رغم الضغط الأميركي.. لماذا يرفض أكراد العراق الانخراط في الحرب على إيران؟

ترامب أجر اتصالات مع البارزاني والطالباني لإقناعهم بالانخراط في الحرب
في ظل الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، برزت مؤشرات على محاولة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب توسيع نطاق الضغوط على طهران عبر استمالة أطراف إقليمية جديدة، من بينها القوى الكردية في العراق.
فقد أجرى ترامب اتصالات مع زعامات كردية في إقليم كردستان العراق، في مسعى لبحث دور محتمل للأكراد في أي تصعيد ميداني ضد إيران، لا سيما في حال تطور الصراع إلى عمليات برية على الحدود الغربية للجمهورية الإسلامية.
غير أن هذه الاتصالات قوبلت بتحفظ واضح من قبل القيادات الكردية التي أبدت حذرا إزاء الانخراط في أي مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران، إدراكا لحساسية التوازنات الإقليمية وتعقيدات المشهد الأمني في المناطق الحدودية بين البلدين.
وفي سياق متصل، أُعلن في 22 فبراير/شباط 2026، أي قبل ستة أيام من اندلاع الحرب، عن تشكيل "ائتلاف القوى السياسية لكردستان إيران"، وهو تحالف يضم ستة تنظيمات كردية إيرانية معارضة تنشط معظمها من داخل إقليم كردستان العراق.
ويهدف هذا الائتلاف إلى تنسيق الجهود السياسية والتنظيمية بين هذه القوى في مواجهة النظام الإيراني، في خطوة تعكس محاولة توحيد الصفوف داخل المعارضة الكردية الإيرانية في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
ويضم التحالف كلا من حزب حرية كردستان، والحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، وحزب الحياة الحرة الكردستاني، ومنظمة نضال كردستان إيران (خبات)، وكومله كادحي كردستان، إضافة إلى حزب كومله كردستان إيران الذي انضم لاحقا إلى الائتلاف، ما يعكس سعيا لتشكيل مظلة سياسية أوسع للقوى الكردية المعارضة لطهران في ظل التطورات المتسارعة في المنطقة.

أنباء متضاربة
تضاربت التقارير بشأن احتمال انخراط قوى كردية في أي تحرك عسكري ضد إيران من الأراضي العراقية. ففي 5 مارس/آذار 2026، نقلت شبكة فوكس نيوز عن مسؤول أميركي – لم تسمه – أن آلاف المقاتلين الأكراد شنوا هجوماً برياً من العراق باتجاه إيران. وفي اليوم نفسه، ذكر موقع واللا العبري أن هذه المعلومات لا تشكل مفاجأة بالنسبة إلى إسرائيل، واصفاً الحدث بأنه "حقيقي ومهم".
غير أن حكومة إقليم كردستان العراق سارعت إلى نفي تلك التقارير، مؤكدة أنها لا أساس لها من الصحة. وقال المتحدث باسم الحكومة بيشوا هوراماني في بيان رسمي إن ما يتم تداوله عن قيام الإقليم بتسليح قوى كردية إيرانية معارضة تمهيدا لإرسالها إلى داخل إيران "عارٍ تماماً عن الصحة".
وأوضح هوراماني أن هذه المزاعم التي تتحدث عن مخطط من هذا النوع "غير صحيحة على الإطلاق". مشددا على أن حكومة الإقليم ترفضها جملة وتفصيلاً، ومشيرا إلى أن نشرها يتم بشكل متعمد لخدمة أهداف سياسية معينة.
وأكد أن الحكومة والأحزاب السياسية في كردستان ليست طرفاً في أي تحرك أو حملة تهدف إلى توسيع نطاق الحرب أو تصعيد التوترات في المنطقة، موضحاً أن موقف الإقليم يقوم على الدعوة إلى التهدئة والحفاظ على الاستقرار الإقليمي.
في المقابل، ذكرت صحيفة يسرائيل هيوم العبرية، في تقرير نشر في 5 مارس، أن إسرائيل ناقشت قبل اندلاع الحرب احتمال سيطرة قوى كردية على مناطق داخل إيران، مقدرة أن مثل هذه الخطوة قد تهدف بالدرجة الأولى إلى إضعاف السلطة المركزية في طهران وإثارة حالة من الاضطراب الداخلي.
