الرموز الدينية تشعل الحرب في الشرق الأوسط.. ما الذي يجرى خلف صراع إيران؟

القادة العسكريون باتوا يقدمون الحرب على إيران باعتبارها حربا مجازة من الكتاب المقدس
في ظل التصعيد العسكري المتسارع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بدأت تظهر معطيات لافتة تشير إلى أن الخطاب المتعلق بالحرب لا يُقدَّم في بعض الدوائر السياسية والعسكرية بصفته مواجهة جيوسياسية تقليدية فحسب، بل بوصفه صراعًا ذا أبعاد دينية وعقائدية عميقة.
وقد تعززت هذه الصورة بعد إعلان مؤسسة الحرية الدينية العسكرية في الولايات المتحدة، في 3 مارس/آذار 2026، أنها تلقت أكثر من 200 شكوى من أفراد في الخدمة بمختلف فروع الجيش الأميركي، شملت عناصر من مشاة البحرية والقوات الجوية وقوات الفضاء، تتهم قادتهم باستخدام خطاب مسيحي متطرف لتبرير العمليات العسكرية ضد إيران.

القومية المسيحية
وكشفت الشكاوى التي اطلعت عليها صحيفة الغارديان البريطانية، أن ضابط صف في وحدة مرشحة للانتشار السريع نقل عن قائده العسكري دعوته الجنود إلى الاعتقاد بأن الحرب ضد إيران تمثل "جزءًا من خطة الله".
وتضمنت الشهادات استشهادًا بمقاطع من الكتاب المقدس، وتحديدًا من سفر الرؤيا التي تُفسَّر في بعض التيارات الإنجيلية المتشددة على أنها تشير إلى "معركة هرمجدون"، وهي المعركة التي يُعتقد أنها تمثل المواجهة النهائية التي تسبق عودة المسيح ونهاية العالم.
وبحسب الشكاوى، فإن القائد العسكري ذهب أبعد من ذلك حين قال للجنود: إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب هو "مختار من قبل المسيح" لإشعال المواجهة مع طهران، بهدف إطلاق شرارة المعركة الموعودة وفق هذا التصور الديني.
لم تكن تلك الشكوى حالة فردية، إذ قُدمت نيابة عن 15 جنديا، بينهم 11 مسيحيا إضافة إلى جندي مسلم وآخر يهودي، ما يعكس أن الاعتراض لم يقتصر على أفراد من ديانات مختلفة، بل شمل أيضاً مسيحيين رأوا أن استخدام الخطاب الديني داخل المؤسسة العسكرية تجاوز حدود التعبير الشخصي، ليصل إلى محاولة فرض رؤية عقائدية على الجنود.
ووصلت الشكوى بداية إلى الصحفي الأميركي المستقل جوناثان لارسن قبل أن تُنشر تفاصيلها في الصحافة البريطانية، ما فتح نقاشا واسعا حول طبيعة الخطاب الذي يرافق التحضيرات للحرب مع إيران داخل بعض دوائر الجيش في الولايات المتحدة.
وفي تصريحات لصحيفة الغارديان، قال رئيس مؤسسة الحرية الدينية العسكرية مايكي وينشتاين، وهو ضابط سابق في سلاح الجو الأميركي: إن هذه التقارير تعكس تصاعدا مقلقا لما وصفه بـ"التطرف المسيحي" داخل المؤسسة العسكرية.
ويرى وينشتاين أن بعض القادة العسكريين باتوا يقدمون الحرب على إيران بوصفها "حرباً مجازة من الكتاب المقدس"، بل علامة على اقتراب نهاية الزمان وفق تفسيرات دينية متشددة.
وحذّر المسؤول الأمريكي السابق من أن مثل هذه الممارسات تمثل انتهاكا مباشرا لمبدأ فصل الدين عن الدولة، وهو إحدى الركائز الأساسية للنظام الدستوري الأميركي. مشيرا إلى أن الطبيعة الهرمية الصارمة داخل الجيش قد تجعل من الصعب على الجنود الاعتراض على مثل هذه الخطابات دون تعريض أنفسهم لمشكلات مهنية.
ويتزامن هذا الجدل مع صعود خطاب سياسي في الولايات المتحدة يرتبط بما يُعرف بـ"القومية المسيحية"، وهي حركة فكرية ترى أن البلاد يجب أن تقوم على أساس الهوية المسيحية، وأن تلعب دورا محوريا في تحقيق ما تعده نبوءات دينية مرتبطة بنهاية التاريخ.
