أربعة سيناريوهات تحدد مستقبل الحرب في الشرق الأوسط.. ما هي؟

إذا أخذنا على محمل الجد فكرة أن الأمر لن يكون "حربا خاطفة"، فإنّ السؤال الأهم ليس من "ينتصر" غدا
لا تعد الحرب الجارية في الشرق الأوسط جولة خاطفة؛ إذ إن اغتيال أميركا وإسرائيل رأس الهرم في إيران لا يعني إسقاط النظام كاملا، بل يعني أنه تم الدخول في مرحلة حرجة غير مسبوقة.
جاء ذلك في تقرير لمعهد تحليل العلاقات الدولية الإيطالي (IARI)، إذ قال: إن "العلاقات بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل تتسم منذ عقود بنمط متكرر: ردع، وتخريب، وانتقام، وإدارة للتصعيد عبر قنوات غير مباشرة من وكلاء، وهجمات سيبرانية، وضغوط اقتصادية، وعبر نقاط الاختناق البحرية".
وأضاف أن المشكلة الهيكلية، اليوم كما بالأمس، تكمن في شقين: أولهما، التهديد المُتصوَّر المرتبط بالقدرات العسكرية الإيرانية وبرامجها الإستراتيجية؛ وثانيهما، قدرة طهران على فرض تكاليف غير متكافئة دون الحاجة إلى منافسة متكافئة مع القوة الجوية والبحرية الغربية.

كسر الحواجز
ولا يقرأ المعهد التصعيد الحالي بأنه "جولة أخرى من تبادل الصواريخ"، بل هناك كسر لحواجز سابقة، وذلك عبر هجمات واسعة النطاق استهدفت قمة صنع القرار الإيراني وأنتجت فورا مشكلة تتعلق باستمرارية هيكل القيادة.
وأوضح أن "اضطراب الوضع الراهن لا يكمن في حجم الهجمات فحسب، بل في حقيقة أن الحدث قد بدأ في إعادة توزيع السلطة والمخاطر على ثلاثة مستويات: إيران الداخلية (الخلافة/السيطرة)، والإقليمية (توسيع نطاق العمليات)، والعالمية (الطاقة والتجارة)".
وأوضح المعهد الإيطالي أن على الصعيد الإقليمي، تظلّ الهيمنة البحرية في الخليج أداة طهران الأكثر فعالية من الناحية الجيوسياسية، إذ تمرّ عبره كميات هائلة من البضائع، وتؤدي ضبابية الوضع إلى ازدحام في المضيق، وارتفاع أقساط التأمين، وتعليق خطوط الملاحة، وتوتر العلاقات بين السفن العسكرية والتجارية.
وإذا أخذنا على محمل الجد فكرة أن الأمر لن يكون "حربا خاطفة"، فإنّ السؤال الأهم ليس من "ينتصر" غدا، بل ما النتيجة التي يسعى كل طرف إلى ترجيحها ضمن أطر زمنية مختلفة.
بالنسبة لواشنطن وتل أبيب، يرى المعهد أن الفرضية الأكثر اتساقا، دون افتراض نوايا مطلقة، هي مزيج من الأهداف: تقليص القدرات والتنسيق داخل منظومة الأمن الإيرانية، وزيادة الضغط النفسي والسياسي على مركز اتخاذ القرار، وخلق معضلة بين التصعيد المكلف وفتح المجال للتفاوض.
وأكد أن "من دون قوات برية على الأرض، ومن دون هزيمة واضحة للقوى الأكثر تماسكا، أي: الحرس الثوري، ومن دون بديل قيادي معترف به، فإن سقوط النظام ليس أمرا حتميا".
أما بالنسبة لطهران، لا يكمن الخيار الأمثل في السعي لتحقيق توازن عسكري، بل في إعادة ترسيخ الردع من خلال "جغرافيا التكلفة"، وفق توصيف المعهد.
ويكمن ذلك في توجيه الضربات حيث يكون نظام الخصم أكثر عرضة للاحتكاكات الاقتصادية والسياسية، مثل التجارة، والموانئ، والتأمين، والرأي العام بين الشركاء الإقليميين، مع معايرة الرد بما لا يحول الصراع إلى حرب شاملة تزيد من المخاطر على البقاء الداخلي.
وهنا تدخل ملاحظة تشغيلية؛ وهي أن نجاح جهاز استخباراتي للخصم قد يقلص القدرات والثقة بشكل مؤقت، لكنه عادة ما يؤدي إلى فرط الشك الأمني وردود استخباراتية هجومية، مما يجعل تكرار ضربات مماثلة تدريجيا أكثر "تكلفة"، وفق المعهد.