وأضافت الصحيفة أن الأيام المقبلة قد تشهد تحركات "دراماتيكية" في هذا الاتجاه، في إشارة إلى احتمال توظيف الورقة الكردية ضمن سياق الصراع الدائر.
وفي السياق ذاته، نقلت وكالة أسوشيتد برس عن مسؤولين أكراد أن جماعات كردية إيرانية معارضة متمركزة في شمال العراق تستعد لاحتمال تنفيذ عمليات عسكرية عبر الحدود داخل إيران، مشيرين إلى أن الولايات المتحدة طلبت من أكراد العراق تقديم دعم في هذا الإطار.
وأفادت الوكالة نقلاً عن خليل نادري، وهو مسؤول في حزب حرية كردستان ومقره إقليم كردستان العراق، بأن بعض قوات الحزب انتقلت بالفعل إلى مناطق قريبة من الحدود الإيرانية في محافظة السليمانية، وأنها في حالة تأهب.
وأضاف نادري أن قادة الجماعات الكردية المعارضة تلقوا اتصالات من مسؤولين أميركيين بشأن عملية محتملة، من دون الكشف عن مزيد من التفاصيل.
كما نقلت الوكالة عن مسؤول في حزب كومله – لم تسمه – قوله إن قوات الحزب مستعدة لعبور الحدود خلال فترة تتراوح بين أسبوع وعشرة أيام، لكنها "تنتظر تهيؤ الظروف المناسبة" قبل تنفيذ أي تحرك.

ضغط أميركي
كشفت تقارير إعلامية غربية عن تحركات دبلوماسية مكثفة قادها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في محاولة لحشد دعم إقليمي إضافي في مواجهة إيران. ففي الثاني من مارس/آذار، أجرى ترامب اتصالات هاتفية مع أبرز القيادات الكردية في العراق، هما مسعود البارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني، لبحث التطورات المرتبطة بالحرب الجارية ضد إيران.
وبحسب تقرير نشرته وكالة أسوشيتد برس، فإن ترامب طلب من القيادات الكردية تقديم دعم عسكري للجماعات الكردية الإيرانية المعارضة، بما يشمل السماح لها بالتحرك عبر الحدود انطلاقا من إقليم كردستان العراق لتنفيذ عمليات داخل الأراضي الإيرانية.
وعند سؤالها عن هذه الاتصالات، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت إن الرئيس الأميركي تحدث بالفعل مع القادة الأكراد بشأن القاعدة العسكرية الأميركية الموجودة في شمال العراق، لكنها نفت وجود موافقة على خطة محددة لدعم عمليات عسكرية عبر الحدود.
في المقابل، كشف موقع أكسيوس الأميركي أن الاتصال الهاتفي بين ترامب والقيادات الكردية تناول بشكل مباشر احتمال تنفيذ هجوم بري من قبل فصائل كردية إيرانية معارضة في شمال غرب إيران، بالتزامن مع الحملة العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد طهران.
ونقل الموقع عن مصادر أميركية وإسرائيلية أن مسلحين من جماعات كردية إيرانية معارضة يستعدون بالفعل لشن عمليات عسكرية محتملة داخل إيران، في محاولة لفتح جبهة ضغط جديدة على النظام الإيراني من الداخل.
ووفق التقرير ذاته، وصف مسؤول أميركي – لم يكشف عن هويته – الاتصال بين ترامب والقيادات الكردية بأنه "إيجابي"، غير أن البارزاني وطالباني أبديا تحفظا واضحا إزاء الانخراط في أي غزو بري مباشر للأراضي الإيرانية. كما أجرى ترامب اتصالا منفصلا مع مصطفى هجري زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني.
وأشار مسؤولون أميركيون وإسرائيليون إلى أن بعض الجماعات الكردية الإيرانية المعارضة تحظى بدعم استخباراتي من الموساد ووكالة المخابرات المركزية الأميركية. ووفقا لمسؤول أميركي نقل عنه موقع أكسيوس، فإن الخطة المحتملة تقوم على تمكين هذه الفصائل من السيطرة على منطقة في كردستان الإيرانية، بهدف تقويض سلطة طهران وتحفيز انتفاضة أوسع داخل البلاد.