وفي هذا السياق، تبرز مواقف وزير الدفاع الأميركي بيت هيجسيث، المعروف بتأييده لهذه التوجهات الفكرية، لا سيما ما يسمى بعقيدة "سيادة المجال".
وتستند هذه العقيدة، المنتشرة في بعض الأوساط الإنجيلية المحافظة، إلى فكرة أن المسيحيين مدعوون إلى فرض رؤيتهم الدينية على مجالات الحياة العامة والسياسة، بما في ذلك الحكم والقانون.
وفي أغسطس/آب 2025، أثار هيجسيث جدلاً واسعاً عندما أعاد نشر مقطع للقس الأميركي اليميني المتطرف دوج ويلسون، أحد أبرز رموز القومية المسيحية ومؤسس جماعة الكنائس الإنجيلية الإصلاحية.
وقد عبّر ويلسون في ذلك المقطع عن رغبته في رؤية العالم يتحول إلى عالم مسيحي، كما رفض تولي النساء أدوارا قتالية رفيعة داخل الجيش، وهو ما عدّه منتقدوه مؤشرا على أن هذه الأيديولوجيا قد تؤثر في بعض جوانب التفكير السياسي والعسكري في واشنطن.

الرمزية التوراتية
في المقابل، تظهر لدى إسرائيل ملامح خطاب ديني موازٍ، وإن اتخذ طابعاً مختلفاً يرتبط بالرمزية التوراتية في تسمية العمليات العسكرية وتوصيفها.
فمنذ بداية المواجهة مع إيران، تغير اسم العملية العسكرية الإسرائيلية من "درع يهودا" إلى "زئير الأسد"، وهو اختيار يحمل دلالات رمزية عميقة في التراث الديني اليهودي.
ويرتبط الأسد في النصوص التوراتية بسبط يهوذا، أحد أسباط بني إسرائيل، والذي يمثل في السردية الدينية رمز القوة والسيادة والقيادة. وبذلك فإن اختيار اسم "زئير الأسد" لا يقتصر على الدلالة العسكرية فحسب، بل يستحضر أيضاً صورة القوة الهجومية التي تعلن حضورها بقوة.
ويتقاطع ذلك مع الخطاب الإسرائيلي الذي يصور المواجهة مع إيران بوصفها معركة وجودية تهدف إلى حماية الأمن القومي الإسرائيلي من تهديد إستراتيجي.
وقد عبّر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مرارا عن هذا التصور، مؤكدا أن مواجهة إيران تمثل ضرورة إستراتيجية لا يمكن تأجيلها.
لكن الرمزية الدينية لا تقف عند اسم العملية فحسب؛ إذ أطلق قائد سلاح الجو الإسرائيلي اللواء تومار بارا على أسراب الطائرات التي تنفذ الغارات اسم "سفر التكوين"، في إشارة مباشرة إلى أول أسفار التوراة.
وتضفي هذه التسمية على العمل العسكري بعدا رمزيا يوحي ببداية مرحلة جديدة أو "خلق واقع مختلف" في المنطقة، وفق سردية تتداخل فيها الرموز الدينية مع الخطاب السياسي والعسكري.
ومن أكثر الجوانب التي لفتت الانتباه في هذا السياق توقيت العملية العسكرية؛ إذ تزامنت مع عيد بوريم اليهودي، المعروف أيضا باسم "عيد المساخر".
ويحيي اليهود في هذا العيد ذكرى ما ترويه النصوص الدينية عن نجاتهم من مؤامرة للإبادة في الإمبراطورية الفارسية القديمة. وتروي القصة أن هامان، وزير الإمبراطور الأخميني أحشويرش، خطط لإبادة اليهود في أنحاء الإمبراطورية، لكن خطته فشلت بعد تدخل الملكة اليهودية أستير التي تمكنت بتوجيه من مردخاي من إنقاذ شعبها والقضاء على هامان وأتباعه.
وبذلك أصبح عيد بوريم رمزا للنصر والخلاص في الذاكرة الدينية اليهودية.
ويشير بعض المراقبين إلى أن تزامن العملية العسكرية مع هذه المناسبة يحمل رسالة رمزية واضحة؛ إذ يربط الحرب الحالية بسردية تاريخية تتعلق بالنجاة والدفاع عن الوجود اليهودي.
