنه "بالنظر إلى ثقة موسكو في صلابة الحكومة الإيرانية والشعب الإيراني، فإن عدم وجود احتمالات للفوضى هناك مهما كانت نتائج الحرب يعد خبرا جيدا جدا".
في الوقت نفسه، شدد على أن "النخب الإيرانية ستتصرف في كل الأحوال وفق المثل الروسي المعروف: (قميص المرء أقرب إلى جسده)، فبالنسبة لهم، سيكون الحفاظ على الدولة دائما أكثر أهمية دائما من أي رموز أو التزامات خارجية".
وحول انعكاسات الحرب على روسيا، قال: "يبدو أن أي تطور في الأحداث في الشرق الأوسط مرتبط حاليا بشكل غير مباشر بما هو مهم لبقاء روسيا نفسها، وهو الحفاظ على التوازن النووي مع الولايات المتحدة، وحل القضية الأوكرانية تدريجيا".
مؤكدا على أن "عدم قدرة الخصم الوحيد المتكافئ بالقوة على توجيه هزيمة عسكرية لروسيا والسيطرة على أهم الأراضي في محيطها يعكس خصوصيات ثقافتنا وجغرافيتنا".