أربعة مسارات
السيناريو الأمثل، وفق المعهد الإيطالي، هو خفض التصعيد الموجه وإعادة فتح الممرات بشكل مُتحكم به.
في هذا المسار يصبح المنطق السائد هو "حفظ ماء الوجه مع تقليل التكاليف"؛ إذ تعمل طهران على ترسيخ سلسلة قيادة، وتقبل قنوات الوساطة، عادة عبر جهات خليجية أو وسطاء مثل عمان، لوقف التصعيد.
بينما تحول واشنطن وتل أبيب العمل العسكري إلى أداة تفاوضية، مع تقليص تدريجي لشدة الضربات مقابل إجراءات فعلية للحد من المخاطر المتصورة.
وأوضح أن في هذا السيناريو ستكون المراحل الواقعية سلسلة من الإجراءات، أكثر من كونها معاهدة، وذلك مثل وقف الهجمات المباشرة على البنى التحتية المدنية والموانئ؛ واعتماد "قواعد اشتباك" فعلية لتجنب الحوادث البحرية؛ وإنشاء آليات فنية لضمان سلامة الملاحة واستئناف جزئي للتأمينات.
وعمليا، يُقاس النجاح من خلال عودة حركة المرور إلى طبيعتها وعودة أقساط التأمين إلى مستوياتها السابقة، وليس من خلال تصريحات سياسية.
في هذا السياق، تتمثل الأولوية بالنسبة للحكومات والشركات الأوروبية في استغلال هذه الفرصة لتنويع الإمدادات والمخزونات الإستراتيجية، وتجنب "المقامرة" على عودة الأمور إلى طبيعتها فورا.
أما بالنسبة لشركات الخدمات اللوجستية، فستظل العقود الأكثر مرونة وخطط التوجيه البديلة ضرورية حتى خلال فترة خفض التصعيد؛ لأن الثقة تعود دائما بعد عودة التدفقات. بحسب المعهد.
وبخصوص السيناريو الثاني، فيتعلق بحالة الاستقرار التي تتمثل في صراع ممتد، وتكيف متبادل، و"روتين الأزمات".
وهنا، لا يكمن الهدف في حلّ الموقف، بل في إدارته، حيث تستمرّ الضربات على شكل موجات، ويبقى الردّ متقطعا، ويدخل النظام في حالة تأهب قصوى جديدة، مع توقفات متكررة، وتكيّف تكنولوجي (دفاعي، وسيبراني، واستخباراتي).
ويصبح التآكل هو الديناميكية المركزية؛ إذ يسعى كل طرف للحفاظ على زمام المبادرة دون تجاوز العتبة التي قد تجبر الطرف الآخر على إحداث نقلة نوعية.
في هذا السيناريو، تصبح قوة الدولة الداخلية وقدرة الأجهزة الأمنية على ضبط الأمور أهم من ردود فعل الشارع؛ فالاستقرار يعتمد على قدرة الجهاز الأمني على منع التفتت وإظهار استمرارية الدولة على أنها "نظام" في أوقات الهجوم.
وهنا، أوصى المعهد الإيطالي صناع السياسات بالاستثمار في قنوات تجنب الاشتباكات، حتى غير الرسمية منها، والتواصل الفعال مع الحلفاء الإقليميين في أوقات الأزمات؛ لأن الحادث "العرضي" هو المحرك الحقيقي الذي قد يُغير مسار الأحداث.
وبالنسبة للأسواق، فالمتغير الحاسم هو مدة الأزمة، وليس ذروتها، فسلاسل الإمداد وتكاليف الطاقة يُعاد تشكيلها بشكل بطيء لكن مستقر.
أما أسوأ السيناريوهات، كما يراه المعهد، فهو حرب الممرات المائية والحوادث البحرية ذات التأثير السياسي الكبير.
في هذا السياق، يصبح البحر ساحة المعركة الرئيسة من ألغام، ومسيّرات، وصواريخ مضادة للسفن، وهجمات على الموانئ وناقلات النفط، واحتمالية متزايدة للاشتباكات بين الوحدات العسكرية والتهديدات "الهجينة" التي يصعب تحديد مصدرها في الوقت الفعلي.
في هذه الحالة، تصبح أولوية دول الخليج وشركائها الأوروبيين هي حماية البنية التحتية الحيوية ومنع توسع "سلسلة" الهجمات، والردود المتبادلة على القواعد والمحطات والمنشآت.
أما بالنسبة للشركات، فلم تعد خطط استمرارية الأعمال للشحن والمكونات والتأمين اختيارية. فالخطر الأكبر لا يكمن في النية الصريحة للتوسع، بل في التفاعل بين التشديد الدفاعي، وسوء التقدير، والضغط الشعبي عقب حدث بحري ذي دلالة رمزية مدمرة.
وبخصوص السيناريو الرابع، فهو وجود تنافس داخلي إيراني، وتغير في الإستراتيجية وليس بالضرورة انهيارا للنظام.
ولا يتطلب هذا السيناريو انتفاضة شعبية عارمة -وفق المعهد الإيطالي- فكل ما يلزم هو أن يُفضي الانتقال في القيادة إلى تباين في الحوافز بين المؤسسات: الرئاسة، والمؤسسات الدينية، والحرس الثوري، والشبكات الاقتصادية.
وقال: "على المراقبين قراءة الإشارات الداخلية (التعيينات، والتطهير، والخطاب العام، والسيطرة على المعلومات، وموقف الحرس الثوري) كمؤشرات مبكرة أكثر موثوقية من التصريحات الخارجية".
وفي الوقت نفسه، بالنسبة للاعبين الخارجيين (الاتحاد الأوروبي، والصين، وروسيا، وتركيا)، سيكون السؤال هو ما إذا كان ينبغي التركيز على استقرار الوضع الراهن أم استغلال الأزمة لإعادة التموضع في مجالات الطاقة والدبلوماسية.