وفي الواقع، لا يُعد استخدام الرمزية الدينية في تسمية العمليات العسكرية ظاهرة جديدة في إسرائيل. فمنذ قيام الدولة عام 1948، درج الجيش الإسرائيلي على إطلاق أسماء مستمدة من النصوص التوراتية أو من التاريخ اليهودي على العديد من عملياته العسكرية.
ويهدف هذا التقليد إلى ربط الحاضر بسردية تاريخية ممتدة، بما يعزز في الخطاب الداخلي فكرة أن الجيش الإسرائيلي ليس مجرد قوة عسكرية حديثة، بل امتداد لتاريخ ديني يمتد لآلاف السنين.
وهذا الربط بين الماضي التوراتي والحاضر العسكري يخلق إطاراً رمزياً يجعل الصراع يبدو، في بعض الخطابات، وكأنه استمرار لمعركة تاريخية طويلة من أجل البقاء.

حرب دينية
في خضم هذه الأجواء، حذر الإعلامي الأميركي تاكر كارلسون من أن اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي قد يدفع العالم إلى ما وصفه بـ"حرب دينية عالمية".
وفي حلقة من برنامجه بثت في 5 مارس/آذار 2026 تحت عنوان: "هل يمكن أن تكون هذه حربا دينية صممت لإعادة بناء الهيكل الثالث على أنقاض المسجد الأقصى؟"، طرح كارلسون تساؤلات حول الدوافع العميقة للحرب مع إيران.
وأشار إلى ما وصفه بوجود معتقدات "مسيحية صهيونية" راسخة لدى بعض الشخصيات المؤثرة في الولايات المتحدة، من بينها السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي.
وبحسب كارلسون، فإن بعض أنصار هذه العقيدة يعتقدون أن إعادة بناء ما يُعرف بـ"الهيكل الثالث" في القدس شرط ضروري لتحقيق نبوءات دينية مرتبطة بعودة المخلّص.
وذهب الإعلامي الأميركي إلى القول: إن بعض الجنود الإسرائيليين يضعون على زيهم العسكري شارات تشير إلى أن مهمتهم الدينية تتعلق بإعادة بناء الهيكل.
كما عرض كارلسون مقطع فيديو لحاخام يتحدث علنا عن سيناريو يتم فيه إطلاق صاروخ على المسجد الأقصى وإلقاء اللوم على إيران، ما قد يشعل حرباً واسعة في المنطقة.
وتحدث أيضاً عن احتمال وقوع ما يُعرف بعملية “راية زائفة”؛ حيث قد يتم استهداف قبة الصخرة بصاروخ أو طائرة مسيرة ثم توجيه الاتهام إلى إيران، وهو سيناريو قال إنه قد يحدث في ظل ما وصفه بـ"ضباب الحرب".
ومن اللافت أن هذه الانتقادات تأتي من داخل اليمين الأميركي نفسه؛ إذ نشرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية تقريراً مطولاً قبل بث حلقة كارلسون تناول صعود نفوذ الإعلامي الأميركي داخل النخبة اليمينية في الولايات المتحدة.
وجاء التقرير بعنوان: “كيف أصبح تاكر كارلسون الرجل الأقوى في النخبة اليمينية في أميركا؟”
ويشير هذا الجدل إلى أن النقاش حول البعد الديني للحرب مع إيران لم يعد مقتصراً على الأوساط الأكاديمية أو الإعلامية، بل أصبح جزءاً من الانقسام السياسي داخل الولايات المتحدة.
وفي السياق نفسه، وصف السيناتور الأميركي ليندسي غراهام الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران بأنها "حرب دينية" قد تحدد مستقبل الشرق الأوسط لألف عام.
وقال غراهام في تصريحات تلفزيونية: إن ما يجرى يمثل لحظة حاسمة في تاريخ المنطقة، متسائلاً عمّا إذا كان المنتصر في هذه المواجهة سيكون “الإرهابيون الإسلاميون المتطرفون الذين يريدون قتل جميع اليهود”. وفق زعمه.
وأضاف أن نتائج هذه الحرب قد ترسم ملامح الشرق الأوسط لقرون مقبلة.

تقاطع أيديولوجي
يرى أستاذ العقيدة في جامعة الأزهر الدكتور محمد أبو زيد أن فهم الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران لا ينبغي أن يقتصر على المقاربات العسكرية، بل يجب النظر إليه ضمن سياق أوسع يتضمن البعد العقائدي الذي يتسلل بوضوح إلى الخطاب المصاحب لهذا الصراع.