وكشف التقرير أن فكرة دعم الفصائل الكردية واستخدامها لشن هجوم بري انطلاقا من الأراضي العراقية طُرحت في الأصل من قبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وجهاز الموساد، قبل أن تنضم إليها لاحقا وكالة المخابرات المركزية الأميركية.
وبحسب المصدر ذاته، وعدت إسرائيل بعض الفصائل الكردية بدعم سياسي لفكرة إقامة منطقة كردية ذات حكم ذاتي في إيران في مرحلة ما بعد سقوط النظام.
وفي أعقاب هذه التقارير، تلقى الزعيمان الكرديان مسعود البارزاني وبافل طالباني تحذيرات مباشرة من طهران، كما أجرى معهما وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اتصالا هاتفيا للتعبير عن رفض إيران لأي دور محتمل لإقليم كردستان العراق في العمليات العسكرية ضدها.
وتزامنت هذه التطورات مع تصعيد أمني في الإقليم، حيث شهدت مناطق في إقليم كردستان العراق خلال الأيام الأخيرة هجمات بطائرات مسيرة وصواريخ نسبت إلى إيران وفصائل عراقية حليفة لها، استهدفت قواعد عسكرية أميركية والقنصلية الأميركية في أربيل، إضافة إلى مواقع تابعة لجماعات كردية إيرانية معارضة.
وفي السادس من مارس/آذار، نقل التلفزيون الرسمي الإيراني تحذيرا صادرا عن الجيش الإيراني لحكومة إقليم كردستان العراق، أكد فيه أن طهران ستتخذ "إجراءات صارمة" إذا جرى استخدام أراضي الإقليم لنشر قوات معادية قرب الحدود الإيرانية.

"بين نارين"
في خضم التصعيد الإقليمي والحرب التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، يجد أكراد العراق أنفسهم أمام معادلة شديدة التعقيد، حيث يتعين عليهم الموازنة بين علاقاتهم الوثيقة بواشنطن ومخاوفهم من ردود فعل إيرانية قاسية في حال انخراطهم في الصراع.
ويرى الباحث في شؤون الشرق الأوسط بهاء الدين البرزنجي، في حديثه لـ"الاستقلال"، أن فكرة انخراط أكراد العراق في مواجهة مباشرة مع إيران تنطوي على مخاطر جسيمة، مشيراً إلى أن "حلم كردستان الكبرى تراجع منذ سنوات، وأن اتخاذ موقف عدائي صريح ضد إيران – التي لا تنسى خصومها – قد يكون مغامرة سياسية غير محسوبة".
وأضاف أن الأكراد في العراق حققوا مكاسب سياسية بعد عقود من النضال والمعاناة، ولذلك فإن الزجّ بتجربة إقليم كردستان العراق في حرب إقليمية واسعة قد يعرّض هذه المكتسبات لخطر كبير. ورأى أن التعويل على دعم الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مواجهة إيران قد يشبه "الاستجارة من الرمضاء بالنار".
ولفت البرزنجي إلى أن المخاطر التي قد يتعرض لها الإقليم في حال الانخراط بالحرب قد تتجاوز الضربات الحدودية المحدودة، لتصل إلى احتمال مواجهة تدخل عسكري إيراني مباشر أو تصعيد من قبل فصائل عراقية موالية لطهران مثل الحشد الشعبي.
وأشار إلى أن الجماعات الكردية الإيرانية المعارضة قد تجد نفسها مضطرة للمواجهة بحكم موقعها السياسي، لكن أكراد العراق ليسوا في الوضع نفسه، خصوصا بعد التجربة التي مر بها الأكراد في سوريا عندما تراجع الدعم الدولي لهم بعد انتهاء أدوارهم العسكرية.
وفي ما يتعلق بإمكانية إفشال خطط واشنطن لفتح جبهة برية ضد إيران في حال رفض الأكراد التعاون، يرى البرزنجي أن الولايات المتحدة قد تلجأ إلى خيارات بديلة، مثل استخدام أراضٍ داخل كردستان الإيرانية نفسها أو تنفيذ عمليات إنزال عسكرية محدودة، وهو سيناريو قد يجنّب حكومة الإقليم الانخراط المباشر في الحرب.
ويضيف أن القيادات الكردية في العراق تدرك حجم المخاطر المحيطة بالإقليم، خاصة أن إيران ما تزال تمتلك القدرة على توجيه ضربات صاروخية أو بطائرات مسيّرة ضد أهداف داخل الإقليم، ما يجعل أي مغامرة عسكرية ذات كلفة مرتفعة.
من جهة أخرى، يرى الكاتب شاهين علي في مقال نشره موقع نيريج الكردي في 7 مارس/آذار، أن إيران تنظر منذ سنوات بعين الريبة إلى إقليم كردستان العراق، خاصة مع تزايد الوجود العسكري الأميركي فيه.
ويشير الكاتب إلى أن هذا القلق الإيراني يرتبط بعدة عوامل، من بينها وجود قاعدة عسكرية أميركية كبيرة ومطار استراتيجي في أربيل، فضلا عن حضور شركات أمنية واستثمارية أميركية. كما نقلت واشنطن خلال الفترة الأخيرة معدات عسكرية متطورة وكوادر متخصصة من مناطق عراقية أخرى إلى أربيل.
وبحسب هذا التقدير، تعد طهران هذه التحركات تهديدا مباشرا لأمنها القومي، ما يجعل أربيل هدفا محتملا في أي مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وقد تكرر هذا السيناريو خلال السنوات الماضية عندما استهدفت صواريخ إيرانية مواقع في أربيل بذريعة وجود أنشطة أو مصالح أميركية.
ويرجّح الكاتب أنه في حال تأكدت إيران من تحول كردستان العراق إلى منصة رئيسة للعمليات الأميركية، فإنها قد توسع نطاق هجماتها لتشمل منشآت اقتصادية وتجارية حيوية في الإقليم، إضافة إلى المواقع العسكرية.
كما قد تلجأ طهران إلى فتح جبهة ضغط داخلية عبر الفصائل المسلحة الموالية لها في العراق، والتي نفذت بالفعل في الأيام الأخيرة هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ على مناطق في أربيل والسليمانية، مستهدفة مواقع أميركية ومنشآت مدنية وسياحية.
ولا يقتصر الضغط المحتمل على الجانب العسكري فقط، إذ قد تستخدم إيران نفوذها السياسي داخل الحكومة العراقية لفرض ضغوط اقتصادية ومالية وأمنية على الإقليم، إضافة إلى تعزيز انتشار قواتها على طول الحدود المشتركة مع العراق.
وفي المقابل، يشير الكاتب إلى أن رفض أربيل الانخراط في الحرب إلى جانب الولايات المتحدة قد يضع العلاقات الأميركية–الكردية أمام اختبار صعب. فواشنطن قد تلجأ إلى تقليص دعمها الأمني والسياسي والاستخباراتي والمالي للإقليم، وهو ما قد يترك الأكراد في مواجهة ضغوط إقليمية متزايدة من تركيا وإيران والحكومة المركزية في بغداد.
ويخلص الكاتب إلى أن أكراد العراق يقفون أمام معادلة صعبة، إذ يجدون أنفسهم أمام خيارين كلاهما مكلف: إما الانحياز إلى الولايات المتحدة وتحمل تبعات المواجهة مع إيران، أو محاولة البقاء على الحياد مع خطر فقدان الدعم الأميركي.
المصادر
- تضارب الأنباء بشأن هجوم بري من "أكراد عراقيين" في إيران
- فوكس نيوز: فصائل كردية بدأت الهجوم على إيران من العراق
- الخيارات القاتلة… هكذا سيورط ترامب أكراد العراق في الحرب ضدّ إيران !
- الجيش الإيراني يهدد حكومة كردستان العراق باتخاذ "إجراءات صارمة" اقرأ المزيد على موقع إرم نيوز: https://www.eremnews.com/news/arab-world/yazt3jf
- أكراد إيران يوحّدون الصفوف: ماذا نعرف عن الائتلاف الجديد؟ وما دوره؟
- أكسيوس: ترامب بحث مع بارزاني وطالباني هجوما بريا كرديا ضد إيران وتلقى ردهما

