وأوضح أبو زيد في تصريح لـ"الاستقلال" أن المفردات ذات الطابع اللاهوتي والرموز التوراتية والإنجيلية لم تعد مجرد أدوات بلاغية في الخطاب السياسي الغربي كما كان الحال في السابق، بل تحولت إلى أدوات توظيف سياسي تمنح الصراع بعدا عقائديا، وتُستخدم لتعبئة الرأي العام وإضفاء شرعية على السياسات العسكرية في المنطقة.
وأشار إلى أن هذا الخطاب يعكس تداخلا أيديولوجيا عابرا للحدود، يتجلى في حالة التلاقي بين التيارات الدينية المتشددة في إسرائيل وبين اليمين المسيحي الإنجيلي في الولايات المتحدة، وحتى في أوروبا، وهو تلاقٍ يضفي على الصراع أبعاداً تتجاوز الحسابات السياسية التقليدية.
وأضاف أن مفردات مثل "أرض الميعاد"، و"حرب الخير ضد الشر"، و"المهمة المقدسة لحماية الحضارة" ليست مجرد شعارات سياسية، بل تحمل جذوراً توراتية يجرى استدعاؤها لتبرير العنف والإبادة وإضفاء شرعية أخلاقية عليه.
ولفت أبو زيد إلى أن هذا التقاطع الأيديولوجي بين الصهيونية الدينية اليهودية وبين اليمين المسيحي الإنجيلي المتطرف في الولايات المتحدة يدفع بعض دوائر القرار إلى النظر إلى الشرق الأوسط باعتباره مسرحا لتحقيق نبوءات دينية مرتبطة بنهاية الزمان، ومعركة هرمجدون، وهو ما يفسر جزئيا طبيعة الدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل.
وفي هذا السياق، استحضر أبو زيد تصريحات رئيس حركة حماس في قطاع غزة السابق يحيى السنوار الذي أكد في وقت سابق أن الصراع الجاري يحمل بعدا دينيا عميقا، مشيرا إلى أن استدعاء النصوص التوراتية والرموز الدينية في الخطاب السياسي والعسكري الإسرائيلي يعزز هذا التوصيف ويمنحه بعدا تفسيريا أوسع.
وأوضح أن الخطاب الصادر عن قيادات اليمين الإسرائيلي المتطرف، وما يتضمنه من استدعاء واضح للرموز والنصوص الدينية، يؤكد أن الدين يُستخدم كأداة تعبئة سياسية وأيديولوجية في هذا الصراع، وليس مجرد إطار ثقافي أو رمزي.
وحذر أستاذ العقيدة بجامعة الأزهر من أن تحويل الصراع في المنطقة إلى إطار عقائدي مفتوح قد يؤدي إلى تعميق الاستقطاب وإطالة أمد النزاعات؛ لأن الحروب ذات الطابع الديني تكون عادة أكثر صعوبة في الاحتواء وأكثر قابلية للتطرف والتوسع.
وأكد أن مثل هذا المسار قد يهدد بإشعال المنطقة لعقود طويلة؛ لأنه يقوض فرص التسويات السياسية ويغذي حالة الاستقطاب الطائفي والأيديولوجي، الأمر الذي ينعكس سلبا على استقرار الإقليم بأكمله.
وشدد أبو زيد في ختام تصريحه على أن تحليل ما يجري في المنطقة لا ينبغي أن يقتصر على القراءة العسكرية للأحداث، بل يجب أيضا فهم طبيعة الخطاب الديني الذي يرافقها؛ لأن إدراك هذا البعد يساعد على تفسير السياسات المستقبلية واستشراف المخاطر التي قد تهدد استقرار سائر البلدان العربية والإسلامية في المرحلة المقبلة.
المصادر
- "زئير الأسد" وأسراب "سفر التكوين".. توظيف توراتي لحرب إسرائيل على إيران
- هرمجدون الشرق الأوسط
- "معركة هرمجدون".. كيف حشدت أمريكا قواتها لـ"حرب نهاية الزمان" في إيران؟
- US troops were told war on Iran was ‘all part of God’s divine plan’, watchdog alleges
- US troops being told Iran war intended to bring about Armageddon, watchdog says













